عملية “الأسد الهصور”.. “نيويورك تايمز” تكشف تفاصيل صفقة تجنيد إسرائيلية لأحمدي نجاد.. والحرس الثوري يضع حداً للمخطط
مخابرات إسرائيل راهنت على "الأسد الهصور" لإعادة نجاد إلى الحكم.. وكشف العملية يرسل الرئيس الإيراني السابق إلى الإقامة الجبرية
ليبيا 24
تقرير أميركي يكشف النقاب عن أخطر عملية استخباراتية إسرائيلية في إيران
في تطور دراماتيكي يضاف إلى سلسلة المواجهات الخفية بين تل أبيب وطهران، كشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” عن عملية استخباراتية إسرائيلية موسعة استمرت سنوات، استهدفت تجنيد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، في محاولة لقلب المعادلة السياسية في قلب الجمهورية الإسلامية.
وبحسب التحقيق الذي استند إلى أربعة مصادر إيرانية مطلعة، فإن جهاز الموساد الإسرائيلي أدار العملية التي حملت الاسم الرمزي “الأسد الهصور”، في خطوة اعتبرتها الأوساط الاستخباراتية الإقليمية الأكثر جرأة منذ عقود.
تفاصيل العملية من التجنيد إلى خطة التمكين
يكشف التقرير أن العملية لم تقتصر على محاولات التجنيد التقليدية، بل تجاوزتها إلى وضع تصور استراتيجي لإعادة نجاد إلى سدة الحكم في طهران، في حال انهار النظام القائم أو تمت الإطاحة به.
وتشير المعطيات إلى أن الموساد خطط لتنصيب نجاد زعيماً بديلاً لإيران، استناداً إلى قناعة إسرائيلية بأن الرئيس السابق يحظى بقاعدة شعبية وجمهور عريض داخل التيار المحافظ، إضافة إلى شبكة اقتصادية واسعة تمكنه من حشد التأييد.
وبحسب المصادر، فإن العملية تسارعت في أوائل عام 2024، حين نسق الموساد دعوة نجاد للمشاركة في مؤتمر دولي حول تغير المناخ في بودابست، وهو الغطاء الذي أتيح لعقد لقاء سري بين رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي دافيد برنيا ونجاد شخصياً.
وتشير المعلومات إلى أن الاجتماع عُقد بعيداً عن الأضواء، تحت حراسة مشددة من عناصر الموساد، في مؤشر على مستوى الأهمية الذي أولته تل أبيب لهذا الملف.
الغطاء المالي والاتصالات السرية
وفي سياق متصل، كشف التقرير عن أن إسرائيل خصصت مدفوعات مالية سرية لعلي أكبر جوانفكر، المتحدث الرسمي باسم أحمدي نجاد، والذي تولى مهمة التنسيق بين نجاد والعملاء الإسرائيليين.
ويذكر التحقيق أن عملاء الموساد التقوا جوانفكر في عدة مناسبات قبل إطلاق العملية، في إطار تهيئة الظروف لإحكام السيطرة على خطوط الاتصال وتأمين القنوات المالية بعيداً عن أعين المخابرات الإيرانية.
ويبدو أن الدوافع المالية لم تكن العامل الوحيد في استجابة نجاد للعرض الإسرائيلي، إذ نقلت الصحيفة عن مستشاره السابق عبد الرضا داوري، قوله في مقابلة هاتفية: “لديه المال وشبكة اقتصادية واسعة. فعل ذلك من أجل السلطة ورغبته في العودة إلى سدة الحكم”.
وتتوافق هذه الرواية مع ما أكده مقرب آخر من نجاد، أن الرئيس السابق فقد الثقة في النظام الإيراني بقيادة المرشد الأعلى علي خامنئي، بعد استبعاده ثلاث مرات متتالية من السباق الرئاسي، ما دفعه إلى الاعتقاد بأن العودة إلى السلطة لن تكون ممكنة إلا عبر دعم خارجي، وأنه كان يعتزم تطبيع العلاقات مع إسرائيل في حال استعاد منصبه.
الضربة الجوية ونقل نجاد إلى مخبأ سري
ولم تقتصر العملية على الجانب الاستخباراتي والمالي، بل تجاوزته إلى استخدام القوة العسكرية، حيث أشار التقرير إلى أن المجمع السكني لنجاد تعرض لضربة جوية إسرائيلية استهدفت حراسه الشخصيين وسيارته المدرعة، في محاولة لإجباره على الخضوع للإجراءات التي رسمها الموساد.
وتلت الضربة قيام عملاء إسرائيليين بنقل نجاد إلى مخبأ سري، في مشهد يذكرنا بأفلام التجسس، لكنه يعكس واقع التعقيد الذي بلغته المواجهة بين الطرفين.
وتطرح هذه الحادثة تساؤلات حول مدى قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي الإيرانية، في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية، وتزداد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
غير أن الخبراء يرون أن هذه الضربة كانت جزءاً من خطة الضغط التي انتهجها الموساد لإقناع نجاد بجدية العرض الإسرائيلي، وخطورة التردد في التعاون.
الحرس الثوري يكشف المخطط ويحبط العملية
ورغم الإحكام الذي يبدو أن الموساد أولاه للعملية، فإن المخابرات الإيرانية تمكنت من كشف الخيط الأول الذي قادها إلى فك شفرة المخطط بأكمله. وتفيد مصادر التحقيق بأن الحرس الثوري الإيراني رصد تحركات مريبة لعناصر مرتبطة بنجاد، قبل أن يتمكن من اعتقاله واحتجازه في الجناح الاستخباراتي التابع للحرس، ثم وضعه لاحقاً تحت الإقامة الجبرية.
ويأتي هذا الكشف في توقيت دقيق، إذ تشير المعلومات إلى أن نجاد ظهر في جنازة المرشد الأعلى علي خامنئي، وذلك بعد فترة من اعتقاله، في مشهد حمل رسائل متعددة، أبرزها أن النظام الإيراني لا يزال ممسكاً بزمام الأمور وقادراً على إجهاض أي مخطط خارجي، مهما بلغت درجة تعقيده.
ويبدو أن ظهور نجاد في هذا المحفل السياسي والديني المهيب كان أشبه بإعلان فشل العملية الإسرائيلية، وإعادة تأكيد ولاء نجاد للنظام، أو على الأقل إجباره على التظاهر بذلك تحت ضغط الإقامة الجبرية.
قراءة في الدوافع والتداعيات الإقليمية
يرى محللون سياسيون أن هذه العملية تعكس تحولاً في استراتيجية إسرائيل تجاه إيران، من المواجهة العسكرية المباشرة للبرنامج النووي، إلى محاولات التأثير على البنية السياسية الداخلية في طهران. ويشيرون إلى أن الموساد راهن على استغلال حالة الإحباط التي يعيشها نجاد نتيجة استبعاده المتكرر، وتحويله إلى ورقة ضغط قابلة للاستخدام في التوقيت المناسب.
لكن الكشف المبكر للمخطط يكشف عن هشاشة هذه الاستراتيجية أمام قدرات الحرس الثوري الاستخباراتية.
ومن جهة أخرى، تطرح العملية تساؤلات حول مستقبل التعامل الإسرائيلي مع المعارضين الإيرانيين، خصوصاً في ظل تصعيد طهران لهجتها ضد ما تصفه بالمؤامرات الخارجية، وتشديد إجراءاتها الأمنية تجاه الشخصيات البارزة.
كما أن كشف المخطط قد يدفع النظام الإيراني إلى مراجعة سياساته تجاه الرموز السياسية السابقة التي قد تكون عرضة للاختراق، وربما توسيع دائرة الإقامة الجبرية لتشمل شخصيات أخرى.
خلاصة المشهد
في المحصلة، تكشف عملية “الأسد الهصور” عن أبعاد جديدة في الصراع الخفي بين إسرائيل وإيران، حيث لم تعد المواجهة محصورة في البعد النووي أو الميداني، بل انتقلت إلى محاولات اختراق النسيج السياسي الداخلي وإعادة تشكيل خارطة النفوذ في طهران.
غير أن فشل المخطط يبرز مرة أخرى قدرة النظام الإيراني على الصمود في وجه هذه العمليات، ويؤكد أن المعادلة الإيرانية الداخلية، رغم هشاشتها الظاهرية، لا تزال عصية على الاختراق الخارجي المباشر.
ومع بقاء أحمدي نجاد قيد الإقامة الجبرية، وإعلان الحرس الثوري إفشال العملية، يبقى السؤال الأهم: هل ستغير إسرائيل استراتيجيتها في التعامل مع طهران، أم أنها ستطور أدواتها لتنفيذ عمليات أكثر تعقيداً في المستقبل؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة.



