فضيحة كبرى تهز ليبيا.. بيانات المصرف المركزي للبيع على الدارك ويب
انقسام النخبة حول اختراق المركزي بين "خيانة الأمانة" و"حملة تطبيل"
ليبيا 24 – عبدالعزيز الزقم
في مشهد هو الأخطر من نوعه الذي تتعرض له أعلى سلطة نقدية في البلاد، تحول اختراق منظومة مصرف ليبيا المركزي من حادثة أمنية تقنية إلى فضيحة وطنية متعددة الأبعاد، كشفت عن عمق المأزق المؤسسي والأخلاقي الذي تعيشه الدولة الليبية.
فبعد أسابيع من النفي، ثم الإقرار بـ”محاولة هجوم”، ثم الإعلان عن التصدي لها، جاء الإعلان الصاعق: بيانات المصرف المركزي أصبحت معروضة على “الدارك ويب”، وتحديداً بعد فشل التفاوض لدفع فدية للقراصنة.
ومنذ تلك اللحظة، انقسمت النخبة الليبية بين من يرى أن “بيت مال الليبيين” قد تعرض للانتهاك وتجب محاسبة المسؤولين، ومن يحذر من أن “الشماتة” في المصرف هي طعنة للدولة في خاصرتها.
وبين هذا وذاك، ظلت الأسئلة الجوهرية معلقة: ما طبيعة البيانات المسربة؟ وكيف يمكن لبلد يعاني من انقسام سياسي أن يحمي آخر حصونه النقدية؟
الرواية الرسمية المتغيرة: من النفي إلى الإقرار بالكارثة
كان لافتاً في تصريحات الخبراء والمحللين تتبع مسار الرواية الرسمية للمصرف المركزي، وهو ما وثقه الباحث في الشأن الاقتصادي الدكتور عماد أبو خزام. يقول أبو خزام: “في البداية كان هناك نفي لتعرض مصرف ليبيا المركزي لأي هجوم سيبراني. ثم أصبح الحديث عن محاولة هجوم سيبراني، مع التأكيد أن المصرف نجح في التصدي لها.
واليوم، بعد أن أقر المصرف بأن بياناته أصبحت معروضة على الدارك ويب، أصبح واضحاً أن الهجوم لم يكن مجرد محاولة، بل نجح أيضاً في استخراج البيانات”. هذا التغير في السردية الرسمية أثار تساؤلات عميقة حول مصداقية المؤسسة، ليس فقط في قدرتها على حماية بياناتها، بل في استعدادها للإفصاح عنها.
في محاولة لشرح طبيعة الهجوم، أوضح أحد الخبراء التقنيين في منشور تفصيلي أن “الهجوم السيبراني هو محاولة متعمدة لاختراق أنظمة المعلومات”، محدداً أن ما حدث للمركزي كان على الأرجح من نوع “برامج الفدية”، وهي “برمجيات خبيثة تُشفر بيانات الضحية وتمنع الوصول إليها، ثم تطالب بدفع فدية مالية لاسترجاعها”.
وأضاف أن “المصرف المركزي الليبي، حسب بعض التصريحات، تم فكها بواسطة فريقه دون دفع أي شيء للمهاجمين”. غير أن هذا التطمين التقني قوبل بتشكك واسع.
الشريف: قضية أمن قومي لا تحتمل التسييس
في خضم هذه العاصفة، خرج الخبير الاقتصادي الدكتور علي الشريف بموقف بدا وكأنه محاولة لإبعاد القضية عن التجاذبات السياسية الضيقة. قال الشريف: “إن اختراق منظومة المصرف المركزي لا يخص السيد ناجي عيسى أو مجلس الإدارة، بل هو قضية أمن قومي تمس جميع الليبيين.
وأي موقف سلبي أو محاولة لتسييس هذه الحادثة لا تعكس سوى تغليب المصالح الضيقة على مصلحة الوطن”. وأضاف مؤكداً على ضرورة أن “يواصل المصرف المركزي أداء مهامه بثبات، وألا يخضع لأي ابتزاز أو ضغوط”.
غير أن الشريف، الذي طالما حذر من تبعات الانقسام السياسي على الاقتصاد، عاد ليؤكد في منشور لاحق أن “عدم الاستقرار السياسي وريعية الاقتصاد جعلا الاقتصاد الليبي في مهب الريح”، مضيفاً أن “الحل للخروج من هذه المشكلة يكمن في إيجاد آلية سريعة للتوصل إلى توافق سياسي يفضي إلى تشكيل حكومة قادرة على تسيير المرحلة”.
وهي إشارة بدت وكأنها تعيد الكارثة السيبرانية إلى أصل الداء: غياب الدولة الموحدة.
غيث وفيلم “ضد الحكومة”: المسؤولية تضامنية
من جانبه، قدم عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً، أمراجع غيث، مداخلة بدت من أكثر التعليقات ذكاءً في تفكيك أزمة المسؤولية.
كتب غيث مستشهداً بفيلم مصري قديم اسمه “ضد الحكومة”: “قصته أن قطاراً اصطدم بأتوبيس ينقل تلاميذ مدارس… المحامي طالب بمثول وزير التعليم ووزير النقل ورئيس سكة حديد مصر والتحقيق معهم.
هل كان وزير التعليم مسؤولاً مباشراً عن الرحلة؟ أم كان وزير النقل أو رئيس السكة الحديد يقود القطار؟ ولكن مسؤوليتهم تضامنية في الحادث”.
لم يكتفِ غيث بهذا التشبيه البليغ، بل تركه ليفعل فعله في أذهان المتابعين، ملمحاً إلى أن ما حدث للمركزي ليس مجرد فشل تقني في إدارة واحدة، بل هو نتيجة حتمية لوضع تتقاسم فيه أطراف متعددة مسؤولية ما آلت إليه المؤسسة.
وهي إشارة مفهومة إلى أن المحافظ ليس الوحيد الذي يتحمل تبعة الاختراق، في ظل انقسام الدولة وتعدد الحكومات وتضارب الصلاحيات.
أبو خزام: فضيحة تستوجب استقالات في أعلى المستويات
أما الدكتور عماد أبو خزام، فكان أكثر المعلقين قسوة وحدة في نقده. قال إن “هذه واحدة من أخطر الحوادث التي يمكن أن تتعرض لها أعلى سلطة نقدية في البلاد”، متسائلاً: “في دول كثيرة، فضيحة بهذا الحجم كانت ستفتح تحقيقاً واسعاً، وربما تترتب عليها استقالات على أعلى المستويات، وليس فقط مساءلة محافظ المصرف المركزي”.
وأضاف أن “السؤال الأهم لا يزال بلا إجابة: ما طبيعة البيانات التي تم استخراجها؟ وما حجم الضرر الحقيقي الذي لحق بالمصرف والدولة؟”.
ثم شن أبو خزام هجوماً على ما اعتبره غياباً للمساءلة في ليبيا، مقارناً ذلك بما يجري في الديمقراطيات الغربية: “هل يعلم هؤلاء أن رئيس الوزراء البريطاني اضطر هذا الأسبوع إلى تقديم استقالته بسبب إخفاقات حكومته وتحمله للمسؤولية السياسية؟”.
وأرفق تعليقه بمقطع فيديو من جلسة استماع في الكونغرس الأمريكي تظهر فيه ممثلة عن ولاية كاليفورنيا وهي “تستجوب وتوبخ وزير الدفاع الأمريكي”. وأضاف: “وزير يقود أقوى قوة عسكرية عرفها التاريخ، ومع ذلك يُستدعى ويُساءل علناً، لأن المنصب في الدول الديمقراطية لا يمنح صاحبه حصانة من المحاسبة. أما في ليبيا، فلا يزال مجلس النواب عاجزاً حتى اليوم عن مجرد استدعاء محافظ مصرف ليبيا المركزي للمساءلة”.
ولم يتوقف أبو خزام عند هذا الحد، بل مضى إلى اتهام مباشر لإدارة المصرف بالانشغال بالقشور عن الجوهر: “ومع ذلك، يخرج علينا محافظ المصرف متباهياً بجوائز رمزية، مثل تصميم فئة العشرين دينار، وجائزة محافظ العام 2026، بينما تُعرض بيانات المؤسسة التي يديرها للمساومة والبيع على الدارك ويب. هذه ليست أزمة تقنية فحسب، بل أزمة مساءلة ومحاسبة”.
وعندما رد الإعلامي ناظم الطياري محذراً من “الشماتة” بالمصرف المركزي، ومؤكداً أن “المصرف المركزي أكبر مؤسسة نقدية في البلاد لو سقط أو انهار سيسقط النظام المالي بالكامل”، عاد أبو خزام ليرد باقتضاب حاد: “المحافظ يا سيد ناظم لا يعتمد على الكفاءة بقدر ما يعتمد على الولاءات، ولذلك تم استبعاد الكثير من الكفاءات داخل المصرف المركزي بشكل مقصود.
وجاءته فرصة لم تتح لأي محافظ مصرف مركزي قبله، وهي الارتفاع التاريخي والمستمر في أسعار النفط. ولو كان قد أحاط نفسه بفريق من الخبراء الحقيقيين في السياسة النقدية، لرأيت الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي لا تنكمش فحسب، بل تتلاشى تماماً”.
الطياري يدافع عن المصرف: “بيت مالكم لا تشمتوا به”
في الجهة المقابلة، قاد الإعلامي ناظم الطياري حملة دعم للمصرف المركزي، بدت أقرب إلى الدفاع عن حصن أخير. كتب الطياري مستغرباً: “مجموعة من الهكر والقراصنة الإلكترونيين يبتزون مصرفكم المركزي لدفع المال مقابل بيانات، ونشوف بعض الإخوة المدونين بوستات من باب الشماتة والفرح.
