أزمة الكوادر الطبية في ليبيا تكشف اختلالات هيكلية وتفاقم تحديات المنظومة الصحية

ليبيا 24
تسلط نتائج مراجعة مؤهلات العاملين في القطاع الصحي الليبي الضوء على أزمة ممتدة في إدارة الموارد البشرية داخل المنظومة الصحية، بعد أن كشفت عن فجوة كبيرة بين الاحتياجات الفعلية للمرافق الطبية والواقع القائم للقوى العاملة، في وقت تتواصل فيه تحديات نقص التخصصات الحيوية دون ظهور مؤشرات على معالجة هيكلية شاملة، ما ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
اختلالات في المؤهلات وتوزيع القوى العاملة
أظهرت نتائج مراجعة مؤهلات العاملين في القطاع الصحي وجود اختلالات واسعة في هيكل القوى العاملة، حيث تبين أن عدد الحاصلين على مؤهلات تخصصية لا يتجاوز 4703 موظفين من أصل أكثر من 91 ألف موظف، في حين لم تُحدد مؤهلات نحو 18 ألف موظف ضمن الهيئة الطبية والطبية المساعدة.
وتشير هذه النتائج إلى وجود تكدس في وظائف طبية يشغلها أفراد لا يمتلكون التأهيل المطلوب، إلى جانب وجود موظفين يحملون مؤهلات في تخصصات تربوية وصناعية ومجالات أخرى لا ترتبط بطبيعة العمل الصحي، وهو ما يعكس استمرار اختلالات التوظيف والتوزيع داخل المؤسسات الصحية.
وفي المقابل، يواجه القطاع نقصًا في عدد من التخصصات الحيوية، من بينها التخدير والعناية المركزة والقبالة، وهي تخصصات ترتبط مباشرة بتشغيل غرف العمليات وأقسام الرعاية الحرجة، الأمر الذي يحد من قدرة المستشفيات على تقديم خدماتها بكفاءة.
انعكاسات مباشرة على جودة الخدمات الصحية
تكشف هذه المعطيات عن تأثير واضح لاختلال توزيع وتأهيل الكوادر على جودة الرعاية الصحية داخل المؤسسات العامة، حيث ينعكس نقص الكفاءات المتخصصة على تشغيل المختبرات والأقسام الفنية، إضافة إلى الصعوبات التي تواجه استمرارية الخدمات في عدد من الأقسام التخصصية.
كما تشير البيانات إلى تراجع مستوى الثقة في بعض الخدمات التشخيصية مع وجود عناصر غير مؤهلة في بعض المواقع الفنية، إلى جانب استمرار النقص في الكوادر الطبية المساندة التي تمثل عنصرًا أساسيًا في سير العمل داخل المستشفيات الحكومية.
وتتزامن هذه المؤشرات مع استمرار شكاوى المواطنين بشأن تراجع مستوى الخدمات الصحية، خاصة في المرافق التي تعتمد على تخصصات دقيقة، مثل مراكز الكلى وأقسام العناية المركزة والرعاية الحرجة، في ظل محدودية الإمكانات البشرية المتاحة.
تعثر المعالجة واستمرار الاختلالات الإدارية
لا تقتصر الأزمة على نقص الكفاءات الطبية، وإنما تمتد إلى الجوانب الإدارية المرتبطة بإدارة الموارد البشرية وآليات التوظيف، إذ أظهرت المراجعة فجوة واضحة بين الاحتياجات الفعلية للمرافق الصحية والتوزيع الحالي للعاملين، بما أدى إلى استمرار العجز في التخصصات الدقيقة مقابل تكدس وظائف يشغلها غير المختصين.
ورغم اتساع حجم هذه الاختلالات لا تزال الأزمة قائمة دون معالجة هيكلية شاملة تعيد تنظيم القوى العاملة وفق الاحتياجات الفعلية للقطاع الصحي، وهو ما يعكس استمرار تعثر ملف إصلاح الموارد البشرية خلال فترة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على الحاجة إلى مراجعات إدارية وتنظيمية أكثر شمولًا.
وكانت وزارة الصحة قد دعت إلى إجراء مراجعات إدارية لملفات التوظيف بهدف إعادة تنظيم القوى العاملة وفق متطلبات الخدمة الصحية والتخصصات المطلوبة، إلا أن نتائج المراجعة تعكس حجم التحديات المتراكمة التي تواجه تنفيذ هذا المسار.
مؤشرات دولية تؤكد عمق الأزمة
تتوافق نتائج المراجعة مع ما تشير إليه تقارير دولية بشأن واقع القطاع الصحي الليبي، إذ تؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية أن ليبيا تضم أقل من 20 طبيبًا لكل 10 آلاف نسمة، وهو معدل يقل عن المتوسط المرجعي البالغ 30 طبيبًا لكل 10 آلاف نسمة في الدول المستقرة.
كما تشير تقارير أممية إلى أن النظام الصحي الليبي فقد أكثر من نصف قدرته التشغيلية من الكوادر الصحية نتيجة هجرة الأطباء والتراجع المؤسسي الذي شهدته المنظومة الصحية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما فاقم أزمة التخصصات الطبية وأثر على قدرة المؤسسات الصحية على الحفاظ على مستوى الخدمات.
وتبرز هذه المؤشرات أن أزمة الكوادر الطبية لم تعد تقتصر على نقص الأعداد، بل تشمل أيضًا تحديات التأهيل والتوزيع والإدارة، بما يجعل تطوير منظومة الموارد البشرية أحد أبرز متطلبات تحسين كفاءة القطاع الصحي وضمان استدامة الخدمات الطبية في مختلف المناطق الليبي



