ليبيا

الاتحاد الأوروبي يطرح مراكز للمهاجرين خارج حدوده وليبيا ترفض

بروكسل تسعى لنقل عبء الترحيل إلى دول ثالثة وسط مخاوف من توطين المهاجرين

يتجه الاتحاد الأوروبي إلى توسيع سياسة ترحيل المهاجرين إلى دول ثالثة، في مقاربة تضع ليبيا ضمن الخيارات المطروحة لاستضافة مراكز مؤقتة، رغم الرفض الليبي لتحمل مسؤولية جديدة في ملف الهجرة غير النظامية، وسط مخاوف من تحول دول العبور إلى وجهة دائمة للمهاجرين المرحّلين من أوروبا.

مقترح أوروبي يضع ليبيا أمام اختبار جديد

وتقود إيطاليا والدنمارك هذا التوجه داخل الاتحاد الأوروبي، حيث أيدت 19 دولة من أصل 27 فكرة إنشاء مراكز خارج أراضي الاتحاد لمعالجة ملفات طالبي اللجوء المرفوضين وترحيل من لا يحق لهم البقاء، بينما أبدت فرنسا وإسبانيا تحفظات على المقترح، في وقت انتقدت فيه منظمات حقوقية نقل عمليات الاحتجاز والترحيل إلى دول ثالثة.

وجاء التحرك الإيطالي بصورة أكثر وضوحاً من خلال مقترح وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوسي، الذي دعا إلى اعتماد نماذج جديدة لإدارة تدفقات الهجرة، تقوم على منع المغادرة وترحيل من لا يملكون حق اللجوء، مع بحث إيوائهم في مراكز بدول خارج الاتحاد.

وتبرز ليبيا وتونس ضمن الدول التي يجري تداولها كمواقع محتملة لهذه المراكز، إلى جانب رواندا وأوغندا وغانا، وهو ما يعكس اتجاهاً أوروبياً متزايداً نحو معالجة أزمة الهجرة خارج الحدود الأوروبية بدلاً من تحمل كامل تبعاتها داخل دول الاتحاد.

غير أن هذا التوجه يواجه عقبات عملية وقانونية، إذ إن تجربة إيطاليا مع ألبانيا، التي أبرمت معها روما اتفاقاً لإنشاء مركز للمهاجرين تديره إيطاليا، اصطدمت باعتراضات قضائية حالت دون تشغيل المشروع وفق التصور الإيطالي.

ليبيا ترفض التحول من دولة عبور إلى دولة مضيفة

وفي مواجهة المقترح الإيطالي، أبلغت طرابلس روما عدم رغبتها في إنشاء مراكز استقبال مؤقتة للمهاجرين على الأراضي الليبية، وفق مصادر دبلوماسية، معتبرة أن مثل هذه الخطوة قد تغير طبيعة دور ليبيا من دولة عبور إلى دولة مضيفة للمهاجرين.

ويحمل الموقف الليبي دلالة سياسية وأمنية واضحة، إذ تخشى طرابلس أن يؤدي إنشاء مراكز من هذا النوع إلى تحميل البلاد مسؤوليات إضافية في ملف يفوق في تداعياته الجانب الإنساني، ليمتد إلى الأمن والاقتصاد والخدمات والتركيبة الاجتماعية.

كما أن الرفض الرسمي يتقاطع مع موقف شعبي ليبي رافض لمشاريع التوطين، تجدد خلال الأشهر الماضية في أعقاب تقارير عن ترتيبات لتقديم خدمات صحية واجتماعية لحاملي بطاقات اللجوء، إلى جانب مخاوف من مشاريع إسكان قد تؤدي إلى استقرار أعداد من المهاجرين داخل البلاد.

وتزداد حساسية الموقف في ظل تأكيد الاتحاد الأوروبي، في مناسبات سابقة، عدم دعمه توطين المهاجرين أو إنشاء مراكز لإيوائهم في ليبيا. غير أن طرح ليبيا مجدداً ضمن قائمة الدول المحتملة لاستضافة مراكز العودة يثير تساؤلات حول الفارق بين رفض التوطين نظرياً والسعي عملياً إلى نقل جزء من منظومة الاحتجاز والترحيل إلى الأراضي الليبية.

ومن منظور نقدي، تبدو السياسة الأوروبية الجديدة أقرب إلى إعادة توزيع عبء أزمة الهجرة منها إلى معالجة جذورها؛ فالاتحاد الأوروبي يسعى إلى خفض أعداد الوافدين ورفع معدلات الترحيل، لكنه يواجه صعوبة متزايدة في تنفيذ هذه السياسة داخل أراضيه بسبب القيود القانونية والقضائية والسياسية.

وفي الحالة الليبية تحديداً، قد يؤدي نقل مراكز العودة إلى أراضي دولة تعاني أصلاً من تحديات أمنية ومؤسسية إلى إنتاج مشكلة جديدة بدلاً من حل الأزمة، خصوصاً إذا لم تكن هناك ضمانات واضحة تمنع تحول المراكز المؤقتة إلى ترتيبات طويلة الأمد.

وفي المقابل، تشير بيانات وزارة الداخلية الإيطالية إلى تراجع أعداد المهاجرين غير النظاميين المتجهين إلى إيطاليا، ما يطرح تساؤلاً حول مدى الحاجة إلى توسيع مشاريع احتجاز المهاجرين في دول العبور، ومدى ارتباط هذه السياسة بحجم التدفقات الفعلية مقارنة بالاعتبارات السياسية الداخلية في بعض الدول الأوروبية.

وبذلك تجد ليبيا نفسها أمام محاولة أوروبية لإعادة صياغة معادلة الهجرة، بحيث تبقى الحدود الأوروبية أقل تعرضاً لضغوط الوافدين، بينما تتحمل دول العبور جزءاً أكبر من كلفة الاحتجاز والترحيل. وهي معادلة ترفضها طرابلس، خشية أن تتحول معالجة أزمة أوروبية إلى عبء ليبي طويل الأمد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى