ليبيا

تونس تتحول إلى منطقة عازلة للهجرة.. ومنظمة العفو الدولية تحذر من كارثة إنسانية بعد تعليق تسجيل طلبات اللجوء

الاتحاد الأوروبي يمول سياسات الإقصاء في تونس.. وشهادات الناجين تكشف انتهاكات جسيمة بحق اللاجئين

ليبيا 24:

أزمة اللجوء في تونس: بين الالتزامات الدولية وسياسات الردع الأوروبية

تراجع غير مسبوق في منظومة الحماية

في مشهد يعكس تناقضاً صارخاً بين المبادئ الحقوقية والسياسات الميدانية، تواجه تونس موجة انتقادات دولية متصاعدة بعد أن كشفت تقارير منظمة العفو الدولية عن تدهور خطير في أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء على أراضيها، منذ أن أصدرت السلطات التونسية في 2024 قراراً بتعليق تسجيل طلبات اللجوء وتحديد صفة اللاجئ لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو القرار الذي ترك آلاف الأشخاص دون أي حماية فعلية في ظل تصاعد سياسات الإقصاء والعنصرية وكراهية الأجانب، خاصة ضد الأشخاص السود.

وتشير الأرقام الرسمية إلى حجم التراجع الكبير في منظومة الحماية، حيث انخفض عدد المسجلين لدى المفوضية من 18 ألفاً و362 شخصاً في 2024 إلى 7515 فقط في أفريل 2026، وهو تراجع يعكس أبعاد الكارثة الإنسانية التي يعيشها هؤلاء الأشخاص، الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة القرارات الإدارية وسندان الممارسات الميدانية العنيفة، في وقت تتصاعد فيه حملات المداهمة والاعتقالات التعسفية التي تطالهم في مختلف المدن التونسية.

انتهاكات منهجية تطال الأمن والكرامة

منذ 2026، وثقت منظمة العفو الدولية شهادات 25 لاجئاً وطالب لجوء، بينهم 11 امرأة وطفل واحد، إضافة إلى شهادات 12 شخصاً تعرضوا للطرد الجماعي إلى الحدود الجزائرية أو الليبية، وكشفت هذه الشهادات عن انتهاكات خطيرة شملت الضرب، والركل، والصعق بالكهرباء، والرش بمواد كيميائية مهيجة، والانتهاكات الجنسية، والتفتيش العاري والمهين على أيدي أعوان الأمن الوطني.

ويواجه العديد من اللاجئين وطالبي اللجوء ظروفاً قاسية تشمل التشرد، والتهديد بالإخلاء، والحرمان من الحماية والخدمات الأساسية، في مشهد إنساني مأساوي يذكر بأن تونس، التي كانت تعتبر نموذجاً في التعامل مع قضايا الهجرة، أصبحت اليوم مسرحاً لانتهاكات جسيمة تتعارض مع التزاماتها الدولية المنصوص عليها في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب.

مذكرة التفاهم الأوروبية: ثلاث سنوات من الانتهاكات

بعد ثلاث سنوات من توقيع مذكرة التفاهم حول الهجرة بين تونس والاتحاد الأوروبي، بات واضحاً أن هذا النموذج لم يبن على حماية حقوق الإنسان، بل على تعزيز سياسات مراقبة الهجرة على حساب حياة وكرامة اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، إذ وثقت منظمة العفو الدولية استمرار الانتهاكات المرتبطة بهذه السياسات، بما في ذلك الاحتجاز التعسفي، والطرد الجماعي، والعنف، والانتهاكات العنصرية.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه الأدلة على هذه الانتهاكات، واصل الاتحاد الأوروبي تقديم التمويل والدعم للسلطات التونسية لتعزيز مراقبة الهجرة، وكأن الأرقام والميزانيات تحجب الرؤية عن المشاهد الإنسانية المأساوية التي تتكشف يومياً على الشواطئ التونسية وعند المعابر الحدودية، حيث يتم اعتراض الأشخاص في البحر وإعادتهم إلى أماكن يواجهون فيها خطر العنف أو التعذيب أو الانتهاكات الجسيمة، في انتهاك صريح لمبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يعتبر حجر الزاوية في قانون اللجوء الدولي.

التحديات الأمنية والاقتصادية: مبررات الواقع وإشكالياته

في سياق الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها تونس، تبرز إشكالية التعامل مع ملف الهجرة كأحد الملفات الشائكة التي تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، فمن ناحية، تواجه الحكومة التونسية تحديات كبيرة على صعيد الأمن الداخلي والبطالة والضغط على الخدمات العامة، ومن ناحية أخرى، تجد نفسها في موقع الوسيط بين دول المصدر والعبور من جهة، والاتحاد الأوروبي الذي يرغب في إبقاء تدفقات الهجرة بعيدة عن حدوده الجنوبية من جهة أخرى.

لكن المعضلة الأكبر تكمن في أن تحويل تونس إلى منطقة عازلة لحماية حدود أوروبا، كما تفعل السياسات الحالية، يفاقم المخاطر التي يواجهها اللاجئون وطالبو اللجوء، ويحول البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإنسانية باسم الأمن الأوروبي، في حين تبقى الحقوق الأساسية للأشخاص رهينة لتقلبات السياسات والمصالح الدولية.

العنصرية المؤسساتية في البرلمان الأوروبي

في مشهد يعكس امتداد العنصرية إلى أعلى المستويات السياسية في أوروبا، ظهر أعضاء في البرلمان الأوروبي وهم يهتفون بعبارات عنصرية تطالب بإعادة المهاجرين إلى بلدانهم، وهو ما اعتبرته منظمة العفو الدولية تجلياً للعنصرية وكراهية الأجانب المتجذرة، والتي جرى التساهل معها وتعزيزها داخل البرلمان وخارجه، في سياق عنصرية بنيوية تستند إلى تصور عنصري يعتبر أن المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء لا مكان لهم داخل الاتحاد الأوروبي.

وجاء هذا الحادث عقب التصويت على لائحة العودة، وهي تشريع من شأنه أن يوسع بشكل كبير صلاحيات احتجاز الأشخاص غير الحاملين لوثائق وترحيلهم داخل الاتحاد الأوروبي، في خطوة تعكس تحولاً خطيراً في السياسات الأوروبية تجاه الهجرة، إذ دأب قادة أوروبيون لسنوات على تحميل المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء مسؤولية الأزمات، لصرف الانتباه عن إخفاقاتهم في معالجة تداعيات تقليص الخدمات العامة، وأزمة السكن، والارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة.

بين الإدانة الرسمية والتغيير الفعلي

رغم إدانة رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا لهذه الهتافات العنصرية، فإن ذلك لا يكفي حسب ما تؤكد منظمة العفو الدولية، ففي الوقت الذي يستعد فيه الاتحاد الأوروبي لشن واحد من أشد الهجمات على حقوق المهاجرين في تاريخه الحديث، تمثل هذه المشاهد إنذاراً خطيراً بما قد ينتظرنا إذا لم يتغير هذا النهج، ويجب أن تكون هذه اللحظة نقطة تحول لمواجهة العنصرية في أوروبا، بدلاً من السماح لها بالتجذر والتمدد.

وتشير الخبيرة في شؤون الهجرة ريم المسعودي في حديثها لموقعنا إلى أن “ما نشهده اليوم في تونس وأوروبا هو نتاج لسياسات بنيت على الردع والإقصاء منذ البداية، ولم تأخذ بعين الاعتبار الحقوق الأساسية للأشخاص، فالمسألة ليست مجرد أرقام أو إحصائيات، بل تتعلق بحياة البشر وكرامتهم، وكل شخص يتم اعتراضه أو طرده هو إنسان له حقوق يجب احترامها، وليس مجرد رقم في إحصائيات الهجرة”.

دعوات عاجلة لإعادة النظر في السياسات

في ختام تقريرها، تدعو منظمة العفو الدولية السلطات التونسية إلى إعادة فتح تسجيل طلبات اللجوء وتحديد صفة اللاجئ، ووقف عمليات الطرد الجماعي غير المشروعة والإعادة القسرية، وإنهاء السياسات القائمة على العنصرية وكراهية الأجانب، وضمان حماية منظمات المجتمع المدني التي تدعم اللاجئين وطالبي اللجوء.

كما تذكّر المنظمة بأن تونس ملزمة باحترام التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك ضمان الحماية من الإعادة القسرية والوصول إلى إجراءات اللجوء، وأن الاتحاد الأوروبي يتحمل مسؤولية ضمان ألا يساهم دعمه المالي والتقني في تسهيل أو استمرار انتهاكات حقوق الإنسان، داعية تونس والاتحاد الأوروبي إلى وضع حماية الإنسان في صميم سياسات الهجرة، بدل تكريس نموذج يقوم على الردع والإقصاء، مؤكدة أن أي تعاون في مجال الهجرة لا يمكن أن ينجح إذا تجاهل حقوق الأشخاص وكرامتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى