ليبيا

غسل الأموال في ليبيا.. 24 مليون دينار تكشف اتساع التدفقات المشبوهة

انقسام مؤسسي وفجوات تشريعية يفاقمان مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب

تكشف تحويلات وإيداعات مصرفية مشبوهة تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار ليبي عن اتساع مخاطر غسل الأموال في ليبيا، في ظل تكرار ضبط تدفقات مالية لا تتناسب مع طبيعة الأنشطة المعلنة لأصحابها، وما يترتب على ذلك من ملاحقات قضائية.

ولا تبدو القضية مجرد مخالفات مصرفية منفردة، بل تعكس وفق تقديرات متابعين فجوة أوسع بين حركة الأموال داخل الاقتصاد الليبي وقدرة المؤسسات على تتبع مصادرها، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام السياسي والأمني وضعف التنسيق بين الجهات المعنية.

ويرى مراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، أن غسل الأموال أصبح أحد الأوجه الخفية للثراء السريع في ليبيا، معتبراً أن حالة الفوضى التي تعيشها البلاد وفرت بيئة مواتية لنمو هذه الممارسات.

ويربط غيث تصاعد الظاهرة بزيادة الطلب على الدولار واتساع أنشطة غير مشروعة، بينها تجارة المخدرات والسلاح والهجرة غير النظامية، مشيراً إلى أن تفاقم غسل الأموال ارتبط بصورة أكبر بمرحلة ما بعد الانقسام السياسي والعسكري عام 2014.

اقتصاد الظل يعيد تدوير الأموال عبر واجهات مشروعة

وتتخذ عمليات غسل الأموال، بحسب الطروحات الواردة، مسارات متعددة تبدأ بإخفاء المصدر الأصلي للأموال، ثم إعادة إدخالها في الاقتصاد عبر أنشطة تبدو قانونية. ويشير مدونون ومتخصصون إلى استخدام العقارات والتجارة وتحويل الأموال إلى الخارج، فضلاً عن تجارة السيارات الفارهة، كأمثلة على مسارات يمكن أن تُستخدم لإعادة تدوير الأموال وإضفاء مظهر مشروع عليها.

ويصف عبد الباسط هارون، مدير مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية، الفساد وجرائم غسل الأموال بأنها حرب مدمرة ضد المواطن الليبي، داعياً الدول التي تستقبل أموالاً مشبوهة مرتبطة بليبيا إلى تشديد إجراءات التحقق والمساءلة.

وتكمن الخطورة في أن غسل الأموال لا يقتصر على إخفاء عائدات أنشطة غير قانونية، بل قد يؤدي إلى تحويل تلك الأموال إلى أصول وثروات يصعب لاحقاً تحديد مصدرها الحقيقي، بما يضر بمبدأ تكافؤ الفرص ويشوّه النشاط الاقتصادي المشروع.

تشريع مكافحة غسل الأموال.. الحلقة الأضعف

وعلى المستوى الدولي، حث صندوق النقد الدولي في أبريل الماضي السلطات الليبية على اعتماد قانون لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يتوافق مع المعايير الدولية، معتبراً التشريع أولوية لحماية نزاهة النظام المالي. كما أشار إلى أن توجيه عمليات الاستيراد عبر الجهاز المصرفي يمكن أن يعزز الشفافية ويحد من التدفقات المالية غير المشروعة.

لكن استمرار عدم حسم مشروع القانون الجديد داخل مجلس النواب يكشف عن إحدى أبرز نقاط الضعف في المواجهة. فالمشكلة لا تتعلق فقط بوجود أموال مشبوهة، وإنما بقدرة الدولة على بناء منظومة متكاملة تبدأ بالتشريع، وتمر بالرقابة المصرفية، وتنتهي بالقضاء والمساءلة واسترداد الأموال.

ومن هذه الزاوية، فإن ضبط تحويلات بملايين الدنانير يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده. فالمواجهة الفعالة تتطلب الانتقال من ملاحقة الحالات الفردية إلى تجفيف البيئة التي تسمح بتراكم الأموال غير المشروعة، وتعزيز الرقابة على حركة النقد والعملات الأجنبية والاستيراد، ورفع مستوى التنسيق بين المصارف والجهات الرقابية والأجهزة القضائية.

وتبقى المعالجة الحقيقية مرتبطة بقدرة المؤسسات الليبية على سد الثغرات التشريعية والرقابية، لأن استمرار الانقسام وضعف التنسيق لا يفتحان المجال أمام غسل الأموال فحسب، بل يهددان أيضاً الثقة في القطاع المصرفي وقدرة الاقتصاد الرسمي على حماية موارده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى