غير مصنف

ليبيا على فوهة بركان: الزاوية تحترق وثروات الوطن تتبخر وسط عجز رسمي وتواطؤ مشبوه

ليبيا 24

الزاوية تحت نيران المسيّرات الانتحارية.. تدمير خزانات الوقود وإخراج محطة الكهرباء والمنشآت الحيوية تستغيث وسط صمت حكومي

لا يبدو المشهد في ليبيا مجرد أزمة عابرة أو توتر أمني محدود، بل هو انهيار متسارع وممنهج يضرب خاصرة الدولة ويستهدف قوت الليبيين في عقر دارهم.

مدينة الزاوية التي كانت إلى وقت قريب رمزاً للثروة النفطية وشريان الإمداد الرئيس للعاصمة والمنطقة الغربية، تحولت في غضون ساعات إلى ساحة حرب مفتوحة بسلاح متطور وخطير، طائرات مسيرة انتحارية تعيد رسم ملامح الصراع الليبي، وتدفع بالبلاد نحو هاوية لم يسبق لها أن بلغتها منذ سنوات.

المشهد لم يعد مجرد اشتباكات متقطعة بين تشكيلات مسلحة خارجة عن السيطرة، بل عملية عسكرية منظمة تستهدف البنية التحتية الحيوية للدولة الليبية بطريقة توحي بأن ثمة أطرافاً قررت أن تنتقم من المواطن الليبي نفسه، وتتركه غارقاً في الظلام والمرض والدمار، فيما تقف حكومة عبد الحميد الدبيبة تتفرج وتعِد بمحاسبة لن تأتي.

استهداف ممنهج: المسيرات تفتح فصلاً جديداً من الإرهاب

في تطور وصفه مراقبون بأنه نقلة نوعية في أدوات الإجرام المنظم الذي يفتك بالبلاد، شهدت مصفاة الزاوية سلسلة من الهجمات الجوية بطائرات مسيرة معدة للتفجير، كان آخرها وأخطرها استهداف خزان الديزل رقم 4/4، وهو الهجوم الخامس من نوعه خلال أقل من أسبوع.

وبحسب ما أعلنته المؤسسة الوطنية للنفط في بيان مقتضب، فإن هذه الاعتداءات المتكررة استهدفت خزانات الوقود وأحدثت اختراقات وحريقاً كاد أن يلتهم أجزاء أوسع من المنشأة لولا تحرك فرق الطوارئ والسلامة التي تمكنت من احتواء الكارثة في أسرع وقت.

لكن رسالة المؤسسة كانت تحمل بين سطورها تحذيراً أعمق بكثير من مجرد بلاغ عن حادث، إذ كشف رئيس المؤسسة مسعود سليمان عن حقيقة مرة، حين قال إن النفط هو قوت كل الليبيين، وما يحدث ليس في مصلحة أحد، وإن ليبيا خسرت فعلاً كميات كبيرة من منتج الجازولين، والأخطر من ذلك أن البلاد لا تملك سعات تخزينية بديلة عن تلك الموجودة في الزاوية، ما يجعل استمرار الاستهداف تهديداً وجودياً للأمن الطاقوي برمته.

وأضاف سليمان أن المؤسسة ستضطر إلى إعادة بناء الخزان المتضرر بالكامل، في وقت تعاني فيه أصلاً من محدودية السعات التخزينية، وهو تصريح ينذر بكارثة إنسانية واقتصادية وشيكة في حال تعطلت المنشأة بشكل كامل.

صرخة أهالي الزاوية: تدهور غير مسبوق وخدمات منهارة

على الأرض، لم يعد المواطن البسيط يحتمل المزيد. في وقفة احتجاجية أمام مقر الشرطة العسكرية، خرج أهالي مدينة الزاوية ليعبروا عن غضبهم العارم مما آلت إليه مدينتهم التي كانت يوماً قلب الاقتصاد الليبي.

وعبروا عن استيائهم من التدهور الأمني الخطير والانفلات غير المسبوق الذي بات يهدد كل الخدمات الأساسية، في وقت تتساقط فيه المرافق الحيوية الواحد تلو الآخر. لم يعد الحديث يقتصر على مصفاة الزاوية، بل امتد ليشمل شركة الكهرباء وشركة المياه، في مشهد يؤكد أن المدينة تخضع لعملية تدمير شاملة.