المركزي مهوش ملك ناجي عيسى ولا محل صرافة للمحافظ باش نتشمت أو تصفي حسابات معه. هذا مصرفكم بيت مالكم الواجب الوقوف معه معنوياً وشعبياً”.
وطمأن الطياري المواطنين بأن “الاختراق حدث وانتهى، ولكن بعدها تم استرجاع جميع المنظومات للعمل وتحصينها”. وأكد أن منظومة المرتبات ومنظومة الأغراض الشخصية ومنظومة الاعتمادات المستندية “رجعت وتشتغل بشكل طبيعي جداً”.
لكنه في الوقت نفسه، نقل صورة قاتمة عن الضغوط التي يتعرض لها المصرف، مستشهداً بسؤال وجهه نائب صندوق النقد الدولي لوفد المركزي: “أنتو كا مصرف مركزي كيف تصرفوا على دولتين في دولة؟ أنتو كيف قادرين تستمرّوا؟”. وختم موجهاً نصيحة إلى المحافظ: “استقيل وأربح راحتك وارجع إلى أسرتك وأبنائك. البلاد هذه بالوضع الحالي ما يفرج عليها ربي من عنده”.
عدنان نافو: وصفة تقنية لتحصين المصرف
في خضم هذا السجال، قدم عدنان نافو، المدير السابق لإدارة التشغيل في مصرف ليبيا المركزي، مداخلة تقنية بحتة، بدت وكأنها وصفة إصلاحية لما يمكن فعله لتحصين المصرف مستقبلاً.
قال نافو إنه في عام 2011، حين تقلد منصب مدير جناح التشغيل، أصدر تعليمات للمصارف التجارية “بإدارة منظوماتها المصرفية في غرف بيانات خاصة بها وفي مواقعها وإدارتها منفردة خارج غرفة البيانات للمنظومة المصرفية الموحدة بغرفة بيانات المركزية”.
وأكد أن “ارتباط المصارف التجارية يكمن في منظومات المقاصة والتي تعمل ضمن شبكة محلية متطورة ولا اتصال لها مع الشبكة العالمية حينها لمراعاة ضوابط الأمن السيبراني”.
وقدم نافو مجموعة من التوصيات الحاسمة: “يجب على المركزي مراجعة فصل النظم ومراكز البيانات عن الشبكة العنكبوتية، ويجب الفصل بين النظم التي تعمل بالدينار الليبي آلياً عن أي نظم تخص العمليات الخارجية، ويكون الرابط بينهما بعمليات إدخال منفصلة وفق ما كان معمولاً به لديه”.
وأضاف محذراً من “استخدام تخزين بياناته خارج الدولة الليبية وعدم استخدام ميزة cloud في السيرفرات العالمية بأي شكل كان، وعدم السماح لأي من موظفيه بالدخول عن بعد لهذه النظم، إنما تكون الصيانة والتطوير داخل مقار المركزي مهما كانت صفة المستخدم ودرجة صلاحياته”. وختم نافو كلامه بالقول إن “هذه الإجراءات وإن كانت بسيطة في وصفها لكنها تحقق أعلى معايير العزل التي تحقق الحماية المرجوة”.
أزمة ثقة تتجاوز التكنولوجيا
في المحصلة، لم يعد النقاش حول اختراق مصرف ليبيا المركزي نقاشاً تقنياً حول جدران نارية أو برمجيات فدية. لقد تحول إلى مرآة عاكسة لأزمة الدولة الليبية برمتها: مؤسسة نقدية منهكة بين حكومتين متنافستين، ونخب منقسمة بين من يرى في أي نقد للمصرف “شماتة” وخيانة للوطن، ومن يرى في أي دفاع عنه “تطبيلاً” وتغطية على فشل إداري.
وفيما طالب أبو خزام بمحاسبة المسؤولين وفتح تحقيق جاد، حذر الطياري من أن انهيار المصرف سينهي ما تبقى من هيكل الدولة المالية. وبينما قدم نافو وصفة تقنية لتحصين المصرف، بقي السؤال الأهم دون إجابة: كيف لدولة منقسمة أن تحمي مصرفها المركزي، في وقت يبدو فيه أن لا أحد يتحمل المسؤولية، والجميع “يغرف” من بئر النفط التي لن تبقى للأبد؟
في غضون ذلك، يواصل المصرف المركزي عمله تحت وطأة التهديدات السيبرانية والضغوط السياسية، فيما غدا مستقبل بيانات المودعين وأموال الليبيين مرهوناً بأسئلة لم تجد طريقها بعد إلى الإجابة: هل ستكشف التحقيقات عن المتسبب الحقيقي في الاختراق؟ وهل ستؤدي هذه الفضيحة إلى إصلاح جذري في منظومة الأمن السيبراني الليبية؟ أم أن المسرحية ستستمر، ويبقى الليبيون بين “منظومة طاحت” و”كاتينه حديد” إلى إشعار آخر؟



