حراك سوق الجمعة يطلق عصياناً مدنياً شاملاً لإسقاط حكومة الدبيبة ويبدأ بإغلاق “ليبيانا” و”المدار” وفروع المصرف المركزي
“لا مساس بالمواطن”.. المتظاهرون يشلّون مؤسسات الدولة ويؤكدون: معركتنا ضد فساد السلطة والتطبيع لا ضد الشارع
ليبيا 24:
في قلب طرابلس.. إعلان عصيان يستهدف شريان الدولة المالي والخدمي ويحاصر السلطة من داخلها
في تطور ينذر بانزلاق المشهد الليبي إلى منحى تصعيدي جديد خارج إطار الحوارات السياسية العقيمة، خرج بيان “حراك أبناء سوق الجمعة” عن الصمت المترقب ليعلن بداية مرحلة عصيان مدني شامل، منهياً بذلك جدلاً طويلاً حول حدود الحراك ومآلاته.
البيان، الصادر، لا يحتمل التأويل؛ إنه إعلان حرب سلمية على سلطة يصفها المحتجون بأنها “حكومة الفساد والتطبيع”، ولكن بأدوات اقتصادية وخدمية دقيقة تضع حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية في مواجهة مباشرة مع أزمة شلل مؤسسي محسوب.
اقتصاد العصيان: إغلاق شرايين المال والاتصالات
على عكس الاحتجاجات السابقة التي تركزت في الشوارع والميادين، يبدأ الفصل الجديد بإستراتيجية إغلاق طويلة النفس تستهدف قلب البنية المؤسسية الهشة للدولة من داخل نطاق سوق الجمعة.
ويُحدد البيان أهدافاً واضحة بضربة أولى موجعة: مؤسسات وشركات عامة، على رأسها شركتا “ليبيانا” و”المدار” للاتصالات، وفروع مصرف ليبيا المركزي.
إنها رسالة اقتصادية بامتياز؛ فشلّ شركتي الاتصالات الرئيسيتين يعني قطع أوصال التواصل الحيوي عن قطاعات واسعة، فيما يُعد استهداف فروع المصرف المركزي بمثابة إطباق على وريد النظام المالي الذي تتنفس من خلاله الحكومة، في محاولة واضحة لتجفيف منابع التمويل والسيطرة دون الحاجة لقطع الطرق أو عرقلة حياة المواطن العادي.
خلفية الغضب: من أزمة الكهرباء إلى معركة السيادة والتطبيع
الحراك، وفي مقطع مهم من بيانه، يرفض اختزال أهدافه في مطلب خدمي، ليؤسس لسردية مختلفة تماماً. “لم تكن قضيتنا يوماً مرتبطة بمشكلة خدمية تنتهي بانتهاء الأزمة… الكهرباء كان جزءاً من معاناة شعب أُنهك، لكنه لم يكن أصل القضية”، يقول البيان في إشارة إلى أن مطالبة شعبية سابقة لم تكن إلا السطح.
الجوهر، كما يصر المتظاهرون، هو “وطن يُراد له أن يُختطف وسيادة تُنتهك وحكومة فشلت في إدارة البلاد”. وبلهجة متشددة، يضيف البيان مقولته القاطعة “الترقيع معاش ينفع.. قُصّ الراس ييبّسو العروق”، رافضاً أية حلول جزئية أو مساومات سياسية مع طبقة حاكمة يعتبرها فاقدة للشرعية.
هذا الموقف يُعزز بالتشديد على رفض أن يكون الحراك “بوابة لمساومات سياسية”، وهو إعلان ضمني بإغلاق الباب أمام أي وساطة أو مفاوضات لا تبدأ من سقف إسقاط النهج القائم بأكمله.
“موضوعنا مؤسسات الدولة وليس المواطن”: الاشتباك المحسوب
وسط حالة الاستقطاب، يبرز بند استثنائي في بيان العصيان؛ إنه دستور الاشتباك السلمي. “شعارنا واضح: عدم المساس بالطريق العام، وعدم الإساءة إلى المواطن الكريم، وعدم الاعتداء على الممتلكات الخاصة”.
هذا الفصل الدقيق بين الدولة الفاسدة والمجتمع يُعد رسالة طمأنة داخلية، وورقة قوة أخلاقية في آن.
فالحراك يريد “شلّ الحكومة بالكامل وليس تعطيل حياة الناس”، وهو ما يُصعّب على السلطة استخدام ورقة حماية الاستقرار الأمني أو اتهام المحتجين بتهديد السلم الأهلي. “غضبنا موجّه إلى من يحكم ويفسد”، كما ينص البيان، في توصيف يضيق الخناق على حكومة توصف بأنها منتهية الولاية، وتُحمّلها وحدها مسؤولية دفع الأمور إلى هذا المنعطف.
إسقاط الجميع: رفض جذري للطبقة السياسية وللتطبيع
وإذا كانت الحكومة هي الهدف المباشر، فإن البيان يوسع سلة الإسقاط لتشمل “كل الأجسام السياسية التي فشلت في خدمة الوطن”، في إدانة شاملة تطال مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي. المفردة المستخدمة هي “يسقط”، في إشارة إلى رفض وجودي لا يقتصر على تغيير الوجوه.
ويخص البيان بالذكر “حميد وإبراهيم الدبيبة ومن معهم”، ملوحاً بالمحاسبة القانونية لكل من تحوم حوله شبهات الفساد.
وفي بُعد إقليمي، يعلن الحراك رفضه القاطع لكون “طرابلس جسراً لتمرير أي مشروع على حساب الوطن”، ويجهر بشعار “ليبيا ليست للبيع”، ليؤكد أن مناهضة التطبيع وإسقاط حكومة يصفها بـ”حكومة التطبيع والفساد” ليستا قضيتين منفصلتين، بل وجهان لمعركة وطنية واحدة.
ويُختتم البيان بالإعلان عن بدء التمدد نحو طرابلس، وبالآية الكريمة “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”، وبقسم الختام “على العهد باقون”.



