ليبيا

سجال اقتصادي حاد في ليبيا: الأكاديميا في مواجهة عالم المال حول “الإصلاح المقلوب” ووهم السوق الحر

خبراء يدافعون عن تثبيت سعر الصرف كدرع اجتماعي ورجال أعمال يردون: السعر الإداري أثبت فشله لعقود والعلاج في الانضباط المالي


ليبيا 24

في نقاش غير مسبوق يعكس عمق المأزق الاقتصادي الليبي وتشعب مسارات الخروج منه، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى منصة لسجال مفتوح بين أبرز العقول الاقتصادية في البلاد، جمعت أكاديميين وخبراء في السياسة النقدية برجال أعمال ومصرفيين سابقين.

النقاش، الذي انطلق من تحذير أطلقه عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، الدكتور أيوب الفارسي، حول ما أسماه “الإصلاح المقلوب” وفوضى الخطاب الاقتصادي، سرعان ما تطور إلى مواجهة فكرية شاملة حول جوهر المرض الاقتصادي الليبي ووصفة العلاج: هل تبدأ بهيكل الدولة المنتج أم بإصلاحات مالية ونقدية فورية ومتوازية؟

“الإصلاح المقلوب”.. تفكيك بنية الدولة الريعية من منظور أكاديمي

بدأت الشرارة من منشور مطول للدكتور أيوب الفارسي، الأستاذ بقسم الاقتصاد في جامعة بنغازي، رسم فيه صورة قاتمة للدولة الليبية بوصفها دولة ريعية فقدت فيها الأدوات الاقتصادية الكلاسيكية فاعليتها.

وأكد الفارسي أن السياسات التجارية تحولت إلى مجرد “منظومة لتسهيل الاستيراد السلعي الاستهلاكي”، بينما تلتهم المرتبات والنفقات التسييرية معظم الميزانية، مما حول الوظيفة العامة إلى أداة لتوزيع الريع وليس للإنتاج، وخلق ما وصفه بـ “بطالة مقنعة ضخمة”.

ولم يسلم القطاع الخاص من هذا التشريح؛ فرأى الفارسي أن جزءاً كبيراً من التجار تحولوا إلى “وسطاء اعتمادات مستندية” يقتاتون على فروقات أسعار العملة، في اقتصاد لا يخلق وظائف مستدامة ولا يدعم سلاسل القيمة.

وفي صلب أطروحته، قدم خارطة طريق للإصلاح الهيكلي المتدرج والمنهجي، مؤكداً أن الانتقال من النظام الفاشل إلى نظام مستدام “لا يحدث بقرارات فجائية أو صدمات اقتصادية غير مدروسة”.

وتقوم خطته على ثلاث مراحل: الأولى للتنويع الاقتصادي عبر قطاعات إنتاجية بديلة كالصناعات التحويلية والزراعة الذكية، والثانية لإعادة توجيه الائتمان المصرفي لدعم من يقدمون قيمة مضافة، والثالثة لتطويع السياسات النقدية والمالية بشكل آمن بعد إرساء قواعد الاقتصاد التنافسي المتنوع.

واختتم تحذيره بالقول: “إن تغيير النموذج الليبي لا يكمن في العبث في الصف رقم 3 من الرسم، بل في شجاعة الجراحة الهيكلية المدفوعة بإرادة حقيقية للتغيير من أعلى لأسفل”.

وهم “السوق الحر”.. هل تحرير العملة إفقار ممنهج؟

شكّل ملف سعر الصرف أحد أكثر النقاط سخونة في السجال. فقد شن الفارسي هجوماً حاداً على الداعين إلى تحرير سعر الصرف أو تركه لآليات السوق، واصفاً إياه بـ “وهم السوق الحر” في دولة تحتكر فيها الحكومة 95% من عرض النقد الأجنبي.

وحذر من أن أي “تعويم” في ظل غياب مرونة العرض والطلب لن يخلق توازناً بل “دوامة انخفاض مستمرة” تلتهم القوة الشرائية للمواطنين، بينما يتكيف التجار والمضاربون بسرعة.

وأكد أن “سعر الصرف الثابت والمستقر هو الأداة الأساسية لتوزيع الثروة النفطية على الشعب بشكل غير مباشر”، وأن تثبيته هو من يجبر صانع القرار المالي على الانضباط.

هذا الطرح وجد دعماً فورياً من الدكتور امراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، الذي قال في رد مقتضب: “فعلا وكلام منطقي، لا يمكن في دولة ريعية تحرير سعر الصرف. في دولة مؤسساتها غير قادرة على ضبط أمورها المالية، أعتقد أن ذلك أقصر طريق لكارثة اقتصادية”.

غير أن رجل الأعمال حسني بي ومحمد أبوسنينة، قدما وجهة نظر مغايرة تماماً، متفقين على الهدف النهائي وهو حماية القوة الشرائية، ومختلفين بشكل جوهري في الوسيلة.

فقد أكد أبوسنينة أنه لا يدعو إلى “تعويم حر” بل إلى “سوق نقد أجنبي موحدة وشفافة، يعمل فيها المصرف المركزي كصانع للسوق، ويتدخل للحفاظ على الاستقرار ومنع التقلبات المفرطة، مع بقاء السعر قريباً من سعر التوازن الحقيقي”.

ورأى أن التاريخ الليبي يثبت فشل السعر الإداري الذي قفز من 0.33 دينار للدولار عام 1982 إلى 6.40 دينار اليوم، مع استمرار سوق موازية لأكثر من أربعين عاماً. وخلص إلى أن “المشكلة لم تكن في إعلان السعر، بل في القدرة على الدفاع عنه”.

وبدوره، قدم حسني بي تحليلاً مفصلاً لأسباب فشل السعر الإداري، محملاً إياه مسؤولية خلق “ريع اقتصادي” لمن يستطيعون الحصول على الدولار الرسمي، بينما يتحمل المجتمع التكلفة.

وقال إن المشكلة الحقيقية تكمن في “الإنفاق العام بالعجز الذي يولّد دينارات بوتيرة تتجاوز نمو الإيرادات الدولارية”. ودعا إلى سوق موحدة وشفافة يتم فيها التركيز على الرقابة على الامتثال ومكافحة غسل الأموال، بدلاً من التوزيع الإداري للنقد الأجنبي.

الإصلاح المتوازي مقابل التتابع الهرمي: معركة الأولويات

في نقطة خلافية محورية، رفض حسني بي ربط كل إصلاح بإنجاز إصلاح آخر، معتبراً أن هذا النهج أدى عملياً إلى عدم إصلاح أي شيء طوال خمسين عاماً.

ودعا إلى ما وصفه بـ “1000 مسار متوازي”، قائلاً: “لا يمكن انتظار اقتصاد منتج قبل إصلاح التشوهات الكبرى التي تمنع ولادته أصلاً.

إصلاح الدعم والمالية العامة وسعر الصرف والقطاع المصرفي ليست بديلاً عن الإصلاح الهيكلي، بل شرطاً لتمويله وتحقيقه”. وشدد على ضرورة الاعتراف بفشل النموذج الليبي، مشيراً إلى نجاح نماذج خليجية وعربية أخرى.

هذا الطرح حظي بتأييد عضو لجنة الحوار المهيكل، هالة بوقعقيص، التي دعت إلى “مسارات تسير بشكل متوازي”، مستشهدة بالتقدم المحرز في وسائل الدفع الإلكتروني رغم التحديات.

وأكدت بوقعقيص أنها “تتفق تماما مع استهجان احتكار المعرفة”، مشددة على أن السياسات الناجعة تُبنى بتنوع وجهات النظر والخبرات.
وكان حسني بي قد افتتح رده بالتأكيد على أن “العلم ليس حكراً على الأكاديميين، فكثير من أعظم الإصلاحات الاقتصادية شارك في صياغتها رجال أعمال ومستثمرون إلى جانب الأكاديميين”.

خطة “المركزي” 2026.. بين طموح المعالجة الجذرية وحدود الأداة

خصص الدكتور الفارسي جزءاً من طرحه لعرض تفاصيل خطة مصرف ليبيا المركزي للعام 2026، والتي تتضمن التعاقد على طباعة 90 مليار دينار، وضخ 5 مليارات شهرياً في المصارف بدءاً من أغسطس، مع إصدار فئتي 50 و10 دنانير من البوليمر.

وأبرز الفارسي تحقيق طفرة في الدفع الإلكتروني يتوقع أن تتجاوز 800 مليار دينار بنهاية العام، إضافة إلى تلاشي الفجوة بين سعر صرف الدولار نقداً وعبر الصكوك إلى 100 درهم فقط.

واعتبر أن هذه الخطة “تعكس رؤية متكاملة لا تكتفي بعلاج العَرَض، بل تعالج أصل المرض عبر التطوير الرقمي وإنهاء تشوهات الأسعار وسن تشريعات تمنع الاكتناز”.

لكن ردود الفعل على هذه الخطة جاءت أكثر حذراً. فقد أقر حسني بي بأهمية الأدوات المعلنة، لكنه شدد على أنها “لن تحقق استقراراً دائماً للدينار ما لم تتكامل مع إصلاحات أوسع”.

وأوضح أن ضخ السيولة قد يعالج أزمة طوابير المصارف، لكنه لا يعالج اختلال التوازن بين كمية الدنانير المتداولة وحجم الإيرادات الدولارية إذا استمر الإنفاق العام الممول بالتوسع النقدي.

أما الدكتور حلمي القماطي، أستاذ الاقتصاد، فقدّم نقداً تفصيلياً للخطة بأسلوب السؤال والجواب. وتوقف عند إعادة إصدار فئة الخمسين ديناراً، معتبراً أنها تمثل تناقضاً مع المبررات السابقة لسحبها والمتعلقة بالحد من الاكتناز وتشجيع الدفع الإلكتروني، مما يعني ضمناً “أن الاقتصاد الليبي ما زال يعتمد بصورة كبيرة على النقد الورقي، والمشكلة ليست في نوع الورقة ولكن في الثقة في الجهاز المصرفي”.

وحذر القماطي من أن ضخ 90 مليار دينار مع استمرار العجز والإنفاق المرتفع “سيحول الزيادة في السيولة إلى زيادة في الطلب على الدولار”، مما يغذي التضخم وارتفاع السعر الموازي. وختم بأن الأزمة الليبية باتت “أزمة اقتصاد كلي متعددة الأبعاد” لا يستطيع أي مصرف مركزي حلها بمفرده دون إصلاحات مالية ومؤسسية موازية.

أرباح المصارف بأكثر من 170%.. وجه آخر للخلل

في منشور منفصل، سلط الدكتور القماطي الضوء على قضية أرباح المصارف التجارية التي ارتفعت بنسبة 172%، معتبراً أنها لا تمثل دليلاً على النجاح بقدر ما تعكس خللاً هيكلياً.

وأشار إلى أن هذه الأرباح تحققت من الرسوم والعمولات في وقت توقفت فيه أسعار الفائدة وتراجع الإقراض وبلغت الديون المتعثرة 21.6%. وأكد أن 78% من أصول المصارف هي “أصول سائلة راكدة”، متسائلاً: “لا يُقاس نجاح المصارف بحجم أرباحها، وإنما بحجم ما تموله من مصانع ومزارع وفرص عمل.

أما أن يدفع المواطن الرسوم ويُحرم المستثمر من التمويل، فهذه ليست قصة نجاح بل مؤشر على اختلال هيكل القطاع المصرفي”.

نقاط الالتقاء والافتراق: رسم خريطة المستقبل

في خضم هذه السجالات، بدت نقاط اتفاق جوهرية تخترق جبهات الاختلاف. فقد أجمع الجميع، من الفارسي إلى حسني بي وأبوسنينة والقماطي، على أن المرض الحقيقي هو النموذج الريعي الفاشل، وأن الإنفاق العام المنفلت، وغياب الإنتاج المحلي، والانقسام السياسي، هي العوائق الأساسية أمام أي استقرار. كما اتفقوا على أن حماية القوة الشرائية للمواطن هي الهدف النهائي المقدس.

لكن الخلاف انحصر بشكل حاد في “كيفية” تحقيق ذلك. هل يكون عبر تثبيت صارم لسعر الصرف كمرساة للانضباط، كما يرى الفارسي ومن يؤيده؟ أم عبر سوق صرف موحدة تعكس سعر التوازن وتلغى فيها الامتيازات، كما يطالب حسني بي وأبوسنينة؟
وهل تكون الأولوية لجراحة هيكلية عميقة ومتدرجة تبدأ بالتنويع الاقتصادي، أم لإصلاحات مالية ونقدية مؤلمة ولكنها فورية ومتوازية تفتح الطريق لذلك التنويع؟

وسط هذا الجدل، يبدو أن النخبة الاقتصادية الليبية، بأطيافها كافة، تتفق على أن الاستمرار في إدارة الأزمة بنفس الأدوات التي أنتجتها لم يعد خياراً.

ويبقى الرهان معلقاً على قدرة صانع القرار على استيعاب هذا الزخم الفكري وتحويله إلى رؤية تنفيذية تجمع بين الجرأة والواقعية، قبل أن يبتلع الوقت ما تبقى من فرص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى