ليبيا

تحذيرات من تفاقم أزمة المياه في ليبيا مع ضعف صيانة النهر الصناعي

خبراء: التمويل والإدارة الرشيدة وتطوير البدائل تحدد مستقبل الأمن المائي

تتزايد التحذيرات من دخول ليبيا مرحلة أكثر تعقيدًا في ملف الأمن المائي، في ظل استمرار تعثر أعمال صيانة وتطوير منظومة النهر الصناعي، وارتفاع الطلب على المياه، مقابل محدودية الموارد وتراجع الاستثمارات في القطاع.

ويجمع مختصون على أن استمرار الأوضاع الحالية قد يضع البلاد أمام تحديات حقيقية تهدد استدامة إمدادات المياه خلال السنوات المقبلة، ما يستدعي التعامل مع الملف باعتباره أولوية استراتيجية تتجاوز الاعتبارات السياسية والإدارية.

ويشكل مشروع النهر الصناعي العظيم العمود الفقري لمنظومة المياه في ليبيا، إذ يعتمد عليه ملايين المواطنين كمصدر رئيسي لمياه الشرب، من خلال نقل المياه الجوفية من الأحواض العميقة في الجنوب إلى المدن الساحلية عبر شبكة تمتد لآلاف الكيلومترات، وهو ما يجعل استمرارية تشغيله وصيانته مسألة ترتبط مباشرة بالأمن المائي والاستقرار المجتمعي.

صيانة متعثرة وتمويل محدود

تشير معطيات من داخل جهاز النهر الصناعي إلى أن المنظومة لا تزال تواجه تحديات فنية ومالية متراكمة، أبرزها نقص التمويل، وتعطل مشاريع الصيانة والتوسعة، وغياب الشركات المتخصصة القادرة على استكمال عدد من المشروعات المتوقفة، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمعدات والمنشآت نتيجة الاعتداءات وأعمال التخريب خلال السنوات الماضية.

ورغم تحسن الأوضاع الأمنية مقارنة بالفترات السابقة وتوفير قوة لتأمين مسارات المنظومة، فإن الطبيعة الممتدة لشبكة خطوط الإمداد تجعلها عرضة للمخاطر، بينما يبقى نقص التمويل العقبة الأكبر أمام تنفيذ برامج الصيانة الدورية وضمان استمرار ضخ المياه.

كما يواجه الجهاز تحديات مالية وإدارية مرتبطة بتأخر تفعيل بعض التشريعات المنظمة لتمويله، الأمر الذي يحد من قدرته على توفير المعدات وإبرام التعاقدات اللازمة لاستكمال المشاريع، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تطوير المنظومة واستيعاب الطلب المتنامي على المياه.

وتبرز في هذا السياق دعوات إلى تبني رؤية وطنية تعتبر الأمن المائي قضية سيادية، بما يضمن توفير التمويل المستدام وحماية البنية التحتية للمياه بعيدًا عن تداعيات الانقسام المؤسسي.

الأمن المائي يتطلب إصلاحًا شاملًا

ويرى مختصون أن أزمة المياه في ليبيا لا ترتبط فقط بضعف الموارد، وإنما أيضًا بغياب الإدارة المتكاملة للقطاع، في ظل عدم وجود قاعدة بيانات وطنية دقيقة لحصر كميات المياه المنتجة من مختلف المصادر، وآليات واضحة لمراقبة الجودة والاستهلاك.

ويؤكد خبراء أن أي استراتيجية لمعالجة الأزمة يجب أن تقوم على إدارة علمية للموارد المائية، تشمل تطوير منظومات الرصد، وترشيد الاستهلاك، وتنويع مصادر الإمداد عبر التوسع في تحلية مياه البحر، واستثمار المياه الجوفية بصورة مستدامة، وتعزيز مشاريع حصاد مياه الأمطار، بما يقلل الاعتماد على مصدر واحد.

كما يحذر مختصون من أن استمرار التوسع العمراني العشوائي والاعتداءات على مسارات خطوط المياه، إلى جانب غياب التخطيط طويل المدى، قد يزيد من الضغوط على المنظومة، ويقوض جهود تحقيق التنمية المستدامة.

وفي هذا الإطار، يؤكد خبراء أن الحفاظ على مشروع النهر الصناعي، رغم أهميته، لم يعد كافيًا وحده لضمان الأمن المائي، بل يتطلب الأمر إصلاحًا مؤسسيًا وتمويليًا متكاملًا، وسياسات مائية طويلة الأجل توازن بين حماية الموارد الطبيعية وتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان، بما يحول دون تحول أزمة المياه إلى أحد أبرز التحديات التنموية في ليبيا خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى