ليبيا

ليبيا تقتحم المشهد العربي: ليلى الأوجلي أول امرأة من ذوي الإعاقة تتبوأ منصب نائب رئيس مجلس الأمناء العرب

تكليف عربي رفيع لابنة ليبيا.. الأوجلي: المسؤولية وطنية والتشريف يكمن في الخدمة

ليبيا 24

في خطوة تنطوي على أبعاد حقوقية واجتماعية ورمزية بالغة العمق، أعاد قرار عربي صادر عن الاتحاد العربي للتضامن الاجتماعي تشكيل خريطة تمثيل ليبيا في مؤسسات العمل العربي المشترك، بعد أن اختيرت الدكتورة ليلى علي الأوجلي نائباً ثانياً لرئيس مجلس أمناء المجلس العربي لذوي الإعاقة، لتكون بذلك أول امرأة ليبية من ذوات الإعاقة تتسلم هذا المنصب في تاريخ المنظمة المنبثقة عن مجلس الوحدة الاقتصادية العربية التابع لجامعة الدول العربية.

القرار رقم (2) لسنة 2026 لم يكن حدثاً عابراً في مسار الترقيات الوظيفية، بل تتويجاً لمسار ممتد من الكفاح المؤسسي والحقوقي، ومؤشراً على تحول في نظرة المؤسسات الإقليمية إلى قضايا الإعاقة من مقاربة الإحسان إلى مقاربة التمكين وصنع القرار.

قرار استراتيجي يتجاوز الشخصنة

حمل القرار الصادر عن المدير التنفيذي للاتحاد العربي للتضامن الاجتماعي دلالات متعددة المستويات. فعلى المستوى الوطني، يكرس المكانة التي بلغتها الكفاءات الليبية في المحافل العربية، ويقدم نموذجاً ملموساً لامرأة ليبية تتجاوز التحديات المزدوجة للمرأة وللإعاقة لتجلس على مقعد سيادي في أمانة مجلس يضطلع بتنسيق السياسات والبرامج الخاصة بملايين الأشخاص ذوي الإعاقة في الوطن العربي.

وعلى المستوى الإقليمي، جسّد التعيين إعادة اعتبار لمبدأ الإشراك الحقيقي وإحلال أصحاب القضية في مواقع رسم السياسات، وهو ما ظلت تنادي به المواثيق الحقوقية الدولية والاتفاقية العربية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

ويُقرأ في تفاصيل المنصب الجديد أكثر من مجرد لقب بروتوكولي؛ فالنائب الثاني لرئيس مجلس الأمناء يشارك في رسم الاستراتيجيات العليا للمجلس، ويشرف على صياغة المبادرات العربية المشتركة، ويملك صلاحية التأثير المباشر في توجيه التعاون مع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، مما يجعل وجود الدكتورة الأوجلي في هذا الموقع خطوة عملية لترجمة الشعارات إلى سياسات تُحكمها معايير العدالة وتكافؤ الفرص.

ما بين التشريف والتكليف: الأوجلي تتحدث

لم تستغرق الدكتورة ليلى الأوجلي مديرة إدارة العجزة والمسنين وذوي الإعاقة بوزارة الشؤون الاجتماعية كثيراً قبل أن تضع إطاراً دقيقاً لتلقيها الخبر.

في تصريح خاص لـ ليبيا 24، شددت على أن التكليف «يمثل مسؤولية وطنية وعربية كبيرة قبل أن يكون تشريفاً»، في إشارة ذكية تنقل البوصلة من ذات الشخص إلى جوهر المهمة الملقاة على عاتقها. وأردفت بعبارة اختزلت فلسفة كاملة: «وما نُعَرَّض للمسؤولية إلا لأننا لها أهل».

المرأة التي صنعت اسمها من قلب مؤسسات الرعاية الليبية لم تخفِ إدراكها لحجم التحدي، مؤكدة أن المرحلة المقبلة ستشهد مواصلة العمل لخدمة قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز حقوقهم، ودعم المبادرات الهادفة إلى تمكينهم وإبراز قدراتهم على المستوى العربي.

وأوضحت الأوجلي أن هذا التمثيل «يشكل فرصة لتعزيز التعاون مع المؤسسات العربية المختصة، وتبادل الخبرات والتجارب، والعمل على تطوير المبادرات والسياسات التي تسهم في تحسين الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة، بما يحقق مزيداً من التكامل في الجهود العربية».

ولم تغفل النائب الثاني الجديد تأطير دور المجلس الذي تنضم إلى هيئة قيادته، فقالت إن «المجلس العربي لذوي الإعاقة يؤدي دوراً مهماً في تنسيق الجهود العربية وتوحيد الرؤى بشأن القضايا المرتبطة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والعمل على دعم اندماجهم في مختلف مجالات الحياة، من خلال برامج وسياسات تعزز مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص».

وأشارت إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد العمل مع أعضاء مجلس الأمناء على دعم البرامج والمبادرات التي تعزز المشاركة الفاعلة للأشخاص ذوي الإعاقة، وتوسيع مجالات التعاون والتنسيق بين المؤسسات العربية، بما يسهم في بناء بيئة أكثر شمولاً وتمكيناً.

برقية احتفاء من قلب المجتمع الرياضي

لم ينحصر التفاعل مع الخبر في أروقة الدواوين الرسمية. فمن مدينة سرت، انطلقت رسالة مُعبّأة بالمشاعر، وموقعة بأسماء ممثلين عن قطاع عريق من قطاعات ذوي الإعاقة.

وجاء في نص التهنئة الصادر عن رئيس وأعضاء الاتحاد الفرعي لرياضة ذوي الإعاقة، إلى جانب الإعلاميين والرياضيين من ذوي الإعاقة: «باسم رئيس الاتحاد الفرعي لرياضة ذوي الإعاقة وأعضاء الاتحاد، والإعلاميين، والرياضيين من ذوي الإعاقة، نتقدم بأصدق التهاني وأجمل التبريكات إلى الدكتورة ليلى الأوجلي بمناسبة توليها منصباً قيادياً في المجلس العربي.

إن هذا الاختيار يُعد مصدر فخر واعتزاز لنا جميعاً، ويؤكد أن الأشخاص ذوي الإعاقة قادرون على الوصول إلى مواقع القيادة والمساهمة الفاعلة في بناء مستقبل أفضل».

وعكست كلمات الاتحاد الفرعي مزيجاً من الفخر المجتمعي والإيمان بقدرة النماذج الملهمة على تغيير الصور النمطية. ودعا المهنئون الله أن يوفق الدكتورة، وأن تكون هذه الخطوة إضافة مهمة لمسيرة دعم وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة في ليبيا والوطن العربي، مختتمين بعبارة «ألف مبروك دكتورة ليلى، ومنها إلى أعلى المراتب بإذن الله».

هنا لا يُقرأ الخطاب بوصفه مجرد مجاملة؛ إنه شهادة اعتماد من القاعدة الرياضية التي تختبر يومياً معنى تجاوز الحواجز، وتدرك قيمة الوصول إلى مراكز القرار التي ظلت بعيدة زمناً طويلاً.

الوزير غيث: تتويج لدعم متواصل

على خط موازٍ، سارعت أعلى سلطة قطاعية في البلاد إلى تثمين الحدث. تقدم وزير الشؤون الاجتماعية بالحكومة الليبية المبروك محمد غيث بأحر التهاني إلى الدكتورة ليلى الأوجلي، بمناسبة اختيارها نائباً ثانياً لرئيس مجلس أمناء المجلس العربي لذوي الإعاقة.

وأرجع الوزير هذا الاستحقاق إلى عاملين متلازمين: الدعم المستمر الذي تقدمه الوزارة لإدارة العجزة والمسنين وذوي الإعاقة، والعناية الخاصة التي توليها القيادة لهذه الفئة؛ والجهود النوعية التي بذلتها وتبذلها الدكتورة الأوجلي في خدمة هذه الشريحة.

ولم يكتفِ الوزير غيث بالإشادة البروتوكولية، بل غاص في دلالات القرار، معتبراً أنه «نتيجة للجهود التي بذلتها وتبذلها الدكتورة ليلى الأوجلي في خدمة هذه الشريحة والتي توجت بصدور القرار رقم (2) لسنة 2026م الصادر عن المدير التنفيذي للاتحاد العربي للتضامن الاجتماعي».

وذكّر بأن الأوجلي تعد أول امرأة ليبية من فئة ذوي الإعاقة تتولى هذا المنصب على مستوى الوطن العربي، ما يُحمّل الوزارة والحكومة الليبية معاً مسؤولية البناء على هذا الزخم.

وختم مهنئاً الوزارة والحكومة بهذا الاستحقاق المتميز، مع التمنيات للدكتورة بالتوفيق والسداد والنجاح في أداء هذه المهمة النبيلة والاضطلاع بالمسؤولية الوطنية الجسيمة بكل حكمة واقتدار، لما فيه خير الوطن وتحقيق المصلحة العليا لهذه الفئة.

أجندة ساخنة بانتظار النائب الجديد

لا تُخفي الأوساط الحقوقية أن توقيت التعيين يضع الدكتورة الأوجلي أمام جدول أعمال عربي مزدحم. فملفات كالوصول إلى التعليم الدامج، وتطبيق كود التصميم الشامل، وتنظيم سوق العمل لاستيعاب الكفاءات من ذوي الإعاقة، وتفعيل آليات الرقابة على الاتفاقيات العربية، لم تعد تحتمل التأجيل.

ويعلق كثيرون آمالاً على قدرة الليبين على ضخ روح جديدة في أمانة المجلس، خصوصاً أن التجربة الليبية في إدارة أوضاع النازحين والمصابين والجرحى خلال سنوات الأزمة منحت الكوادر المحلية خبرة ميدانية نادرة في التعامل مع الإعاقة في سياقات الطوارئ والتنمية معاً.

هذا المناخ هو ما يجعل من كلمات الأوجلي عن «تبادل الخبرات والتجارب» و«تحسين الخدمات» و«بناء بيئة أكثر شمولاً» أكثر من مجرد وعود انتخابية داخل أروقة المنظمات؛ إنها إعلان نوايا عن استثمار ما تراكم من معارف محلية في صياغة حلول عربية.

وبقدر ما تحتفظ الطريق بتعقيداتها البيروقراطية والسياسية، يظل يوم صدور القرار (2) لسنة 2026 علامةً على أن الجغرافيا السياسية لتمكين ذوي الإعاقة بدأت تتسع لتشمل وجوهاً ليبية مؤمنة بأن المسؤولية تُعطى لأهلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى