ليبيا

تركيا توسع اتصالاتها مع شرق ليبيا وتدفع نحو دور أوسع في المشهد الليبي

تحرك أنقرة يتزامن مع اتصالات بالقيادة العامة وتنسيق إقليمي ودولي بشأن مستقبل ليبيا

تشهد العلاقات التركية الليبية خلال الفترة الأخيرة تحركاً لافتاً باتجاه توسيع قنوات التواصل مع مختلف الأطراف الليبية، بما في ذلك القيادة العامة للجيش في شرق البلاد، في تحول يعكس رغبة أنقرة في الحفاظ على حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في ليبيا، بالتوازي مع انخراط إقليمي ودولي متزايد في مساعي معالجة الأزمة الليبية.

ويأتي هذا التحرك في سياق لقاءات تركية مع شخصيات وقيادات من شرق ليبيا، من بينها لقاءات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع مسؤولين ليبيين، ببنغازي إلى جانب اجتماعات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الفريق صدام حفتر ..

انفتاح تركي على شرق ليبيا

ويرى الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية فرج زيدان أن التحرك التركي الأخير تجاه ليبيا يرتبط بعدة مستويات، من بينها الانفتاح على معسكر الشرق، ولا سيما القيادة العامة للجيش، إلى جانب التحسن الذي طرأ على العلاقات بين القاهرة وأنقرة، فضلاً عن وجود توجه أميركي لتعزيز الانخراط في الملف الليبي ضمن استراتيجية أوسع لتحقيق الاستقرار في عدد من الدول الأفريقية.

وأشار زيدان إلى أن التحول في الموقف التركي يحظى، بحسب تقديره، بنظرة إيجابية لدى قطاعات من الشارع والنخب الليبية، خصوصاً في ظل الوزن الاقتصادي لتركيا وما تمثله من شريك محتمل في مجالات التبادل التجاري والإعمار والتنمية.

وأضاف أن التعاون الدفاعي مع تركيا يمكن أن يحظى بقبول داخل ليبيا، لكنه فصل بين التعاون العسكري وبين استمرار الوجود العسكري التركي في غرب البلاد، معتبراً أن الأخير يمثل إحدى القضايا الخلافية المرتبطة بالسيادة الليبية وتنفيذ الترتيبات الأمنية التي أقرتها اللجنة العسكرية المشتركة 5+5.

تعاون اقتصادي وإعمار واتصالات سياسية

ويرى رئيس حزب ليبيا الكرامة يوسف الفارسي أن زيارة وزير الخارجية التركي إلى ليبيا تحمل دلالات سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، باعتبارها تتصل بالتواصل مع القيادة العامة، إلى جانب بحث ملفات مرتبطة بالمسار السياسي والمبادرات الدولية الرامية إلى الدفع نحو حل للأزمة.

وأشار الفارسي إلى أن التحركات التركية تعكس اهتماماً متزايداً بالملف الليبي، مع سعي أنقرة إلى تعزيز اتصالاتها مع مختلف الأطراف، في وقت تشهد فيه البلاد تحركات إقليمية ودولية متسارعة بشأن مستقبل العملية السياسية وترتيبات الاستقرار.

وبحسب هذا الطرح، فإن توسيع تركيا لعلاقاتها مع شرق ليبيا لا يعني التخلي عن علاقاتها مع الأطراف الموجودة في غرب البلاد، وإنما يعكس توجهاً نحو بناء قنوات اتصال أوسع مع القوى المؤثرة في المشهد الليبي.

ملف الوجود العسكري التركي

وقال زيدان إن الجيش الليبي يتمسك بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي ضمن الترتيبات الأمنية، مشيراً إلى أن القاهرة تتبنى الموقف نفسه، بينما يرى أن استمرار المطالب ببقاء القوات التركية في غرب البلاد يمثل عقبة أمام تنفيذ تلك الترتيبات.

كما اعتبر أن معالجة هذا الملف ترتبط بصورة مباشرة بمسائل السيادة الوطنية وتوحيد المؤسسة العسكرية، مشدداً على أن تطوير العلاقات التركية الليبية لا يمكن فصله عن هذه القضايا.

وأشار زيدان كذلك إلى أن استمرار الوجود العسكري التركي يدفع قطاعات من النخب الليبية إلى طرح تساؤلات حول طبيعة الدور التركي ومستقبله في ليبيا، ولا سيما في ظل مقارنة هذا الوجود بالدور التركي في ساحات إقليمية أخرى.

لقاءات الفريق أول صدام حفتر ومسار جديد للعلاقات

وفيما يتعلق باللقاءات التي عقدها الفريق أول صدام حفتر مع مسؤولين أتراك، بينهم وزير الخارجية هاكان فيدان والرئيس رجب طيب أردوغان، اعتبر زيدان أن هذه اللقاءات تأتي في إطار التحولات التي تشهدها العلاقات الدولية والإقليمية تجاه الملف الليبي.

وأكد أن صدام حفتر يتحرك في إطار القيادة العامة للجيش، وأن لقاءاته مع المسؤولين الأتراك تأتي ضمن هذا السياق، بما يعكس انتقال الاتصالات التركية إلى مستوى أوسع يشمل قيادات وشخصيات من شرق ليبيا.

ويرى زيدان أن النبرة التركية تجاه الملف الليبي أصبحت، خلال الفترة الأخيرة، أكثر إيجابية مقارنة بمواقف سابقة، معتبراً أن هذا التحول يمثل تطوراً مهماً في طبيعة العلاقة بين أنقرة والأطراف الليبية المختلفة.

من جانبه، رأى المحلل السياسي محمد امطيريد أن زيارة وزير الخارجية التركي إلى المنطقة تأتي في ظل استمرار أنقرة لاعباً مؤثراً في المشهد الليبي، مع امتلاكها قنوات اتصال مع قوى وتشكيلات في غرب البلاد، بالتزامن مع توسيع اتصالاتها مع أطراف أخرى.

وأشار إلى أن التحركات في طرابلس والزاوية تتقاطع مع صراع أوسع على النفوذ وشكل الترتيبات السياسية والأمنية المقبلة، في ظل تداخل المصالح الليبية مع الحسابات التركية والإيطالية والأميركية.

واعتبر امطيريد أن رئيس حكومة الوحدة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة يواجه ضغوطاً داخلية من قوى سياسية ومسلحة في غرب البلاد، بالتوازي مع ضغوط إقليمية ودولية تتعلق بمدى قدرته على ضبط الوضع الأمني والحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة ومواردها.

وأضاف أن استمرار استهداف المنشآت الحيوية والنفطية ومرافق الوقود والاتصالات قد ينعكس على الوضع الأمني والسياسي، وقد يتحول إلى أحد العوامل المؤثرة في موقع الحكومة ضمن أي ترتيبات أو مبادرات دولية مقبلة.

ويعكس مجمل هذه التحركات اتجاهاً تركياً نحو توسيع دائرة التواصل داخل ليبيا، بما يشمل شرق البلاد والقيادة العامة، بالتوازي مع استمرار العلاقات مع الأطراف الموجودة في غرب ليبيا، في وقت تتقاطع فيه التحركات التركية مع جهود أميركية وإقليمية ودولية بشأن المسار السياسي والأمني.

وفي ظل هذا المشهد، تظل ملفات الوجود العسكري الأجنبي والسيادة وتوحيد المؤسسة العسكرية والترتيبات الأمنية، إلى جانب المصالح الاقتصادية والاتفاقية البحرية، من أبرز القضايا المطروحة أمام مستقبل العلاقات التركية الليبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى