
إدريس احميد – ليبيا 24
استقال محافظ المصرف المركزي، أو قدّم استقالته، وسواء قُبلت أو لم تُقبل، فهذا ليس هو الموضوع.فهناك أزمات أخرى بنيوية أعمق، تشكل في مجموعها منظومة متكاملة من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية والإدارية، ولا يمكن التعاطي مع أزمة المصرف المركزي بمعزل عنها.
المطلوب اليوم ليس الوقوف عند تغيير الأشخاص، وإنما فهم هذه المنظومة وتشخيص أسبابها وتداعياتها، والبحث عن معالجة شاملة تعيد للدولة استقرارها وقدرتها على إدارة مؤسساتها ومواردها.
الأزمة الليبية ليست وليدة اليوم، وإنما هي نتاج تراكمات طويلة، بدأت مع الانقسام السياسي وتداعياته، والفساد، وسوء التخطيط والإدارة، وغياب الشفافية والمحاسبة، وتعطل الإنتاج والتنمية.ومنذ البداية، سيطرت المحاصصة والتجاذبات السياسية، وتراجع الأمن، وغابت الرؤية الوطنية القادرة على قيادة مرحلة انتقالية تضع أسس الدولة ومؤسساتها.
ولم تُمنح البلاد فرصة حقيقية للاستقرار وتهيئة الظروف لمعالجة تراكمات الماضي ومواكبة تداعياتها.وكانت انتخابات 7 يوليو 2012 فرصة لبداية مختلفة، لكن الخلافات والصراعات التي شهدها المؤتمر الوطني العام وما تبعها من انقسامات، أسهمت في إضعاف المسار السياسي وإهدار فرصة كان يمكن البناء عليها لتأسيس مرحلة جديدة.
ولم تكن ليبيا تفتقر إلى الكفاءات والخبرات الوطنية، لكنها لم تمنح المساحة الكافية لأصحاب الخبرة، بينما تصدرت المشهد شخصيات وحسابات سياسية ومناطقية وشخصية، ساهمت في تعقيد الأزمة وإضعاف مؤسسات الدولة.
وتزامن ذلك مع نهب أموال وأصول واستثمارات، وتعطيل الإدارة والتخطيط، وغياب المحاسبة، في وقت كانت فيه الدولة خارجة من حرب وانقسام وفوضى أمنية، وتحتاج إلى أعلى درجات المسؤولية والوطنية.
كما أن إدارة الأزمة من خلال المبادرات الدولية المتعاقبة لم تنجح في الوصول إلى معالجة جذرية، وتحولت في مراحل كثيرة إلى حلول مؤقتة وإدارة للأزمة أكثر من كونها إنهاءً لها، بينما استمرت المؤسسات السيادية في الانقسام.وما حدث للمصرف المركزي ليس حالة منفصلة؛ فهو جزء من واقع مؤسساتي أوسع.
ولذلك فإن تغيير المحافظ، أو الاستعانة بخبرات دولية، لن يكون كافيًا إذا بقيت البيئة السياسية والإدارية والاقتصادية على حالها.
الاقتصاد… أزمة أخرى داخل الأزمة
يعتمد الاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على النفط، بينما ما زالت قطاعات الإنتاج والتنمية ضعيفة، والقطاع الخاص لم يأخذ دوره الحقيقي، والبطالة أصبحت متجذرة داخل الملاك الوظيفي، وأصبح الاقتصاد شديد التأثر بتقلبات أسعار النفط والسوق العالمية.
وفي ظل هذا الواقع، فإن المطلوب هو الانتقال تدريجيًا من اقتصاد يعتمد على مورد واحد إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، يفتح المجال أمام الاستثمار والقطاع الخاص والإنتاج، ويضع الموارد في خدمة التنمية بدل استنزافها في إدارة الأزمات.
ماذا نملك من الممكن؟
رغم قتامة المشهد، فإن ليبيا ليست بلا معطيات يمكن البناء عليها.ليس أمامنا اليوم إلا تأييد أي مبادرة جادة تنطلق من أفضل الممكن والمتاح، وتدفع باتجاه الاستقرار وتوحيد مؤسسات الدولة والحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها.
ومن أهم المعطيات التي ينبغي البناء عليها وجود مؤسسة عسكرية جاهزة ومنفتحة على المبادرات الرامية إلى توحيد بقية المؤسسة العسكرية والأمنية. وهذا يمثل معطى مهمًا، بل يمكن اعتباره من أبرز الإنجازات التي تحققت خلال سنوات الأزمة، في ظل تعثر المسارين السياسي والاقتصادي.
والاستفادة من هذا المعطى لا تعني إقصاء المسار السياسي، وإنما تعني البحث عن كل العناصر التي يمكن أن تساعد في استعادة الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة على أسس واضحة.
والتدخلات الخارجية؟
لا يمكن تجاهل أن ليبيا أصبحت خلال سنوات الأزمة ساحة لتداخل مصالح إقليمية ودولية. ولذلك فإن التعامل مع التدخلات الخارجية لا يكون بالشعارات، وإنما يحتاج إلى دور ليبي وطني واعٍ وموحد، يحدد المصلحة الوطنية، ويتعامل مع الأطراف الدولية والإقليمية وفق هذه المصلحة، بدل أن تبقى البلاد ساحة مفتوحة لتعدد الأجندات.إن المشكلة الحقيقية ليست في غياب الإمكانات، ولا في غياب الكفاءات الوطنية، وإنما في غياب البيئة التي تسمح لهذه الكفاءات بالعمل، وغياب مشروع وطني جامع قادر على توظيف موارد البلاد وإمكاناتها.
ولهذا فإن أزمة المصرف المركزي ليست سوى واحدة من أعراض منظومة أزمات أكبر.نحن بحاجة إلى تشخيص حقيقي: كيف بدأت هذه الأزمات؟ وكيف تراكمت؟ ومن المستفيد من استمرارها؟ وما الطريق الواقعي للخروج منها؟ليبيا لا تحتاج إلى إدارة جديدة للأزمة بقدر حاجتها إلى إرادة حقيقية لإنهائها، والبناء على أفضل ما هو متاح، وتوحيد مؤسسات الدولة، والاستفادة من الكفاءات والخبرات الوطنية، وفتح الطريق أمام مشروع سياسي واقتصادي وأمني يعيد للدولة قدرتها على العمل.
وفي النهاية، فإن بناء الدولة لا يبدأ بتغيير شخص هنا أو مسؤول هناك، وإنما يبدأ عندما تصبح المصلحة الوطنية فوق الحسابات الشخصية والمناطقية، وعندما تتحول مؤسسات الدولة من ساحات للصراع إلى أدوات لخدمة المواطن والوطن.



