ليبيا

ليبيا عند المفترق الأخير: مبادرة بولس تفتح نافذة للإنقاذ وانهيارها يهدد بخريطة سيناريوهات مظلمة

الثلثي يحذر من "حلقة الاتفاقات المؤقتة": غياب الضمانات والثقة يدفع ليبيا نحو خيارات ما بعد انهيار المسار الأممي

ليبيا 24:

بينما تتسارع الجهود الدولية لإخراج ليبيا من نفقها السياسي المسدود، تبرز مبادرة المبعوث الخاص مسعد بولس كمنارة أمل حذرة في مشهد يلفه الضباب.

هذه المبادرة، إلى جانب مخرجات الحوار المهيكل الذي ترعاه الأمم المتحدة، لا تمثلان مجرد جولة جديدة من المفاوضات، بل قد تكونان الفرصة الأخيرة لتجنيب البلاد مصيرًا يصعب تصوره.

في تحليل معمق للمشهد نشره عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، يطرح أشرف الثلثي، المتحدث باسم المجلس الرئاسي السابق، سؤالًا وجوديًا يتجاوز نجاح أو فشل أي مبادرة منفردة، ليصل إلى جوهر الأزمة: ماذا لو انهارت كل هذه المسارات؟ وما هو الثمن الذي سيدفعه الليبيون؟

معضلة الثقة: جوهر الأزمة الليبية

يؤكد الثلثي في تقييمه أن الخطر الأعظم لا يكمن في فشل الأشخاص الذين يقودون المبادرات، بل في التآكل الكامل لثقة الليبيين في إمكانية الوصول إلى حل سلمي.

إن تكرار الإخفاقات يخلق مناخًا طاردًا للحلول، ويغري القوى المختلفة بالبحث عن بدائل محفوفة بالمخاطر خارج إطار الحوار الوطني.

هذا التشخيص يضع مبادرة بولس في مركز حساس، باعتبارها ليست مجرد مقترح سياسي، بل اختبارًا حقيقيًا لإرادة السلام المتبقية.

ففي لعبة الأمم، عندما تفقد طاولة المفاوضات بريقها، تبدأ أدوات أخرى أكثر كلفة في البروز، مما يزيد من تعقيد الأزمة ويجعل حلها مهمة شبه مستحيلة.

خريطة سيناريوهات ما بعد الفشل: من الجمود إلى التشرذم

يرسم الثلثي، من خلال تحليله، مسارات محتملة تبدو كئيبة في حال تعثر المسارين، الأممي ومبادرة بولس.

 يظل السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي بشكل متجذر، حيث تستمر الحكومات والمؤسسات المتنافسة في إدارة شؤون البلاد، مما يعني استمرار نزيف التنمية وشلل الاستثمار.

لكن هذا الجمود ليس ثابتًا، إذ ينطوي على خطر تصاعد التوترات الأمنية واندلاع مواجهات مسلحة، خاصة في حال انهيار التفاهمات الهشة أو نشوب نزاع حول الشرعية والموارد الحيوية.

ورغم أن التقدير يستبعد حربًا أهلية شاملة كخيار أول، إلا أن شبحها يظل ماثلاً كتهديد وجودي إذا غابت الحكمة والضمانات الكافية.

أما السيناريو الأكثر هيكلية فيتمثل في اتساع النزعات المناطقية والفيدرالية، بحثًا عن سلطات أوسع للأقاليم.

وفي هذا السياق، يطرح بعض المحللين احتمال التقسيم إلى عدة كيانات، لكن الثلثي يصف هذا المسار بأنه ليس محتومًا، نظرًا للتحديات الداخلية والإقليمية والدولية الهائلة التي ستواجهه.

في مقابل هذه الصورة القاتمة، يُبقي التحليل على بصيص أمل، مشيرًا إلى إمكانية بروز مبادرة وطنية ليبية خالصة، يقودها رجال دولة وشخصيات وطنية محترمة، تنطلق من مبدأ أن الحل الحقيقي لا يُفرض من خارج الحدود، بل يُبنى بإرادة الليبيين أنفسهم.

دعوة لاستثمار الفرصة قبل فوات الأوان

يخلص التحليل إلى أن مأساة ليبيا تحولت من أزمة نصوص دستورية ومواعيد انتخابية إلى أزمة أعمق بكثير: أزمة ثقة وقيادة وغياب مشروع وطني جامع.

إن ما تحتاجه البلاد ليس مزيدًا من المبادرات فحسب، بل وجود رجال دولة يمتلكون الشجاعة لتقديم التنازلات المؤلمة من أجل الأجيال القادمة، ويضعون السيادة الوطنية فوق الحسابات الفئوية الضيقة.

فالتجارب المريرة تثبت أن إدارة الأزمة ليست بديلاً عن حلها، وأن تأجيل الحلول الجريئة لا يصنع سوى هشاشة مزمنة.

وعليه، فإن نجاح أي مبادرة، بما في ذلك مسار مسعد بولس، يجب أن يقترن بإرادة سياسية محلية حقيقية، وضمانات دولية صارمة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. وبدون ذلك، تبقى ليبيا أسيرة حلقة مفرغة من الاتفاقات المؤقتة التي تلد أزمات متكررة.

ويبقى السؤال المصيري المطروح على كل ليبي: هل يجري استثمار ما تبقى من فرص لإنقاذ الدولة، أم ننتظر حتى تفرض الأحداث سيناريوهات أكثر خطورة، يصبح معها ثمن التأخير أكبر بكثير من ثمن التوافق الشجاع اليوم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى