ليبيا

المجلس الأعلى يُسقط عضوية “حوار 4+4”.. وليبيا تدفع ثمن تعطيل الانفراجة

مجلس الدولة يشطب صوتين من الحوار.. والشعب الليبي ينتظر خلاصاً من عرقلة السياسة

ليبيا 24
ليبيا تعود إلى مربع التعطيل.. إسقاط عضوية “حوار 4+4” يغلق أبواب الانفراجة

في مشهد سياسي يعكس مدى استمراء الأطراف الليبية لأزمة البلاد، أقدم المجلس الأعلى للدولة اليوم على خطوة وصفت بأنها “انتحار سياسي” للمسار الديمقراطي في البلاد، حين قرر إسقاط عضوية كل من علي عبدالعزيز وعبدالجليل الشاوش، على خلفية مشاركتهما في حوار لجنة 4+4 الذي ترعاه البعثة الأممية.

هذا القرار، الذي يندرج في سياق الصراع على النفوذ والبقاء في المشهد السياسي، يأتي في وقت يتشبث فيه المواطن الليبي بأمل ضئيل في إيجاد مخرج من أزماته المتراكمة.

إسقاط العضوية.. رسالة سلبية بامتياز

لم يعد خافياً على أحد أن المجالس التشريعية الحالية أصبحت عائقاً رئيسياً أمام أي تقدم سياسي. فبينما يعاني المواطن من انقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات وانقسام المؤسسات، تظل هذه المجالس تصنع الحفر في كل مسار قد يفضي إلى انفراجة.

وقد عبر عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة عن هذا التذمر، معتبراً أن إسقاط عضوية العضوين يمثل “رسالة سلبية لكل من يسعى إلى أي حل ينهي حالة الانقسام في الوطن”، متسائلاً عن الغرب من معاقبة من يشاركون في حوارات برعاية أجنبية بينما يُترك من يشاركون برعاية أجنبية أخرى دون مساءلة.

وأضاف بن شرادة في تدوينة له: “الغريب أن العضوين سبق أن تم اختيارهما من قبل أحد أطراف الصراع في ليبيا، والغريب هو نفس المجلس اختير بعض أعضائه شاركوا في حوارات سابقة ولكن كانوا باختيار من جهات أجنبية، سواء من البعثة الأممية أو من بعض الدول، ولم تُتخذ بحقهم مثل هذه الإجراءات. فهل أصبحنا نحترم خيار الأجنبي ولا نحترم خيار الليبي؟.

هذا التساؤل يلخص أزمة الشرعية التي تعيشها المؤسسات الليبية، حيث يبدو أن معايير القبول والرفض تتغير وفقاً لمزاجية الأطراف المتحكمة في القرار.

فالمجلس الذي يرفض اليوم مشاركة عضوين في حوار أممي، كان بالأمس القريب يبارك مشاركة آخرين في حوارات مماثلة، مما يؤكد أن الاعتراض ليس على المبدأ بقدر ما هو على النتائج التي قد تهدد كرسي النفوذ.

الدول الإقليمية تبحث عن مخرج.. والمجلس يضع العصي في الدواليب

في تطور موازٍ، تستعد تركيا لاستضافة رئيسي مجلسي النواب والدولة الخميس المقبل، في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة بين الغريمين التشريعيين، أملاً في إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل انقضاء المدة الممنوحة لهما من قبل بعثة الأمم المتحدة.

لكن إقدام المجلس الأعلى على إسقاط عضوية من شاركوا في الحوار المصغر، يضع العصي في دواليب أي جهد إقليمي أو دولي، ويرسل رسالة واضحة مفادها أن البعض لا يريدون حلاً حقيقياً للأزمة.

ويذهب عضو المجلس الاستشاري سعيد محمد ونيس إلى أبعد من ذلك، حيث أكد أن المجلس رفض في جلسته اليوم مخرجات لجنة “4+4″، وصوّت على إلغاء عضوية المشاركين فيها.

هذا الرفض المطلق لمخرجات تمثل توافقاً ليبياً-ليبياً، يعكس حجم الفجوة بين خطاب المجلس الرسمي الداعي للتوافق، وأفعاله التي تدمر كل جهد في هذا الاتجاه.

الناشطون يرفعون الصوت: وجود هؤلاء شرقاً وغرباً هو استمرار للفناء

لم تقتصر الانتقادات على الأعضاء والناشطين السياسيين، بل امتدت إلى الشارع الليبي الذي بات يئن تحت وطأة الأزمات. فقد عبر الناشط السياسي محمد علي المبروك عن غضبه الشديد، معتبراً أن إسقاط عضوية العضوين “يعني لا يريدون حل لليبيا ولشعبها”، وأن وجود هؤلاء شرقاً وغرباً “هو استمرار للأوضاع الحرجة إلى حد الفناء.

ودعا المبروك الشعب الليبي إلى “أن يتدارك أمره لأجل حاضر طيب ومستقبل آمن لأجياله، والا هو مقبل على سنوات حسوم عجفاء بوجود هؤلاء.

هذه الدعوة التي تخرج من قلب المعاناة اليومية، تعكس حالة اليأس التي بدأت تساور المواطن الليبي من قدرة المؤسسات الحالية على إحداث أي تغيير إيجابي. فبينما تنشغل المجالس بمعاقبة من يبحثون عن حلول، يظل المواطن يدفع الثمن غالياً في كل مناحي حياته.

البعثة الأممية تسعى لتوسيع الحوار.. والمجلس يضيق الخناق

في المقابل، تكشف مصادر ليبية مطلعة أن البعثة الأممية تجري اتصالات مكثفة مع رئاستي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، بهدف توسيع طاولة الحوار المصغرة (4+4) وإضافة أسماء جديدة من المجلسين إليها.

ويأتي هذا التحرك الأممي في محاولة لتأمين موافقة المجلسين على الاتفاق الذي تم التوقيع عليه في 30 أغسطس الماضي، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة التالية من خريطة الطريق الخاصة بتوحيد المؤسسات التنفيذية والعسكرية والمالية، وصولاً إلى إجراء الانتخابات.

لكن قرار المجلس الأعلى بإسقاط عضوية من شاركوا في هذا الحوار، يمثل ضربة قوية لهذه المساعي، ويؤكد أن هناك من يعملون بكل قوة لإفشال أي محاولة لتوحيد المؤسسات أو إجراء انتخابات.

وقد نص الاتفاق على ضرورة اعتماده من المجلسين خلال شهر من تاريخ توقيعه، وفي حال عدم اعتماده، ينص الاتفاق على السعي إلى اعتماده على المستوى الوطني كوثيقة دستورية من خلال آليات وطنية واسعة.

لكن يبدو أن المجلس الأعلى للدولة مصمم على تعطيل هذا المسار، حتى لو كان الثمن استمرار الانقسام وتدهور الأوضاع.

القاهرة تتحفظ.. والمجلس يواصل تعطيل التوافق

في تطور لافت، كشفت تقارير عربية عن تحفظ القاهرة على اتفاق 4+4 في ليبيا، وربط دعمها بمراعاة شواغلها.

هذا الموقف الإقليمي، إلى جانب التعنت الداخلي من قبل المجلس الأعلى للدولة، يضع الاتفاق في مهب الريح، ويعيد البلاد إلى مربع الصفر. فالمجلس الذي يرفض اليوم مخرجات حوار وطني، ويتذرع بعدم التوافق، هو نفسه الذي كان يطالب بتوسيع المشاركة، واليوم عندما تُتاح الفرصة للمشاركة، يتم معاقبة المشاركين.

خلاصة الموقف: من يريد الانتخابات حقاً؟

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم: من يريد الانتخابات حقاً في ليبيا؟ فبينما يكرر الجميع في بياناتهم أنهم مع التوافق ومع الانتخابات ومع إنهاء المراحل الانتقالية، تثبت الأحداث أن الكثيرين يعملون على تعطيل كل محاولة جادة تقود إلى ذلك.

فالمجلس الأعلى للدولة، بإسقاطه عضوية من شاركوا في حوار 4+4، يكون قد وضع حجراً آخر في طريق الحل، وأكد للجميع أنه لا يريد سوى استمرار المرحلة الانتقالية والبقاء في مواقعه.

ويبقى المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر في كل هذه الصراعات، فهو الذي ينتظر منذ سنوات طويلة تحسناً في وضعه المعيشي، واستقراراً في بلاده، ومستقبلاً آمناً لأبنائه. لكن يبدو أن هذه الأمنيات ستبقى بعيدة المنال، طالما أن من بيدهم القرار يفضلون مصالحهم الشخصية على مصلحة الوطن والمواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى