ليبيا

الليبيون يطالبون الأمم المتحدة بتجريم الفاسدين واستبعادهم من مراكز القرار

استطلاع أممي يكشف إجماعاً ليبيياً على ضرورة توحيد المؤسسات وإنهاء التدخل المسلح

ليبيا 24:

استطلاع أممي يكشف إجماعاً ليبيياً على استبعاد الفاسدين وإجراء الانتخابات

في تطور يعكس إرادة سياسية صامدة، كشفت النتائج النهائية لاستطلاع الرأي العام “اعطي رأيك” الذي أطلقته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، عن إجماع ليبي غير مسبوق حول ضرورة تطهير المشهد السياسي من الفاسدين ومنتهكي حقوق الإنسان، مع تأكيد مطلق على إجراء انتخابات وطنية ذات مصداقية، في رسالة واضحة المفاد أن الشعب الليبي يرفض أي ترتيبات سياسية لا تستند إلى الشرعية المؤسسية والنزاهة الوطنية.

إرادة شعبية لا تقبل التأويل

أظهرت النتائج التي جُمعت عبر الإنترنت والهاتف خلال الفترة الممتدة من ديسمبر 2025 إلى أبريل 2026، إلى جانب النقاشات التي قادها الشباب عبر المنصة الرقمية للشباب التابعة للبعثة، أن نسبة 82% من المشاركين يؤيدون إبعاد الأفراد المتورطين في الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان عن مواقع السلطة، في مؤشر خطير يضع الطبقة السياسية الحالية أمام اختبار حقيقي للإصلاح.

ولم تقف المطالب الشعبية عند هذا الحد، بل تجاوزتها إلى دعوة صريحة لإجراء انتخابات وطنية نالت تأييد 90% من المشاركين، وهو ما يؤكد أن الليبيين يعتبرون الصندوق الانتخابي السبيل الوحيد للخروج من عنق الزجاجة السياسي الذي تعيشه البلاد منذ أكثر من عقد.

الحوكمة ومكافحة الفساد

في قراءة معمقة للأرقام، يتبين أن ملف الحوكمة ومكافحة الفساد احتل صدارة الأولويات الليبية، متقدماً على غيره من الملفات الأمنية والاقتصادية. فالمطالبة باستبعاد الفاسدين لم تأت في سياق خطاب عام، بل كشرط أساسي لأي تسوية سياسية مقبلة، ما يضع بعثة الأمم المتحدة أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية في ترجمة هذه الإرادة الشعبية إلى آليات تنفيذية ملموسة.

وقد ساعدت هذه النتائج في إثراء مسارات الحوار المُهيكل الأربعة، الذي يُعد أحد المكونات الأساسية لخارطة الطريق السياسية التي وضعتها البعثة لدعم الليبيين في سعيهم لمعالجة الأشكالات العالقة، وذلك عبر تزويد المشاركين في الحوار بمعطيات رقمية تعكس نبض الشارع الليبي بكل أطيافه.

التشكيلات المسلحة تحت المجهر

لم تغفل النتائج عنصراً جوهرياً في معادلة الاستقرار الليبي، تمثل في الدعوة إلى وضع حد لتأثير التشكيلات المسلحة، وهو ما يشير إلى تذمر شعبي متصاعد من هيمنة القوى العسكرية غير الرسمية على مفاصل الدولة واقتصادها، واعتبار ذلك عائقاً رئيسياً أمام بناء دولة المؤسسات والقانون.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في سياق الحوار المُهيكل، إذ تضع المبعوثة الأممية أمام اختبار حقيقي في كيفية التعامل مع هذه التشكيلات التي أصبحت جزءاً من النسيج السياسي والأمني، دون أن تكتسب شرعية دستورية أو شعبية.

المرأة والشباب في قلب المعادلة

سلطت النتائج الضوء على الشواغل والأولويات المحددة للنساء والشباب بشأن المسار المستقبلي للبلاد، في اعتراف أممي ضمني بأن أي تسوية سياسية لا تراعي احتياجات هاتين الفئتين ستكون ناقصة وغير مستدامة.

وقد لعبت المنصة الرقمية للشباب دوراً محورياً في إيصال أصواتهم، حيث قادوا نقاشات نوعية أسهمت في صياغة مخرجات الحوار، ما يعكس تحولاً في منهجية العمل الأممي نحو إشراك الفئات المهمشة في صنع القرار.

مسار الحوار المُهيكل ورهانات المستقبل

يأتي هذا الاستطلاع ليكرس الحوار المُهيكل كمنصة جامعة للأطراف الليبية، تهدف إلى المضي قدماً نحو الانتخابات وتوحيد المؤسسات.

غير أن الأرقام التي خرجت بها “اعطي رأيك” تحمل في طياتها رسائل حازمة للقوى السياسية الفاعلة، مفادها أن الشارع الليبي لم يعد يقبل بالمماطلة أو الحلول الانتقالية المطوّلة، وأن أي مسار سياسي لا يستجيب لهذه المطالب سيكون محكوماً بالفشل منذ البداية.

قراءة في الأبعاد الاقتصادية والأمنية

اقتصادياً، لا يمكن فصل مطالب المساءلة ومكافحة الفساد عن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها ليبيا، حيث يرى المواطنون أن نهب المال العام هو السبب الرئيسي وراء تدهور الخدمات وتضخم الأسواق الموازية.

أما أمنياً، فإن الدعوة إلى إنهاء تأثير التشكيلات المسلحة تعكس إرادة شعبية في إعادة السلاح إلى احتكار الدولة، وهو ما يمثل شرطاً أساسياً لأي استقرار دائم.

وتتشابك هذه الأبعاد مع بعضها في نسيج معقد، يجعل من المستحيل معالجة أي ملف بمعزل عن الآخر، وهو ما يستدعي مقاربة شاملة تضع المواطن الليبي في قلب أي تسوية سياسية مقبلة.

في المحصلة النهائية، يخرج الليبيون من هذا الاستطلاع بصوت واحد يعلو فوق كل الخلافات، صوت يطالب بإنهاء الفساد، وإجراء انتخابات، وتوحيد المؤسسات، وردع التشكيلات المسلحة.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستستجيب الأطراف السياسية والأمم المتحدة لهذه الإرادة الشعبية الصارخة، أم أن الأرقام ستظل حبيسة الأدراج كما حدث مع غيرها من الاستطلاعات والتوصيات السابقة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى