ليبيا

“لو حضروا صلح الحديبية لعارضوه”.. غيث يفجر قنبلة في وجه الطبقة السياسية: أنتم تصادرون الحلول قبل أن تولد

من "عقلية الأمين" إلى فخ البنزين المسروق.. غيث يرسم خريطة الخراب: دعم يقيمه المواطن بدراهم ويدفع ثمنه المليارات إلى جيوب المهربين


ليبيا 24

ليست أزمة سلطة.. إنها أزمة عقل: تفكيك صادم لبنية الفشل السياسي والاقتصادي في ليبيا

بضراوة محلل لا يجيد المجاملات، وبقسوة خبير شهد من الداخل كيف تتعطل دولته، يسكب امراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً، دلواً من نقد حارق على رؤوس الجميع.

منشور لم يتجاوز بضع فقرات، لكنه اختزل تشريحاً مركباً لثلاثة أمراض مزمنة تنخر الجسد الليبي: ثقافة الرفض العقيم في السياسة، وشلل العقل الاستراتيجي في الإدارة، وجريمة الدعم المشوه في الاقتصاد. إنه نص لا يصف الأزمة، بل يكاد يصفع بها وجوه المتورطين في إدامتها.

صناعة العدم: كيف تحول الرفض إلى مشروع سياسي؟

يبدأ غيث من المشهد الأكثر عبثية في الحالة الليبية: بيانات الإدانة التي تصدر ضد أي مبادرة قبل الإعلان عن تفاصيلها. بأسى لا يخلو من سخرية، يضرب مثلاً تاريخياً لاذعاً حين يقول إن هؤلاء المعترضين “لو حضروا صلح الحديبية مع الرسول لأصدروا بياناً ضده”.

إنها ليست مبالغة أدبية، بل توصيف دقيق لعقلية سياسية جعلت من النقض غاية لا وسيلة. هؤلاء، كما يصفهم، يكررون شعار “لن نجلس مع فلان ولا مع الجسم الفلاني”، ثم يرفعون راية البحث عن حل. السؤال الذي يطرحه غيث هنا زلزالي في بساطته: مع من ستتفاوض إذن؟ مع الأصدقاء الذين يشبهونك؟ إنه يفضح بجلاء أن السلام الحقيقي، في ليبيا كما في كل تجارب العالم، لا يُصنع إلا على طاولة الخصوم، لا في غرف صدى الحلفاء.

ثم ينعطف نحو ظاهرة ربما تكون الأكثر استفزازاً للجمهور: المحلل السياسي الذي يتصدر الشاشات. صورة يرسمها غيث بقسوة: شخص يطلب “كل شيء أو لا شيء”، يعترض لمجرد الاعتراض، يرفض أي حل مطروح، وعندما يواجهه المذيع بالسؤال القاتل “ما هو الحل إذن؟”، يلوذ بشعارات مبتذلة عن رفض “حكم الفرد والعسكر والعائلة”.

هنا، يوجه غيث الطعنة المباشرة حين يذكّر بأن هذا الصوت الناقد ذاته يقف اليوم ليدين، بينما “تناسى أين كان يقف في سنة 2011”. إنه اتهام ضمني بأن كثيراً من النقد الحالي ليس بحثاً عن خلاص، بل هروب من مواجهة المسؤولية التاريخية.

إمبراطورية التوقيعات: وزراء بلا عقول استراتيجية

من انسداد الأفق السياسي، ينتقل غيث إلى شلل الجسد التنفيذي للدولة. في واحدة من أشد فقرات تحليله إدانة، يشبه عقلية أغلب الوزراء الحاليين بعقلية “الأمين” في نظام مؤتمر الشعب العام السابق.

ذلك المسؤول الذي لم يكن يُنتظر منه أن يفكر أو يبتكر، بل أن يتلقى التعليمات وينتظر الإذن بالصرف. هي ذات العقلية، بحسب غيث، التي تحكم اليوم: وزراء “لا يوجد لدى أغلبهم أي فهم لمعنى الاستراتيجية والحوكمة والمساءلة والشفافية”. وظيفتهم النهائية، كما يصفها بمرارة، ليست بناء قطاع أو رسم سياسة، بل “تسيير العمل اليومي والتوقيع على الصرف والتعيينات”.

هذا التشخيص ليس مجرد نقد لأشخاص، بل هو تفكيك لبنية دولة كاملة تحولت إلى آلة بيروقراطية عملاقة لا تنتج شيئاً سوى الرواتب والصفقات.

إنه التفسير العملي لسبب فشل الدولة الليبية في تقديم الكهرباء والطرق والمستشفيات رغم الميزانيات المليارية؛ لأن من يديرها، في جوهره، ليس صانع قرار بل منفذ أوامر، وليس مسؤولاً عن نتيجة بل متحصناً خلف إجراء.

وسط هذا الأنقاض، يطرح غيث خريطة هيكلية بديلة. إنه لا يريد “مجلس نواب بمائتي رأس” يكرر دورة الجمود ذاتها، بل يدعو إلى انتخاب رئيس للبلاد مباشرة. وإذا كان لا بد من سلطة تشريعية، فلتأت من القاعدة إلى القمة: عضو واحد عن كل بلدية يُختار من مجالسها المنتخبة.

إنها دعوة مبطنة لتقليص مساحة المناورة والسيطرة التي توفرها البرلمانات الكبيرة، وصفع مباشر لشرعية هشة يراها معطلة لفعل الحكم.

جريمة الـ 150 درهماً: الدعم الذي يسرق الدولة ويذل المواطن

ثم يأتي الجزء الذي يحول التحليل من سياسي إلى اقتصادي محض، ليكشف الوجه الآخر للمأساة الليبية. يدخل غيث إلى قلب التشوه الأعظم: دعم الوقود. إنه لا يناقشه من باب الشعارات الاجتماعية، بل يواجه العقلية التي تعطل أي إصلاح بحجة “غياب المواصلات العامة”.

حجته المضادة عنيفة في واقعيتها الاقتصادية: “لن تكون هناك مواصلات عامة طالما سعر البنزين يقترب من المجان”. المنطق السوقي الذي يسوقه بديهي وقاسٍ: العرض لا يظهر إلا حيث يوجد الطلب.

يستشهد بمشهد ما قبل عيد الأضحى، حين تملأ أدوات الذبح والشواء الأرصفة استجابة للطلب الموسمي، لتختفي بعده تماماً. هكذا تماماً، لن يغامر مستثمر بإنشاء أسطول حافلات داخل المدن طالما أن المواطن يملأ خزان سيارته الخاصة بسعر لا يكاد يُذكر. ارتفاع سعر الوقود، في هذه المعادلة، ليس عقاباً، بل هو إشارة السوق الوحيدة التي ستخلق طلباً حقيقياً على النقل العام، فيزدهر استثمار القطاع الخاص فيه ويغني عن “القطاع العام الفاشل”.

بعد هذا التأسيس النظري، يضع غيث القارئ أمام صدمة الأرقام. يقوم بعملية حسابية بسيطة لكنها تكشف مأساة مضاعفة. يعرض أسعار لتر البنزين في دول الجوار: ديناران في مصر، وأكثر من خمسة دنانير في السودان وتشاد والنيجر، و5.2 دينار في تونس.

ثم يقابلها بالرقم الليبي الصاعق: 150 درهماً. إنه لا يسأل سؤالاً اقتصادياً، بل يسأل سؤال جريمة منظمة: “أليست هذه الأسعار مغرية للتهريب وطريقة سهلة للحصول على المال؟”.

في هذا السؤال يكمن التفسير الموجع: الدولة الليبية لا تدعم مواطنها فقط، بل إنها تمول، بفارق الأسعار الخيالي هذا، أكبر شبكة لغسيل أموال وتهريب عابرة للحدود، فيما يدفع المواطن الثمن لاحقاً في صورة طوابير وأزمات وخدمات منهارة، وليس في صورة سعر في المحطة.

في الختام، لا يقدم غيث مجرد تحليل، بل يودع القارئ في قلب مفارقة مريرة: دولة غنية تذبحها سياسة الرفض، ويشلّها وزراء بلا رؤية، وينهش اقتصادَها دعمٌ أصبح وقوداً لحرب العصابات المالية على حدودها. إنه نص لا يبحث عن حل سحري، بل يصرخ بأن نقطة البدء هي الاعتراف بحجم الخراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى