ليبيا

الأمن المائي الليبي على المحك.. النهر الصناعي في مواجهة أكبر اختبار منذ إنشائه

بين نقص التمويل وارتفاع الطلب.. النهر الصناعي أمام اختبار الاستدامة

ليبيا 24

لم تعد أزمة المياه في ليبيا مجرد تحدٍ خدمي يرتبط بانقطاع الإمدادات عن بعض المدن أو تأخر وصولها إلى الأحياء السكنية، بل تحولت إلى قضية أمن قومي تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والفنية والبيئية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من اتساع فجوة الطلب على المياه خلال السنوات المقبلة، مع استمرار النمو السكاني والتوسع العمراني وتداعيات التغيرات المناخية.

وفي قلب هذه المعادلة يقف مشروع النهر الصناعي العظيم، الذي ظل لعقود شريان الحياة لملايين الليبيين، باعتباره المصدر الرئيسي لمياه الشرب في معظم المدن الليبية. إلا أن المشروع، الذي يُعد أحد أكبر مشاريع نقل المياه الجوفية في العالم، يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة تتعلق بالتمويل والصيانة واستكمال المشاريع المتوقفة، ما يثير تساؤلات جدية حول قدرة ليبيا على الحفاظ على أمنها المائي خلال السنوات المقبلة.

النهر الصناعي… ركيزة الأمن المائي الليبي

منذ إطلاقه، شكل مشروع النهر الصناعي العظيم نقلة نوعية في قطاع المياه داخل ليبيا، إذ يعتمد على نقل المياه الجوفية من الأحواض العميقة في الجنوب إلى المدن الساحلية المكتظة بالسكان عبر شبكة ضخمة تمتد لآلاف الكيلومترات.

وأصبح المشروع المصدر الأساسي لمياه الشرب لأغلب السكان، كما وفر المياه للقطاعين الزراعي والصناعي، وأسهم في تخفيف الضغط على الخزانات الجوفية الساحلية التي تعرضت خلال العقود الماضية للاستنزاف وتداخل مياه البحر.

ورغم هذا الدور الحيوي، فإن المشروع يواجه اليوم تحديات متراكمة فرضتها سنوات الانقسام السياسي والظروف الأمنية، إضافة إلى تراجع الإنفاق على أعمال الصيانة والتطوير، وهو ما يهدد استدامة واحدة من أهم البنى التحتية الاستراتيجية في البلاد.

تحديات فنية تعطل التوسع

ويؤكد مصدر خاص بجهاز النهر الصناعي أن توحيد إدارة الجهاز على مستوى ليبيا يمثل خطوة مهمة نحو إعادة تنظيم العمل، إلا أن ذلك لا يلغي حجم التحديات الفنية التي تواجه المشروع.

وأوضح المصدر أن عدداً من المشاريع الاستراتيجية لا يزال متوقفاً، وفي مقدمتها مشروع استكمال منظومة السرير – تازربو – بنغازي، الذي يستهدف إضافة آبار وحقول جديدة لرفع كميات المياه المتدفقة نحو المدن الشرقية، إلا أن المشروع تعثر بسبب توقف العقود القديمة وانسحاب الشركات الأجنبية التي كانت تنفذه عقب الأحداث التي شهدتها ليبيا.

وأضاف أن الكثير من المعدات والآليات ومحطات الضخ تعرضت خلال السنوات الماضية لأعمال تخريب وسرقة، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف إعادة التأهيل وتأخر تنفيذ العديد من المشروعات الحيوية.

ويشير المصدر إلى أن غياب الشركات المتخصصة في تصنيع الأنابيب العملاقة والمعدات الفنية اللازمة زاد من تعقيد الأزمة، خاصة أن المشروع يعتمد على تجهيزات هندسية دقيقة يصعب توفير بدائل محلية لها بالسرعة المطلوبة.

التمويل… العقبة الأكبر

ورغم تحسن الأوضاع الأمنية مقارنة بالسنوات الماضية، يرى المسؤولون في الجهاز أن الأزمة الحقيقية لم تعد أمنية بقدر ما أصبحت مالية.

ويؤكد المصدر أن نقص التمويل يمثل التحدي الأخطر أمام استمرار المشروع، موضحاً أن أعمال الصيانة الدورية أصبحت تتأجل في كثير من الأحيان بسبب عدم توفر الميزانيات اللازمة، وهو ما يزيد احتمالات حدوث أعطال مفاجئة قد تؤثر على انتظام إمدادات المياه.

كما أشار إلى أن الجهاز يحتاج بصورة عاجلة إلى توفير معدات حديثة وقطع غيار وإبرام عقود جديدة مع شركات متخصصة لاستكمال المشروعات المتوقفة وإعادة تأهيل البنية التحتية التي تعرضت للتلف.

ولفت إلى أن تفعيل القانون رقم (10)، الذي ينظم آلية تحصيل الرسوم المخصصة لدعم جهاز النهر الصناعي، يمكن أن يشكل أحد الحلول المهمة لتوفير مصادر تمويل مستقرة، خاصة أن عدداً من الجهات الملزمة بالسداد لم تلتزم حتى الآن بما عليها من مستحقات.

ويرى المصدر أن تطبيق هذا القانون بصورة كاملة سيوفر موارد مالية تمكن الجهاز من تنفيذ خطط الصيانة والتوسع دون الاعتماد الكامل على المخصصات الحكومية السنوية.

حماية المنظومة

وعلى الصعيد الأمني، أوضح المصدر أن منظومة النهر الصناعي أصبحت تحظى بحماية أفضل من السابق، حيث تتولى قوة أمنية متخصصة تأمين مسارات الأنابيب ومحطات الضخ والخزانات الرئيسية.

ورغم ذلك، فإن الطبيعة الجغرافية للمشروع، الذي يمتد عبر آلاف الكيلومترات في مناطق صحراوية مفتوحة، تجعل تأمينه بصورة كاملة أمراً بالغ الصعوبة، وهو ما يفسر استمرار تسجيل بعض الاعتداءات المحدودة بين الحين والآخر.

ويؤكد المسؤولون أن أي اعتداء على خطوط نقل المياه لا ينعكس فقط على كفاءة المشروع، بل قد يؤدي إلى انقطاع المياه عن مدن كاملة تعتمد بشكل شبه كلي على إمدادات النهر الصناعي.

مؤشرات مقلقة

ويحذر المختصون من أن استمرار تأجيل أعمال الصيانة واستكمال المشاريع الجديدة قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على المنظومة الحالية، خصوصاً مع ارتفاع الطلب على المياه عاماً بعد آخر.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن بعض المدن بدأت بالفعل تواجه تحديات متكررة في انتظام الإمدادات، وهو ما يعكس الحاجة الملحة إلى تسريع برامج التطوير والتوسع قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة مائية واسعة النطاق.

وفي هذا السياق، يؤكد مسؤولون أن ضمان استدامة مشروع النهر الصناعي لم يعد خياراً تنموياً فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن المائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في ليبيا.

الطلب على المياه يتجاوز القدرات الحالية

يرى خبراء الموارد المائية أن أزمة المياه في ليبيا لم تعد ترتبط فقط بتراجع كميات المياه المتاحة، وإنما باتت مرتبطة أيضاً بارتفاع معدلات الاستهلاك، في ظل النمو السكاني والتوسع العمراني وغياب سياسات فعالة لترشيد الاستخدام.

ويؤكد رئيس قسم الموارد الطبيعية بكلية الموارد الطبيعية وعلوم البيئة بجامعة عمر المختار، الدكتور رمضان عبدالمولى الهنداوي، أن ليبيا تُصنف ضمن الدول التي تعاني من الإجهاد المائي، خاصة في المناطق الساحلية التي تضم النسبة الأكبر من السكان والأنشطة الاقتصادية.

ويشير إلى أن البلاد تمتلك عدداً من مصادر المياه، من بينها مشروع النهر الصناعي، والآبار الجوفية، ومحطات تحلية مياه البحر، وخزانات حصاد مياه الأمطار، إلا أن هذه المصادر لم تعد كافية لمواكبة الطلب المتزايد، الأمر الذي دفع أعداداً متزايدة من المواطنين إلى شراء المياه من القطاع الخاص لتلبية احتياجاتهم اليومية.

ويضيف أن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد فحسب، بل في غياب الإدارة المتكاملة لهذا القطاع، موضحاً أن أي استراتيجية ناجحة يجب أن تبدأ بامتلاك بيانات دقيقة حول كميات المياه المنتجة والمستهلكة، ونسب الفاقد، وجودة المياه، والاحتياجات المستقبلية.

الإدارة الرشيدة… الحلقة المفقودة

ويشدد الهنداوي على أن الإدارة الحديثة للموارد المائية أصبحت تمثل العنصر الحاسم في نجاح الدول التي تواجه تحديات مماثلة، مؤكداً أن ليبيا تحتاج إلى قاعدة بيانات وطنية موحدة تضم جميع المعلومات المتعلقة بالإنتاج والاستهلاك وجودة المياه.

ويرى أن وجود مثل هذه القاعدة سيساعد صناع القرار على وضع خطط دقيقة للتوسع في الإنتاج، وتوزيع الموارد بصورة أكثر عدالة، وتقليل الهدر الذي يستهلك جزءاً كبيراً من المياه المنتجة.

كما يدعو إلى تطوير التشريعات المنظمة للقطاع المائي، وتفعيل القوانين الخاصة بحماية مصادر المياه ومنع التعديات على خطوط الإمداد، بالإضافة إلى تشديد الرقابة على الاستخدامات غير القانونية للمياه الجوفية.

بدائل لا يمكن تجاهلها

ومع استمرار الضغوط على منظومة النهر الصناعي، يبرز الحديث عن ضرورة تنويع مصادر المياه وعدم الاعتماد على مصدر واحد، مهما بلغت كفاءته.

ويؤكد مختصون أن محطات تحلية مياه البحر ستكون أحد أهم الخيارات المستقبلية، خاصة بالنسبة للمدن الساحلية، إذ يمكنها تخفيف الضغط على المياه الجوفية وإتاحة كميات إضافية للاستهلاك المنزلي والصناعي.

كما يدعو الخبراء إلى التوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة والأنشطة الصناعية، بما يساهم في تقليل استهلاك المياه العذبة، إلى جانب تطوير مشاريع حصاد مياه الأمطار في المناطق التي تسمح ظروفها المناخية بذلك.

ويرون كذلك أن تنظيم حفر الآبار الجوفية وفق دراسات علمية سيساعد في حماية المخزون الجوفي من الاستنزاف، خصوصاً في ظل تراجع معدلات التغذية الطبيعية للأحواض المائية.

التغير المناخي يضاعف التحديات

ولا تنفصل أزمة المياه في ليبيا عن تداعيات التغير المناخي، إذ تشير الدراسات الدولية إلى أن منطقة شمال أفريقيا تعد من أكثر مناطق العالم تعرضاً لارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار.

وتؤدي هذه المتغيرات إلى زيادة معدلات التبخر، وارتفاع الطلب على المياه، وتراجع فرص تغذية الخزانات الجوفية، الأمر الذي يجعل إدارة الموارد المائية أكثر تعقيداً خلال السنوات المقبلة.

وفي هذا السياق، يؤكد خبراء البيئة أن أي خطة مستقبلية يجب أن تراعي تأثيرات المناخ، وأن تعتمد على تنويع مصادر المياه، ورفع كفاءة شبكات النقل والتوزيع، وتقليل نسب الفاقد، التي تمثل هدراً لمورد استراتيجي محدود.

رؤية وطنية للأمن المائي

ويجمع المختصون على أن الأمن المائي لم يعد قضية تخص قطاع المياه وحده، بل أصبح أحد مقومات الأمن القومي، لما له من ارتباط مباشر بالصحة العامة، والأمن الغذائي، والاستقرار الاقتصادي، والتنمية المستدامة.

ويؤكدون أن الحفاظ على مشروع النهر الصناعي يمثل أولوية وطنية، لكنه وحده لن يكون كافياً لمواجهة التحديات المستقبلية ما لم يترافق مع استثمارات جديدة في التحلية، وإعادة استخدام المياه، وتحديث البنية التحتية، وتوفير التمويل المستدام، وإصلاح المنظومة التشريعية والإدارية.

كما يدعون إلى إطلاق استراتيجية وطنية طويلة المدى لإدارة الموارد المائية، تشارك في إعدادها المؤسسات الحكومية والجامعات والمراكز البحثية، بهدف وضع حلول علمية قابلة للتنفيذ، بعيداً عن المعالجات المؤقتة.

اختبار حقيقي للمستقبل

ومع تزايد الطلب على المياه، واستمرار الضغوط المالية والفنية على مشروع النهر الصناعي، تبدو ليبيا أمام اختبار حقيقي لقدرتها على حماية أحد أهم مشاريعها الاستراتيجية.

فالسنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل الأمن المائي، سواء من خلال توفير الدعم اللازم لصيانة وتطوير النهر الصناعي، أو عبر الاستثمار في مصادر بديلة أكثر استدامة، بما يضمن استمرار وصول المياه إلى ملايين المواطنين. ويؤكد خبراء أن التعامل مع هذا الملف يجب أن يتجاوز الحلول الآنية، لينطلق نحو رؤية وطنية تعتبر المياه ثروة استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط، وأن الحفاظ عليها واستثمارها بكفاءة يمثلان ركيزة أساسية لبناء مستقبل أكثر استقراراً وتنميةً في ليبيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى