من منصات للتواصل إلى أدوات حرب: كيف تحوّلت وسائل التواصل في ليبيا إلى ساحات تضليل وتشكيل للرأي العام
الجيوش الإلكترونية في ليبيا تحوّل المنصات الرقمية إلى ساحات معارك ناعمة للتضليل وتشكيل الوعي الجمعي.
ليبيا 24:
المشهد الرقمي الليبي: من فضاء للحوار إلى مسرح للمعارك الناعمة والتشريعات المتعثرة
لم يعد الفضاء الإلكتروني في ليبيا ذلك الأفق المفتوح لتبادل الآراء والتواصل العابر للحدود، بل تحول، وفقاً لتحليلات متخصصة، إلى حلبة مشتعلة تدور فيها معارك من نوع جديد. إنها حرب ناعمة تُدار بتقنيات متطورة، لا تستهدف تحصينات مادية، بل تسعى إلى السيطرة على العقول وتوجيه البوصلة الجمعية لصالح أجندات خفية.
في هذا السياق المضطرب، تتداخل الخيوط التكنولوجية بالسياسية، وتتماهى الأدوات الرقمية مع غايات اقتصادية واجتماعية، لتشكل نسيجاً معقداً من التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع على حد سواء، حيث تبرز فجوات تشريعية تبتلعها سرعة التحول الرقمي.
المنصات تتحول إلى ساحات معارك ناعمة
لقد أحدث الانتشار الهائل للأجهزة الذكية طفرة نوعية في وظائف شبكات التواصل، فلم تعد هذه المنصات تقتصر على بناء العلاقات وتبادل المعرفة، بل أصبحت مطايا لتشكيل الرأي العام وإعادة إنتاجه.
وتشير القراءات المعمقة إلى أن البيئة الإعلامية الجديدة تُدار عبر استراتيجيات معقدة تقوم على الانتقائية في طرح المعلومات، وحجب الحقائق، وتزييفها، في عملية متكاملة تهدف إلى صياغة إدراك الجمهور وتوجيه مواقفه. هذه الآليات لم تعد مجرد ممارسات عشوائية، بل تحولت إلى ما يشبه الغرف المركزة لإدارة المحتوى الرقمي الموجه لخدمة مصالح بعينها.
الجيوش الرقمية وآليات التضليل المنظم
وفي قلب هذه العاصفة، تبرز كيانات منظمة تُعرف بـ”الجيوش الإلكترونية”، وهي شبكات تديرها عقول بشرية مدعومة ببرمجيات متقدمة، تشن حملات ممنهجة لترويج سرديات محددة أو تشويه خصوم.
هذه الحملات لا تكتفي بالانتشار العضوي، بل تفرض توجهاتها عبر التكرار والإغراق، مستفيدة من خوارزميات المنصات ذاتها.
ويعد التشهير الإلكتروني أحد أبرز تجليات هذه الظاهرة، حيث تشهد الجهات المختصة، وفقاً لبياناتها، ارتفاعاً غير مسبوق في أعداد البلاغات عن جرائم تستهدف الأفراد وتنال من سمعتهم، وهو فعل مجرّم في نصوص القانون الليبي، لكن رحى التضليل تطحن أهدافها متجاوزة حدود التجريم النظري.
الذكاء الاصطناعي يضاعف التحديات الأمنية والاجتماعية
ويزداد المشهد تعقيداً مع التطور المذهل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أدوات صناعة المحتوى الرقمي على المستوى العالمي. هذه التقنيات، التي تتيح توليد النصوص والصور والمقاطع الصوتية والمرئية شديدة الإتقان، ألقت بظلالها القاتمة على المشهد الليبي، حيث صار من العسير، حتى على الخبراء، اكتشاف المحتوى المزيف والحد من انتشاره.
لقد انتقلت المواجهة من التحقق من مصدر الخبر إلى فحص بنيته التقنية، وهو سباق محموم بين وسائل التضليل وأدوات الكشف، مما يفرض حالة من انعدام اليقين المعلوماتي تُربك المتلقي وتجعله أكثر عرضة للتلاعب.
القانون 5: تشريع بين الثغرات المؤسسية والنقد الجذري
لمواجهة هذا الطوفان، يستند الإطار القانوني الليبي إلى القانون رقم 5 لسنة 2022 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية. وبينما يرى بعض المراقبين أنه يمثل الأرضية التشريعية المتاحة والناظمة للفضاء الرقمي، ويعترفون بأن المشرّع بحاجة دائمة إلى سرعة الحركة لتطوير النصوص وسد الثغرات التي يكتشفها المجرمون باستمرار، يذهب فريق آخر من النقاد إلى وصف هذا القانون بأنه “وُلد ميتاً”.
ويستند هؤلاء في حكمهم إلى ما يرونه عيوباً هيكلية في بنية التشريع ذاته، حيث لم تنجح مواده في تنظيم العلاقة مع منصات التواصل العملاقة أو وضع إطار قانوني متكامل لإدارتها.
فاللوم لا يقع على عاتق المنصات فحسب، بل على قانون وُصف بالتقليدي في زمن السيولة الرقمية، حيث اقتصر على تجريم أفعال كالابتزاز والتحرش الإلكتروني، بينما أغفل، بحسب المنتقدين، قضايا أشد فتكاً بالنسيج الوطني كالتضليل المنظم وتزييف الحقائق وخطاب الكراهية، دون وضع آليات ردع حديثة تتناسب مع حجم الضرر.
الانقسام السياسي يعطل تحديث المنظومة القانونية
إن هذا التأخر التشريعي لا يمكن فصله عن حالة الاستثناء السياسي التي تعيشها ليبيا. فالانقسام المؤسسي، وتضارب الأولويات بين مراكز القوى، والاصطفافات الحادة، كلها عوامل أسهمت بشكل مباشر في تعطيل مسار إصدار تشريعات عصرية تواكب التحولات الرقمية.
ويُشار إلى أن جذور المشكلة تمتد إلى الاعتماد المزمن على منظومة قانونية موروثة من سبعينيات القرن الماضي، لم تُصمم بداهة للتعامل مع جرائم العالم الافتراضي.
إن غياب الإرادة السياسية الموحدة يحول دون الاستجابة السريعة لتطور أساليب الجريمة، حيث يظل المشرع، في أحسن الأحوال، في موقع رد الفعل، بينما يمتلك المجرمون التكنولوجيون زمام المبادرة، مستغلين كل ثغرة تُسد للبحث عن أخرى.
نحو حوار وطني لإطار تشريعي متوازن
في مواجهة هذا المأزق، تتعالى الدعوات لإطلاق حوار وطني شامل، تتجاوز طاولته المستديرة الدوائر الحكومية الضيقة لتضم خبراء في القانون والإعلام الرقمي والتكنولوجيا وممثلين عن المجتمع المدني. الهدف الأسمى لهذا الحوار يتمثل في إعداد إطار قانوني حديث يحقق توازناً دقيقاً بين مطرقة حرية التعبير وسندان مسؤولية النشر.
إنها معادلة صعبة تسعى لحماية المجتمع من آفة التضليل الإعلامي وخطاب الكراهية، دون المساس بالحقوق والحريات الدستورية للمواطنين. هذا الطرح يعكس قناعة بأن القانون، أي قانون، مهما بلغت قوته الردعية، لا يمكنه بمفرده أن يضمد جراح الفضاء الرقمي، بل لا بد من تطويره المتوازي مع بث الوعي الرقمي.
الوعي الرقمي خط الدفاع الأول والتكامل المؤسسي مطلب حتمي
هنا، يبرز الوعي الرقمي للمستخدمين كحجر الزاوية في أي استراتيجية دفاعية ناجعة، فهو خط الصد الأول الذي يحول دون وقوع الأفراد ضحايا لعمليات التضليل والاختراق الفكري. ولكن هذا الوعي، على أهميته، يظل قاصراً إن لم يُدعم بمنظومة متكاملة من الردع والمحاسبة. إن بناء بيئة رقمية آمنة، كما يتفق المحللون، ليس مهمة جهة واحدة، بل هو نتاج تكامل عضوي بين أركان الدولة المختلفة.
فهو يتطلب تناغماً بين الأجهزة التشريعية التي تضع القواعد، والأجهزة الأمنية التي ترصد التهديدات وتتعقب مرتكبي الجرائم في العالم الافتراضي، والسلطة القضائية التي تنزل حكم القانون على المخالفين، ووسائل الإعلام التي تنشر الوعي وتكشف زيف المحتوى، والمؤسسات التعليمية التي تؤسس لأجيال محصّنة معرفياً وقادرة على التمييز.
ولا يكتمل هذا البنيان دون الاستثمار الضخم في بناء القدرات الوطنية وتأهيل كفاءات متخصصة، قادرة ليس فقط على مكافحة الجرائم الإلكترونية بوسائلها الحالية، بل على استشراف أساليبها المستقبلية وتطوير وسائل استباقية للتصدي لها، وهو ما يشكل صمام الأمان الحقيقي لتعزيز الأمن الرقمي وحماية المجتمع الليبي من مخاطر لا تكف عن التحور.



