غيث يكشف: 91 مليار دينار دعماً للوقود والإيرادات 152 مليوناً فقط
غيث: الحكومة تنفق 37% من الموازنة على دعم يهدر ويسرق
ليبيا 24
وجه عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، الخبير الاقتصادي أمراجع غيث، انتقادات لاذعة إلى سياسات حكومة الدبيبة منتهية الولاية، كاشفاً عن أرقام صادمة تتعلق بدعم الوقود والإنفاق العام، في وقت تواصل فيه الحكومة تجاهلها لكل الدعوات إلى إصلاح هذه المنظومة المعطوبة التي تستنزف ثروة الليبيين.
فاتورة الدعم: 91 ملياراً تذهب هباءً
كشف غيث في سلسلة من المنشورات على فيسبوك ورصدتها “ليبيا 24″، أن “قيمة الوقود المدعوم بكافة أنواعه، سواء كان شراؤه أو استيراده بالمبادلة أو الشراء بدفع الثمن محلياً أو خارجياً، بلغت في سنة 2024 نحو 91 مليار دينار”.
وأضاف أن “مقابل هذا المبلغ الضخم، لم تتحصل الخزانة العامة سوى على إيراد بلغ 152 مليون دينار فقط من بيع الوقود”، وهو رقم وصفه بأنه يكاد لا يذكر مقارنة بحجم ما ينفق.
وأوضح غيث أن “التقديرات تشير إلى أن 30% من الوقود يهرب، أي بقيمة حوالي 27 مليار دينار، وهذا بخلاف الهدر والتبذير في استخدام الوقود الرخيص”.
وتساءل باستغراب: “بعد كل هذا، نقدم المبررات للاحتفاظ بهذا الدعم بهذا الشكل، وننتقد العجز في الموازنة والاستخدام المفرط للعملة الصعبة التي تقدر بحوالي تسعة مليار دولار سنوياً؟”.
الصحة والتعليم ضحايا الدعم المشوه
وفي مقارنة تكشف اختلال أولويات الإنفاق العام في ظل حكومة الدبيبة، قدم غيث أرقاماً مستخلصة من تقارير رسمية. وقال إن “إجمالي نفقات الموازنة سنة 2023 بلغت 199 مليار دينار، متضمنة قيمة الوقود بالمبادلة”، مضيفاً أن “إجمالي دعم الوقود وحده بلغ 74 مليار دينار وفق تقرير ديوان المحاسبة، بينما بلغ إجمالي أنواع الدعم الأخرى 20 مليار دينار”.
أما الصورة الأكثر إيلاماً، فتتعلق بقطاعي التعليم والصحة. وأوضح غيث أن “إجمالي ما أنفق على التعليم بأنواعه بلغ 22 مليار دينار، في حين أن إجمالي الإنفاق على الصحة لم يتجاوز 7 مليار دينار”.
وبحسبة بسيطة، كشف الخبير الاقتصادي أن “نسبة دعم الوقود إلى إجمالي الإنفاق بلغت 37%”، بينما “لم تتجاوز نسبة الإنفاق على التعليم 11%، وعلى الصحة 3.5% فقط”. وطرح غيث سؤالاً موجعاً: “لو وفرنا جزءاً من هذا الإنفاق على دعم الوقود وأنشأنا نظام تأمين صحي إجباري لكل الليبيين، أليس ذلك أفضل؟ ويتحصل الليبيون على تغطية تأمينية توفر لهم العلاج والدواء؟”.
أزمات مركبة وحكومة عاجزة
لم تقتصر انتقادات غيث على ملف الدعم وحده، بل امتدت لتشمل صورة أوسع من التعطيل المؤسسي الذي ترعاه حكومة منتهية الولاية. وأشار إلى أن “الدولة المعطلة” هي السمة الغالبة على المشهد الليبي، مورداً قائمة من الإخفاقات: “الدستور معطل، التسجيل العقاري معطل، إحصاء السكان معطل، أي إصلاح معطل، بناء مؤسسات الدولة معطل، الانتخابات معطلة”.
وفيما يتعلق بالتسجيل العقاري تحديداً، أكد أن “إغلاق السجل العقاري إلى الآن وعدم ممارسة دوره بالكامل وترك الأمر لدي محرري عقود أمر غير منطقي”، داعياً إلى أن “يشمل التسجيل العقاري توثيق كل عملية بيع مثل الشهر العقاري في مصر، بحيث تنتهي فوضى امتلاك الأصول”.
جدل مجتمعي حول الدعم: من يحق له المشاركة؟
وفيما يتعلق بالنقاش الدائر حول إصلاح الدعم، طرح غيث سؤالاً يعكس رؤيته لمفهوم المشاركة المجتمعية في القرارات الاقتصادية الكبرى: “لو طرح موضوع إصلاح دعم الوقود على الاستفتاء الشعبي، هل يسمح لكل الليبيين إبداء رأيهم أم المتخصصين فقط يسمح لهم؟”.
وأوضح موقفه من هذا الجدل قائلاً: “الذي يقوم به المشاركون الآن في هذا الحوار هو إبداء رأي في الموضوع كل حسب وجهة نظره وفهمه وحتى مصلحته. قد نختلف مع البعض وقد نتفق”.
لكنه شدد على أن “الذين يشاركون في الحوار لا يتخذون قرارات، لأن اتخاذ القرار في النهاية أكيد من مسؤولية المختصين والمسؤولين. أما ما نحن فيه الآن فهو مرحلة جدل مجتمعي يجب أن يشارك فيه أفراد المجتمع لأنه يهمهم ويؤثر في حياتهم جميعاً”.
الوطن فوق الحكام
وفي تأمل سياسي بدا موجهاً إلى نقد ثقافة الولاء للأشخاص بدل المؤسسات، كتب غيث: “البعض يفكر أن خدمتك في الدولة هي خضوع للحاكم، وبالتالي إذا انتقدت الحاكم لتصرف أو تركته وأصبحت معارضاً، فقد خنت الوطن. لقد وضعوا الحاكم والزعيم في مرتبة الوطن”.
وأكد أن “الوطن فوق الجميع، والحاكم هو مجرد إدارة للحكم في الدولة وليس بديلاً عن الوطن”. هذه الكلمات، في سياقها، بدت وكأنها تعليق على واقع سياسي تختلط فيه حدود الولاء للمؤسسات بالولاء للأشخاص، في بلد تتصارع فيه حكومتان على الشرعية.
أرقام تدين سياسات حكومة منتهية الولاية
تكشف تصريحات الخبير الاقتصادي أمراجع غيث، وهي تستند إلى تقارير رسمية صادرة عن وزارة المالية وديوان المحاسبة، عن فشل ذريع لحكومة الدبيبة في إدارة الموارد العامة.
ففي وقت تنفق فيه الدولة 37% من ميزانيتها على دعم وقود يذهب معظمه إلى التهريب والهدر، بالكاد تحصل الخزانة على 152 مليون دينار مقابل 91 ملياراً تنفق، ولا يجد المواطن الليبي لنفسه نصيباً في الصحة إلا 3.5% من الموازنة.
هذه الأرقام وحدها تكفي لتوجيه لائحة اتهام إلى حكومة تواصل الصرف بلا رؤية وبلا حوكمة، بينما تظل الانتخابات معطلة، والدستور معطلاً، وثروة الليبيين تنزف بلا رقيب.



