صندوق التضامن يحتجز مليارات الفائض.. وحكومة الدبيبة تحرم أطفال الإعاقة من معاشاتهم
قرار رقم 25 يجرد أطفال ليبيا من حق العلاج.. وآلاف الأسر تنتظر إعاناتها المنزلية منذ 2018
ليبيا 24:
في الوقت الذي تشهد فيه قطاعات عدة في الدولة الليبية تحسينات متتالية في الرواتب والمزايا، لا تزال شريحة ذوي الإعاقة تواجه واقعًا أكثر تعقيدًا، وسط تأخر صرف المستحقات المالية، وتوقف الإعانات المنزلية، واستمرار العمل بقرارات أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط الحقوقية والاجتماعية.
وتتزامن هذه الأزمة مع إعلان وزارة المالية تسجيل فائض مالي يتجاوز 2.7 مليار دينار في حساب صندوق التضامن الاجتماعي، وهو ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول أولويات الإنفاق ومدى استفادة الفئات الأكثر احتياجًا من الأموال المخصصة للحماية الاجتماعية.
القرار رقم (25).. حرمان الأطفال من أول حقوقهم
أثار القرار رقم (25) لسنة 2025، الصادر عن حكومة الوحدة المنتهية الولاية، موجة واسعة من الانتقادات بعد استبعاده الأطفال من ذوي الإعاقة دون سن الرابعة من استحقاق المعاش الأساسي.
واعتبرت منظمات حقوقية أن القرار يتعارض مع القوانين الوطنية التي تكفل الرعاية الاجتماعية لهذه الفئة منذ الولادة، كما يتناقض مع الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الطفل والأشخاص ذوي الإعاقة.
ويرى مختصون أن الطفل الذي يولد بإعاقة يحتاج إلى الرعاية والدعم منذ يومه الأول، وليس بعد بلوغه سنًا معينة، مؤكدين أن السنوات الأولى من عمر الطفل هي الأكثر احتياجًا للعلاج الطبيعي والتأهيل والتدخل الطبي المبكر.
تكاليف العلاج.. عبء يفوق قدرة الأسر
تمثل المعاشات الأساسية بالنسبة لعائلات الأطفال من ذوي الإعاقة مصدرًا مهمًا لتغطية جزء من نفقات العلاج، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الخدمات الطبية وجلسات العلاج الطبيعي والأدوية.
وتؤكد أسر عديدة أن توقف المعاشات أو حرمان أطفالهم منها يعني عمليًا توقف برامج العلاج، وهو ما ينعكس مباشرة على الحالة الصحية للأطفال وفرص تحسنهم مستقبلاً.
كما تشير شهادات عدد من أولياء الأمور إلى أن بعض الأسر تضطر إلى الاستدانة أو بيع ممتلكاتها لتوفير تكاليف العلاج، في ظل غياب أي بدائل حقيقية.
الإعانة المنزلية.. سبع سنوات من الانتظار
لا تقتصر الأزمة على المعاش الأساسي، إذ لا تزال الإعانة المنزلية المخصصة لذوي الإعاقة متوقفة عن السنوات الممتدة من 2018 حتى 2024.
ورغم الإعلان في سنوات سابقة عن تخصيص مبالغ مالية لصرف هذه الإعانات، فإن آلاف الأسر تؤكد أنها لم تتسلم مستحقاتها حتى الآن.
وتشير التقديرات إلى أن عدد الحالات المستفيدة يبلغ نحو 29 ألف حالة، فيما تتجاوز القيمة السنوية المطلوبة لصرف الإعانات نحو 192 مليون دينار.
فائض بالمليارات يقابله تأخر في الصرف
في المقابل، كشفت بيانات وزارة المالية أن فائض حساب صندوق التضامن الاجتماعي تجاوز 2.7 مليار دينار حتى نهاية يونيو 2025.
هذا الرقم أثار تساؤلات واسعة داخل الأوساط الاقتصادية والحقوقية حول أسباب استمرار تجميد حقوق المستفيدين، رغم توفر السيولة المالية اللازمة لتغطية الالتزامات الاجتماعية.
ويرى مراقبون أن استمرار تراكم الفوائض المالية، بالتزامن مع تأخر صرف المعاشات والإعانات، يطرح علامات استفهام حول آليات إدارة الموارد المالية للصندوق وأولويات الإنفاق.
تأخر صرف معاشات 2026
تزامنت هذه الأزمة مع تأخر صرف المعاش الأساسي لشهر يونيو 2026، الأمر الذي زاد من معاناة آلاف الأسر التي تعتمد بصورة شبه كاملة على هذه المستحقات لتوفير الاحتياجات الأساسية.
ويؤكد مختصون أن انتظام صرف المعاشات يمثل عنصرًا أساسيًا في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، خاصة للفئات التي لا تمتلك أي مصدر دخل آخر.
تداعيات اقتصادية واجتماعية
لا تقتصر آثار الأزمة على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وإنسانية أوسع.
فاستمرار حرمان ذوي الإعاقة من حقوقهم قد يؤدي إلى:
ارتفاع معدلات الفقر بين الأسر الأكثر هشاشة.
زيادة معدلات التسرب من برامج العلاج والتأهيل.
تراجع فرص دمج ذوي الإعاقة داخل المجتمع.
اتساع الفجوة الاجتماعية بين الفئات المستفيدة وغير المستفيدة من برامج الحماية.
كما يحذر مختصون من أن ضعف منظومة الحماية الاجتماعية ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار المجتمعي، ويزيد الضغوط على القطاع الصحي والخدمات العامة.
مطالبات بإلغاء القرار وإعادة الحقوق
طالبت منظمات حقوقية، ومؤسسات مجتمع مدني، وعدد من النشطاء بإلغاء القرار رقم (25)، وإعادة صرف المعاش الأساسي للأطفال دون سن الرابعة، إلى جانب صرف الإعانات المنزلية المتوقفة منذ سنوات.
كما دعت إلى مراجعة منظومة الحماية الاجتماعية بالكامل، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، وتحقيق العدالة الاجتماعية، بعيدًا عن القيود الإدارية التي تزيد من معاناة الفئات الأضعف.
أين الأولويات؟
يرى مراقبون أن استمرار تجميد حقوق ذوي الإعاقة، بالتزامن مع وجود فائض مالي يتجاوز المليارات، يفرض ضرورة إعادة النظر في أولويات الإنفاق الاجتماعي.
ويؤكد هؤلاء أن نجاح أي سياسة اجتماعية لا يُقاس بحجم الأموال المتراكمة في الحسابات، بل بقدرتها على الوصول إلى المواطن الذي يحتاجها في الوقت المناسب.
الخاتمة
تبقى قضية ذوي الإعاقة في ليبيا واحدة من أكثر الملفات الإنسانية إلحاحًا، في ظل استمرار تأخر صرف المستحقات، وتجميد الإعانات، والعمل بقرارات أثارت اعتراضات واسعة.
وبين فائض مالي كبير، وحقوق اجتماعية مؤجلة، يبقى السؤال مطروحًا: هل تتحول موارد صندوق التضامن إلى دعم فعلي للفئات الأكثر احتياجًا، أم تستمر معاناة آلاف الأسر في انتظار قرارات تعيد لهم أبسط حقوقهم؟



