أزمة الكهرباء في ليبيا.. اختلالات هيكلية تعمق فجوة العجز رغم وفرة الموارد
تباطؤ استثمارات الكهرباء بليبيا رغم وفورات الغاز الطبيعي يفاقم انقطاعات التيار
ليبيا 24:
أزمة كهرباء ليبيا ليست نقص إنتاج بل اختلال هيكلي بين الطلب والعرض
تحليل استراتيجي يكشف التناقض بين وفورات الغاز الطبيعي وتراجع الاستثمارات في منظومة التوليد
تعيش ليبيا أزمة كهرباء مزمنة تتجلى في انقطاعات التيار المتكررة وبرامج طرح الأحمال الممنهجة التي باتت جزءاً من الروتين اليومي للمواطنين والقطاعات الإنتاجية على حد سواء.
غير أن المعطيات الدولية تكشف مفارقة لافتة؛ إذ تشير الأرقام إلى أن ليبيا تنتج للفرد الواحد أكثر من ضعف ما تنتجه دولة مجاورة كتونس التي لا تعرف انقطاعات الكهرباء بصورة مماثلة.
فوفقاً لبيانات الوكالة الدولية للطاقة لعام 2023، بلغ إنتاج ليبيا من الكهرباء نحو 33.7 ألف جيجاواط ساعة، مقابل 21.3 ألف جيجاواط ساعة في تونس.
وعند احتساب نصيب الفرد، يبلغ الرقم في ليبيا 3.8 ميجاواط ساعة سنوياً مقابل 1.6 ميجاواط ساعة في تونس. ورغم هذا التفوق العددي، فإن المشهد على الأرض يروي قصة مختلفة تماماً.
هذا التناقض يضع الباحثين والمحللين أمام سؤال جوهري: إن كانت الأرقام تشير إلى قدرة إنتاجية لا بأس بها نسبياً، فلماذا تعاني المدن الليبية من ظلام دامس في أوقات الذروة؟ ولماذا لا تستطيع المنظومة الكهربائية تلبية احتياجات المواطنين والقطاعات الإنتاجية على مدار الساعة؟
أبعاد الأزمة في جانبي الطلب والعرض
تكشف القراءة المتعمقة لبيانات الوكالة الدولية للطاقة أن جوهر المشكلة لا يكمن في حجم الإنتاج الإجمالي، بل في اختلالات هيكلية متراكمة أصابت جانبي الطلب والعرض على مدى العقدين الماضيين.
فمن جهة الطلب، طرأ تحول جذري في أنماط الاستهلاك لم تصاحبه سياسات رشيدة لإدارة الطلب، ومن جهة العرض، تباطأت وتيرة الاستثمار في توسيع القدرة الإنتاجية رغم التوفر المالي الذي أتاحته وفورات الغاز الطبيعي.
هذا الاختلال المزدوج هو ما يحول دون قدرة المنظومة الكهربائية على تلبية الطلب المتزايد بصورة مستقرة وموثوقة، ويجعل من أزمة الكهرباء أزمة هيكلية وليست أزمة نقص موارد أو قدرات أولية.
التحول الهيكلي في أنماط الاستهلاك بين القطاعات
انحراف القطاعات الإنتاجية عن مسارها التاريخي
عمدت وكالة الطاقة الدولية إلى تصنيف استهلاك الكهرباء في ليبيا ضمن خمسة قطاعات رئيسية، هي: الصناعي، المنزلي، التجاري والخدمات العامة، الزراعي، إضافة إلى بند الاستعمالات الأخرى وغير المحددة.
ولتحليل تطور الطلب بصورة منهجية، تم اعتماد عام 2007 سنة أساس باعتباره آخر عام سبق الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي هزت ليبيا.
وباستخدام أسلوب تقدير خط الاتجاه الإحصائي المعتمد على بيانات الفترة 2000-2007، ثم إسقاط هذا المسار حتى عام 2023، تمكن المحللون من قياس حجم الانحراف عن الاتجاه التاريخي للاستهلاك القطاعي. وقد أسفرت هذه المعالجة الإحصائية عن نتائج بالغة الدلالة.
فقد أظهرت المعطيات أن القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها القطاع الصناعي، ثم التجاري والزراعي، انحرفت تدريجياً إلى مستويات أدنى بكثير من الاتجاه التاريخي المتوقع.
وهذا الانحدار لا يعكس تحسناً في كفاءة استخدام الطاقة، بل يشير إلى تراجع النشاط الاقتصادي وتعطل جزء كبير من القاعدة الإنتاجية، إضافة إلى محدودية قدرة منظومة الكهرباء على تلبية احتياجات هذه القطاعات من الطاقة بشكل منتظم.
ارتفاع الاستهلاك المنزلي كأسرع المكونات نمواً
في المقابل، ارتفع الاستهلاك المنزلي بصورة ملحوظة، ولا سيما منذ عام 2017، ليصبح المكون الأسرع نمواً في الطلب على الكهرباء. ويعزى هذا الارتفاع إلى عوامل عدة، أبرزها الزيادة في عدد الوحدات السكنية واستئناف النمو السكاني بعد سنوات التباطؤ التي أعقبت أحداث عام 2011، إضافة إلى توسع استخدام الأجهزة الكهربائية المنزلية وازدياد الاعتماد عليها في ظل غياب بدائل طاقية أخرى.
ويبلغ الفرق بين الاستهلاك الفعلي في عام 2023 والاستهلاك الذي يشير إليه خط الاتجاه الإحصائي نحو 23 ألف جيجاواط ساعة، وهو انحراف كبير يعكس تغيراً هيكلياً جذرياً في نمط استخدام الكهرباء داخل الاقتصاد الليبي.
فقد انتقل الطلب من القطاعات الإنتاجية المولدة للقيمة المضافة إلى القطاع المنزلي الاستهلاكي، مما يعني أن الكهرباء أصبحت تغذي الاستهلاك بدلاً من الإنتاج، وهو تحول يحمل في طياته إشكالات اقتصادية عميقة.
الجانب المالي للانحراف الاستهلاكي
أدى انخفاض الطلب الفعلي على الكهرباء مقارنة بالمسار التاريخي إلى تقليص كمية الغاز الطبيعي اللازمة لتوليد الكهرباء. وباحتساب تكلفة الغاز على أساس سبعة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، فإن الفارق بين الاستهلاك الفعلي وسيناريو استمرار الاتجاه التاريخي يعادل انخفاضاً في تكلفة الوقود يقارب 1.5 مليار دولار سنوياً.
غير أن هذا الانخفاض لا يمثل مكسباً اقتصادياً بالمعنى الحقيقي، بل يعكس وبصورة مقلقة انكماش النشاط الاقتصادي وتراجع الطلب الإنتاجي على الكهرباء.
فالأموال التي لم تنفق على الوقود لم تذهب بالضرورة إلى جيوب المواطنين أو خزائن الدولة، بل كانت نتيجة تعطل جزء مهم من القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
هذه المفارقة تضع صناع القرار أمام معضلة حقيقية: كيف يمكن تشجيع النشاط الاقتصادي واستعادة القطاعات الإنتاجية لدورها الريادي في خلق القيمة المضافة، مع ضمان توفير احتياجاتها من الطاقة، دون التضحية بالاستقرار الاجتماعي الذي يتطلب تلبية الطلب المنزلي المتزايد؟
واقع القدرة الإنتاجية بين النمو والتراجع
الأداء المتوسط مقابل الإمكانات الهائلة
تنتج ليبيا الكهرباء من نحو اثنتي عشرة محطة رئيسية موزعة على مختلف أنحاء البلاد. وقد بلغ إجمالي إنتاجها عام 2023 نحو 33.7 ألف جيجاواط ساعة، وهي قدرة تعتبر متوسطة بالمقاييس الإقليمية، ولا تتناسب البتة مع الإمكانات الهائلة التي تمتلكها دولة تعد من كبار منتجي النفط والغاز في أفريقيا.
المقارنة مع دولة الكويت توضح حجم الفجوة بوضوح. فقد ارتفع إنتاج الكهرباء في الكويت من 32.3 ألف جيجاواط ساعة عام 2000 إلى 88.0 ألف جيجاواط ساعة عام 2023، أي بمعدل نمو بلغ نحو 172%، بينما ارتفع إنتاج ليبيا خلال الفترة ذاتها من 15.4 ألف جيجاواط ساعة إلى 33.7 ألف جيجاواط ساعة، أي بنحو 118% فقط.
وهذا يعني أن الكويت، التي تنتج حالياً قرابة ثلاثة أمثال إنتاج ليبيا، استطاعت تحقيق نمو أسرع من ليبيا رغم انطلاقها من قاعدة أعلى بكثير.
مسار النمو المنكسر
تبين بيانات الوكالة الدولية للطاقة أن إنتاج الكهرباء نما بوتيرة جيدة خلال الفترة 2000-2013، إذ ارتفع متوسط الإنتاج السنوي من 15.4 ألف جيجاواط ساعة إلى نحو 38 ألف جيجاواط ساعة، بمعدل نمو يقارب 6% سنوياً.
لكن هذا الاتجاه الإيجابي انعكس منذ عام 2014، حيث انخفض متوسط الإنتاج تدريجياً ليصل إلى 33.7 ألف جيجاواط ساعة في عام 2023، بمعدل تراجع يقارب 2% سنوياً.
ولو استمرت اتجاهات النمو التاريخية التي سادت خلال الفترة 2000-2007، لكان الإنتاج المطلوب لتلبية هذا المسار قد بلغ نحو 47 ألف جيجاواط ساعة في عام 2023، بدلاً من 33.7 ألف جيجاواط ساعة التي تحققت فعلياً.
وهذا يعني أن الاقتصاد الليبي خسر ما يقارب 13 ألف جيجاواط ساعة من الإنتاج المحتمل للكهرباء، وهو ما يعادل إنتاج عدة محطات توليد متوسطة الحجم.
تحول الوقود ووفوراته المالية الضائعة
شهد قطاع الكهرباء الليبي تحولاً مهماً خلال العقدين الماضيين في نوع الوقود المستخدم لتشغيل محطات التوليد.
ففي عام 2000، كان الغاز الطبيعي يوفر نحو 22% فقط من احتياجات محطات الكهرباء، بينما كانت بقية الاحتياجات تعتمد على الوقود السائل، مثل الديزل وزيت الوقود الثقيل والنفط الخام.
ومع دخول مشروع غاز غرب ليبيا ومراحل تطوير إنتاج الغاز، ارتفعت مساهمة الغاز الطبيعي تدريجياً حتى بلغت نحو 74% من وقود محطات الكهرباء في عام 2023، بعد أن وصلت إلى أعلى مستوياتها خلال السنوات السابقة.
وقد حقق هذا التحول وفراً مالياً كبيراً، إذ إن تكلفة توليد الكهرباء باستخدام الغاز الطبيعي أقل بكثير من تكلفة استخدام الوقود السائل.
وتشير التقديرات إلى أن التحول من الديزل إلى الغاز الطبيعي خلال الفترة 2015-2023 وفر للاقتصاد الليبي ما يقارب 15 مليار دولار، وفق تكلفة استبدال الديزل بالغاز الطبيعي. وهذا مبلغ ضخم كان بإمكانه تمويل توسعة كبيرة في القدرة الإنتاجية وتحديث شبكات النقل والتوزيع.
غير أن هذه الوفورات، وبالرغم من حجمها الكبير، لم تُترجم إلى توسع مماثل في القدرة الإنتاجية، نتيجة تباطؤ الاستثمارات في قطاع الكهرباء خلال العقد الماضي، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين نمو الطلب وقدرة المنظومة على تلبيته.
فبدلاً من أن توجه هذه الوفورات نحو تحسين الخدمة وتوسيع التغطية، بقيت مجرد وفر في تكلفة الوقود لم يرافقه أي تحسن ملموس على صعيد جودة الخدمة المقدمة للمواطنين أو القطاعات الاقتصادية.
حدود الاعتماد على الغاز وإشكالية الطاقة المتجددة
يبدو أن الاعتماد على الغاز الطبيعي قد اقترب من حدوده الحالية، في ظل غياب مشروعات كبيرة لزيادة إنتاج الغاز المخصص لمحطات الكهرباء، وفي ظل محدودية مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الوطني.
هذا الوضع يضع ليبيا أمام خيارات صعبة، فإما مواصلة الاعتماد على الوقود السائل الأكثر تكلفة والأقل كفاءة، أو الإقدام على إصلاحات هيكلية تتيح إدخال مصادر جديدة للطاقة.
غير أن إدخال الطاقة الشمسية على نطاق واسع سيظل يواجه تحديات اقتصادية جمة في ظل استمرار نظام دعم الكهرباء الحالي، ما لم يصاحب ذلك إصلاح تدريجي لسياسات التسعير وآليات تمويل الاستثمارات.
فالدعم الحكومي للكهرباء، رغم أنه يخفف الأعباء عن المواطنين، فإنه يقلص الحوافز للاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة ويجعل الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع موضع تساؤل.
كما أن تحديات أخرى، كتوفير قطع الغيار والصيانة الدورية للمحطات القائمة، وتأهيل شبكات النقل والتوزيع التي تعاني من تقادم كبير وفقدان فني مرتفع، تزيد من تعقيد المشهد وتجعل من أي حل سريع أمراً مستبعداً في غياب رؤية استراتيجية متكاملة.
البعد السياسي والأمني للأزمة
لا يمكن قراءة أزمة الكهرباء في ليبيا بمعزل عن السياق السياسي والأمني الذي تعيشه البلاد منذ عام 2011. فالانقسام المؤسسي وتعدد مراكز القرار وانعكاس ذلك على سياسات الاستثمار في قطاع الطاقة، كلها عوامل ساهمت في تعقيد المشكلة وتعميق أبعادها.
فغياب الاستقرار السياسي حال دون وضع إطار قانوني وتنظيمي جاذب للاستثمارات الوطنية والأجنبية في قطاع الكهرباء، بينما أدى تعدد الجهات المعنية بإدارة القطاع إلى تضارب في السياسات وغياب التنسيق بين مختلف الأطراف الفاعلة.
كما أن تدهور الأوضاع الأمنية في مناطق عدة حال دون تنفيذ مشاريع الصيانة والتطوير في بعض المحطات الرئيسية، خاصة تلك الواقعة في مناطق تشهد نزاعات أو صراعات مسلحة.
وإذا كانت أزمة الكهرباء قد بدأت كأزمة فنية واقتصادية، فإنها سرعان ما تحولت إلى أزمة سياسية واجتماعية وأمنية متعددة الأوجه.
فالانقطاعات المتكررة تزيد من معاناة المواطنين وتغذي الاحتجاجات الشعبية، وتقوض جهود الحكومة في أي منطقة من مناطق البلاد، وتضعف ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وقدرتها على توفير الخدمات الأساسية.
تداعيات الأزمة على الاقتصاد والأمن الاجتماعي
انعكست أزمة الكهرباء سلباً على مختلف القطاعات الاقتصادية، خاصة القطاعات الإنتاجية التي تعتمد على الطاقة في عملياتها التشغيلية.
فالعديد من المصانع والمنشآت الصناعية اضطرت إلى تقليص طاقتها الإنتاجية أو التوقف عن العمل بصورة كاملة خلال فترات الانقطاع، مما أدى إلى خسائر اقتصادية فادحة وفقدان فرص عمل.
كما أن القطاع الزراعي، الذي يعتمد على الضخ في فترات الجفاف، عانى من تداعيات الانقطاعات المتكررة، خاصة في مناطق الزراعة المروية التي تحتاج إلى كهرباء مستمرة لتشغيل مضخات المياه. وقد أدى ذلك إلى تراجع الإنتاج الزراعي وزيادة الاعتماد على الواردات الغذائية.
أما على الصعيد الاجتماعي، فإن الأزمة زادت من معاناة المواطنين الذين باتوا يعيشون في ظلام دامس لساعات طويلة خاصة في فصل الصيف حيث ترتفع درجات الحرارة وتزداد الحاجة إلى التكييف والتبريد.
وقد ولدت هذه المعاناة حالة من السخط الشعبي المتزايد، وتغذية خطاب الاحتجاج ضد السلطات، وتعميق حالة الإحباط التي يعيشها المواطن الليبي جراء تردي الخدمات الأساسية.
توصيات استراتيجية للخروج من الأزمة
تقود المعطيات المذكورة إلى أربع توصيات رئيسية يمكن أن تشكل إطاراً للخروج من الأزمة.
أولاً، إعادة النظر في سياسات إدارة الطلب على الكهرباء، بحيث يصبح ترشيد الاستهلاك جزءاً من السياسة العامة للطاقة، مع المحافظة على القدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية وعدم تحميلها أعباء تؤثر في نموها.
ويشمل ذلك تطبيق نظام تسعير متدرج يشجع على الترشيد، مع وضع آليات لحماية الفئات الأكثر احتياجاً.
ثانياً، تسريع الاستثمار في توسيع وتحديث القدرة الإنتاجية، لأن استمرار نمو الطلب دون زيادة موازية في الإنتاج سيؤدي إلى اتساع فجوة العجز وارتفاع وتيرة انقطاعات الكهرباء.
ويتطلب ذلك وضع برنامج استثماري طموح يراعي الأولويات والجدوى الاقتصادية، مع إشراك القطاع الخاص في تنفيذه.
ثالثاً، الاستفادة من الوفورات التي حققها التحول إلى الغاز الطبيعي في تمويل توسعة محطات التوليد وتحديث الشبكات، بما يضمن تحويل هذه الوفورات إلى تحسين فعلي في الخدمة بدلاً من أن تبقى مجرد وفر في تكلفة الوقود.
وهنا لابد من إنشاء آلية مؤسسية تضمن توجيه هذه الوفورات نحو الاستثمار في القطاع.
رابعاً، إعداد برنامج وطني طويل الأجل لتنويع مصادر الطاقة، يعتمد على إدخال الطاقة الشمسية وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة بصورة تدريجية ومدروسة، بالتوازي مع إصلاح منظومة الدعم، بما يحقق التوازن بين الجدوى الاقتصادية وأمن الإمدادات الكهربائية. ويشمل ذلك وضع أهداف طموحة لمساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الوطني بحلول عام 2030.
خلاصة
تكشف البيانات الدولية أن أزمة الكهرباء في ليبيا ليست نتيجة نقص الموارد الطبيعية، ولا نتيجة ارتفاع الاستهلاك وحده، وإنما هي نتيجة تراكم اختلالات هيكلية في جانبي الطلب والعرض.
فمن جهة، تغير هيكل الطلب بصورة زادت من الوزن النسبي للاستهلاك المنزلي على حساب القطاعات الإنتاجية، ومن جهة أخرى تباطأ الاستثمار في توسيع القدرة الإنتاجية منذ عام 2014، رغم الوفورات المالية الكبيرة التي حققها التحول إلى الغاز الطبيعي.
وتظل هذه الأزمة، بكل تجلياتها، واحدة من أبرز التحديات التي تواجه ليبيا في مسعاها لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتتطلب معالجة جذرية وشاملة تتجاوز الحلول المؤقتة إلى إصلاحات هيكلية في سياسات الطاقة والاستثمار، إلى جانب تظافر الجهود الوطنية في إطار من التوافق السياسي المؤسسي.
فالمسألة لم تعد مجرد أزمة تقنية يمكن حلها ببعض الصيانة أو إضافة وحدات توليد جديدة، بل هي أزمة حوكمة وتنمية وإدارة موارد تعكس واقعاً أوسع من التحديات التي تواجه الدولة الليبية في مرحلتها الراهنة.
وحل هذه الأزمة قد يكون المفتاح لاستعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وإعادة إطلاق عجلة التنمية الاقتصادية.