وطالب المحتجون الجهات المسؤولة في الدولة بفتح تحقيق عاجل من قبل النائب العام والجهات القضائية، وتفعيل عمل الأجهزة الأمنية لحماية المنشآت الحيوية والمقرات الأمنية، وهي مطالب تبدو منطقية وبديهية، لكنها في السياق الليبي الراهن تبدو أقرب إلى المستحيل في ظل حكومة فقدت السيطرة على الأرض، أو ربما فقدت الرغبة أصلاً في ممارسة دورها.

الظلام يخيم: محطة كهرباء الزاوية تخرج عن الخدمة

لم يتوقف مسلسل الانهيار عند قطاع النفط، بل امتد ليشمل قطاعاً لا يقل حساسية، وهو الكهرباء، حيث أعلنت الشركة العامة للكهرباء عن احتراق محطة التحويل جنوب الزاوية بالكامل وخروجها عن الخدمة، في ضربة قاسية أدت إلى فقدان التغذية الكهربائية عن مناطق واسعة.

والأخطر من ذلك هو تحذير الشركة من أن استمرار استهداف محطة جنوب الزاوية ومحطة التوليد يهدد بإطفاء جزئي أو عام للشبكة الكهربائية في المنطقة الغربية. وكشفت الشركة عن نتيجة كارثية أخرى للاعتداءات المتكررة، وهي أن شركة “جنرال إلكتريك” سحبت فرقها الفنية وعلقت أعمال الصيانة، مما ساهم في تأخير إعادة أكثر من سبعمئة ميغاوات إلى الشبكة، وهو ما يفسر معاناة المواطنين اليومية مع الانقطاعات الطويلة في وقت تشتد فيه الحرارة.

الشركة، التي بدت عاجزة عن حماية منشآتها، حملت في بيانها رسالة واضحة تخلت فيها عن مسؤوليتها عن أي أضرار أو انقطاعات تنتج عن استهداف منشآت الشبكة، وهو إعلان استسلام رسمي أمام قوة السلاح والفوضى.

وفي مدينة الخمس، خرج متظاهرون غاضبون أمام محطة كهرباء الأربعمئة للمطالبة بإسقاط حكومة الدبيبة، محملين إياها مسؤولية انقطاعات الكهرباء وتردي الأوضاع المعيشية، في مشهد يعكس مدى الغضب الشعبي المتصاعد في مختلف المدن الليبية.

حكومة غائبة واتهامات بالتواطؤ

الغضب الشعبي لم يكن بمعزل عن غضب النخب السياسية والإعلامية التي رأت في الأحداث تأكيداً على فشل الدولة وعجزها، بل واتهامات صريحة بالتواطؤ.

الإعلامي خليل الحاسي كشف في منشور له أن من يقف وراء الهجوم هو شخص يدعى سالم ألطيف المدعوم من عماد الطرابلسي، وأنه أطلق طائرته من منطقة ديلة شرق الزاوية، في إشارة إلى تحالفات معقدة بين تشكيلات مسلحة تتصارع على النفوذ.

وحذر الحاسي من أن دخول الميليشيات الليبية على خط الاستخدام العسكري للمسيرات هو نذير شؤم سيفتح الباب أمام استهداف السفارات والمعسكرات وربما الطائرات المدنية، مشيراً إلى أن شركات الطيران الأجنبية تراقب ما يحدث في سماء المناطق المضطربة، وقد تضطر لتعليق رحلاتها إلى المطارات الليبية، في وقت لم تفصح فيه ما تسمى دولة ليبيا عن أي معلومات بخصوص قصف المنشآت النفطية، وصمتت صمت القبور وكأن الكارثة وقعت في كوكب آخر.

أما المحلل السياسي محمد قشوط فكان أكثر حدة، حين اتهم حكومة عائلة الدبيبة بأنها استجلبت طائرات انتحارية وسلمتها للميليشيات، وكشف عن وجود غرفة عمليات لطيران مسير يديرها مرتزقة من أوكرانيا موجودة في طرابلس، انطلقت منها الطلعات التي دمرت محطة الكهرباء وخزانات الوقود، وسبق أن استهدفت ناقلات نفط روسية.

وأكد قشوط أن الشعب الليبي في معركة وجود مع هذه العائلة ومن يضع يده في يدها، فإما أن ترحل أو نرحل، في تصعيد خطير للهجة الانتقاد السياسي.

مؤسسات حقوقية تحذر: ما يحدث جرائم حرب

في خضم هذا الدمار الهائل، ارتفعت أصوات المؤسسات الحقوقية محذرة من أن ما يحدث في الزاوية لم يعد مجرد خروقات أمنية، بل ترقى إلى مصاف جرائم الحرب.

المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا أكدت أن استهداف محطات الكهرباء وشبكات المياه والطاقة والمنشآت المدنية والنفطية، وكذلك استهداف الأحياء السكنية المأهولة بالسكان المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

وأوضحت أن هذه المنشآت تعتبر في الأصل أعياناً مدنية لا يجوز مهاجمتها لما تتسبب به من كارثة بيئية وأضرار غير متناسبة للسكان المدنيين. الجمعية الليبية لسجناء الرأي حملت بدورها حكومة الدبيبة والأجهزة التابعة لها المسؤولية القانونية والوطنية الكاملة عن حماية المنشآت الحيوية والاعتداء على موارد البلاد، وطالبت النائب العام بفتح تحقيق عاجل في أحداث مصفاة الزاوية وتحديد المسؤولين عنها وإحالتهم إلى القضاء.

لكن المطالبات بالتحقيق تصطدم بواقع مرير، إذ كيف يمكن محاسبة مجرمين في ظل دولة لا تسيطر على أجهزتها الأمنية، بل إن بعض هذه الأجهزة متورط في الصراع الدائر كما أشارت تقارير عديدة.

شهادات نارية: “المشري بدأها والقصب أكملها”

عادت أصابع الاتهام لتشير إلى الماضي القريب وإلى شخصيات بعينها، حيث ذكّر الإعلامي خليل الحاسي بأن خالد المشري، ابن الزاوية، كان أول من رفع قضية باسمه شخصياً عام 2014 ضد الانتخابات، وتسبب في أكبر انقسام سياسي في ليبيا، وهو الذي كان يسمي هذه الميليشيات “ثواراً” حتى تحولت جرائمهم لكوارث شنيعة.

وأضاف أن محمد كشلاف الشهير بالقصب كان يسيطر على المصفاة سابقاً قبل أن يوضع اسمه على قائمة العقوبات الدولية.

من جهتها، ذهبت الناشطة السياسية نادية الراشد إلى أبعد من ذلك، متهمة دولاً راعية للفوضى قصداً وتعمّداً بإعادة إنتاج الفوضى شرقاً وغرباً، خاصة بعد التعاقدات النفطية والاستثمارات الموقعة والتحركات الدبلوماسية ومبادرات الحل الأمريكية، وأكدت أن ما يحدث ليس موضوعاً محلياً فقط بل معهم دول تستخدم صعاليكها وأدواتها الليبية لنسف كل شيء.

وحذرت الراشد من كارثة بيئية وصحية صامتة جراء احتراق خزانات المصفاة، قائلة إن الانبعاث الناتج عن الحريق أخطر من المصفاة نفسها، وتأثيره على حياة الليبيين كارثي في ظل أمراض التلوث والبكتيريا والأورام وغسيل الكلى التي تعاني منها البشرية الليبية أصلاً نتيجة الإهمال والرقابة المعدومة.

وتابعت بسخط: “ما هذا التخلف والجهل من هؤلاء العاهات المعاقة فكرياً؟ كيف لكم بنسف النعمة من وجوهكم؟ هل أنتم بشر مخلوقة من طين؟”.

استنكار أممي متأخر وتحركات شكلية

بعد مضي سبعة أيام كاملة على بدء الاشتباكات، خرجت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ببيان استنكار، أدانت فيه الاشتباكات المستمرة في الزاوية وصرمان، ودعت لوقف فوري للقتال والتحركات الاستفزازية.

وطالبت البعثة بمحاسبة المتورطين مباشرة ومن يدعمهم، مشيرة إلى تعريض المدنيين للخطر وسقوط خسائر في الأرواح وإصابات وأضرار في البنية التحتية الحيوية بما فيها مصفاة الزاوية.

كما أدانت البعثة حادثة فرار سجناء من صرمان وما أثارته من مخاوف بشأن حماية المدنيين.

لكن بيان البعثة الذي دعا لإجراء تحقيق فوري وشامل وضمان تحقيق العدالة للضحايا، بدا متأخراً وباهتاً في مواجهة واقع دموي يتجدد كل يوم، خاصة وأن البعثة نفسها أشارت إلى أن نتائج فريق خبراء الأمم المتحدة سلطت الضوء منذ فترة على استمرار انتشار الأسلحة وأنشطة الجماعات المسلحة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، دون أن يترتب على ذلك أي إجراء رادع.

عضو مجلس النواب محمد احنيش كان أكثر وضوحاً حين قال إن ما يجري في الزاوية مستمر منذ خمسة عشر عاماً، لكن طريقة الاستهداف الحالية غير مسبوقة، وعلينا إدراك من هو المستفيد لتحديد هوية المجرمين. واتهم احنيش حكومة الدبيبة بالفشل وغض الطرف وعدم الاهتمام بما يحدث، معتبراً أنها تتعامل مع الزاوية كأنها جزء ليس بليبيا وغير خاضع لسيطرتها، ولا تلتزم بأي تعليمات من مجلس النواب.

المتحدث السابق باسم مجلس الدولة الاستشاري السنوسي إسماعيل أكد بدوره أن المشكلة تكمن في أن التشكيلات المسلحة المتنافسة خارج نطاق سيطرة وزارتي الدفاع والداخلية، وأن دخول السلاح المسير طور شديد الخطورة، محذراً من أن استمرار هذا المشهد قد يؤدي إلى انهيار الاقتصاد الليبي ككل، وأن الزاوية تحولت إلى جحيم.

مبادرات أهلية ودعوات للعقل وسط الجحيم

في خضم هذا المشهد القاتم، برزت أصوات تحاول إطفاء الحريق ولملمة الشمل، حيث أصدر مشايخ وأعيان وشباب تاجوراء بياناً طالبوا فيه أهالي الزاوية بتحكيم صوت العقل وتغليب مصلحة المدينة، معلنين استعدادهم للتدخل الفوري والعاجل وحسم فتيل القتال بين الإخوة وإصلاح ذات البين.

وأكدوا أنهم جاهزون لكل ما من شأنه إصلاح الوضع الداخلي للزاوية، ولا يرضون بالقتل ولا بالحرق ولا بالتدمير في مدنهم وحرق رزق الليبيين.

تكتل بلديات الزاوية الكبرى استنكر ما وصفها بالاعتداءات الإرهابية على المرافق الحيوية، وطالب بفتح تحقيق عاجل، مؤكداً أن الخلافات السياسية لا يمكن بأي حال أن تبرر تعريض حياة ومصالح المواطنين للخطر. كتيبة الإسناد الأولى – حرس المنشآت النفطية وصفت الاستهداف بأنه عمل عدائي خطير يستهدف مقدرات الشعب الليبي، ودعت جميع المواطنين إلى التحلي بالهدوء وعدم تداول الشائعات.

الدبلوماسي الأسبق عادل عيسى وجه نداءً مؤثراً تساءل فيه: ليبيا إلى متى؟ وكتب أن الإرهاب لا يقتصر على استهداف الأرواح، بل يشمل كل من يتعمد تدمير أو حرق المنشآت الحيوية للدولة، لأنها مقدرات وطنية ترتبط مباشرة بحياة المواطنين واقتصاد البلاد وأمنها واستقرارها، مؤكداً أن من يستهدف مقدرات الدولة لا يستهدف حجراً، بل يستهدف أمن الوطن ومستقبل أجياله.

وعود الحكومة: محاسبة حازمة ولن يمر دون رد

أمام هذا الكم الهائل من الدمار والغضب، خرج رئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة ليتحدث بلغة حازمة، متوعداً بالوصول إلى المسؤولين عن الاعتداء على مصفاة الزاوية، ومؤكداً أن المحاسبة ستكون حازمة ولن تحمي أحداً صفته أو موقعه أو نفوذه.

ووصف الدبيبة استهداف المنشآت النفطية بالطائرات المسيرة بأنه جريمة خطيرة وتصعيد لن يمر دون رد، معتبراً أنه تهديد مباشر لأرواح المواطنين والعاملين ولمنشآت تمثل جزءاً من أمن البلاد واقتصادها.

وأكد أن الجهات المختصة باشرت تحقيقاتها لتحديد مصدر الطائرات المسيرة وكشف كل من خطط وأمر ونفذ وشارك، مشدداً على أنه لن يسمح بأن يعتقد أي طرف أن استهداف المنشآت الحيوية يمكن أن يمر بلا ثمن.

لكن هذه التصريحات، التي تبدو قوية في ظاهرها، تصطدم بواقع حكومة يقول منتقدوها إنها عاجزة عن حماية نفسها قبل حماية المنشآت، بل إن بعض الناشطين والمحللين يتهمونها صراحة بالتواطؤ مع منفذي الهجمات.

الإعلامية والباحثة ريم البركي اختصرت السخرية من الوضع بسيل من الأسئلة المرة: “كيف عندنا عمليات قصف مستمرة على المنشآت النفطية والدولة مش عارفة من اللي يقصف؟ هل في عمليات عسكرية دولية ضد ليبيا؟ من أين تخرج المسيرات؟ الشعب الليبي وين؟ لماذا لا يذهب وزير الدفاع هناك؟ أين وزير الداخلية؟ رئيس الوزراء لماذا يلتزم الصمت؟”.

رئيس جهاز مكافحة التهديدات الأمنية محمد بحرون الملقب بالفأر اعترف بأن الاستهداف الممنهج لموارد المياه والكهرباء والنفط هو استهداف مباشر لكل مواطن في الزاوية ولمقومات حياته وأمنه واستقراره، داعياً للتحقق من مصادرها وكشف ملابساتها سواء كانت من جهات قريبة أو تقف خلفها أطراف أخرى.

لكن مجرد اعترافه بهذا الواقع دون تقديم حلول أو حماية يضعه في دائرة العجز التي تتخبط فيها كل مؤسسات الدولة التي يديرها.

القطاع الصحي يئن وجامعة التحدي تستغيث

وبينما تتصاعد أعمدة الدخان السام من خزانات المصفاة المحترقة، وتغرق المدن في الظلام الدامس، وصلت التداعيات إلى القطاع الصحي الهش أصلاً. فقد اضطرت جامعة التحدي الطبية إلى إعلان وقف العمل بالمستشفى الجامعي بشكل كامل، وذلك لانقطاع التيار الكهربائي وانعدام سبل تأمين مصادر بديلة للطاقة.

وفي تصريح يعكس حجم المأساة، أعلنت الجامعة عن انعدام وجود الديزل رغم استعدادها لشرائه من السوق الموازية بأي ثمن كان، ووجهت نداء استغاثة لشركة الكهرباء بجدولة طرح الأحمال في المنطقة بعد الثانية ظهراً لحين انتهاء الكشف عن الحالات وإنجاز الأعمال الحيوية.

هذا المشهد المرير، حيث تتحول مستشفيات الليبيين إلى ثلاجات للموتى، وحيث تصبح أبسط مقومات الحياة رفاهية لا تصل إليها الأيدي إلا بصعوبة، هو الثمرة الحقيقية لعقد ونيف من الفوضى الأمنية والصراعات السياسية التي غذتها حكومات متعاقبة، من بينها حكومة الدبيبة التي يراد لها اليوم أن تتعامل مع كارثة استهداف المسيرات وكأنها حادث عرضي يمكن احتواؤه ببيانات الإدانة ووعود المحاسبة التي لا تتحقق.

الناشطة السياسية نادية الراشد أعادت التذكير بالوعد الشهير للدبيبة “أنا مش هنسيبكم”، وقالت إنه منذ هذه الجملة التعيسة التي قوبلت بالتصفيق والتهليل، لم تعد تقوم للبلاد قائمة، فالعيشة فقر والدولار يزيد والبطالة تتفشى والميليشيات تتوغل والانقسام يستحكم.

حصاد الفوضى: ثروة منهوبة ومستقبل مسروق

ما يحدث في الزاوية ليس مجرد فصول جديدة من الانفلات الأمني، بل هو إعلان رسمي بفشل كل محاولات بناء الدولة، وانتصار ساحق للميليشيات التي تحولت إلى جيوش خاصة تملك طائرات مسيرة وتدير عمليات عسكرية منظمة ضد ممتلكات الشعب الليبي.

عندما يقول مسعود سليمان إن النفط قوت لكل الليبيين، فإن رسالته الضمنية هي أن هذا القوت يتم التهامه وحرقه عمداً أمام مرأى ومسمع من الجميع، دون أن تحرك الحكومة ساكناً. وعندما تحذر شركة الكهرباء من إطفاء كامل للشبكة، فإنها تعلن فعلياً أن الليبيين على موعد مع ظلام دامس قد يمتد لأسابيع إن لم تتدخل قوى خارقة.

وعندما تغادر شركة أمريكية كبرى أعمال الصيانة وتسحب فرقها الفنية، فإن الرسالة التي توجهها للعالم هي أن ليبيا أصبحت بيئة طاردة للاستثمار والخبرات، ولا يمكن الوثوق بأمن أي منشأة فيها.

وأخيراً، عندما تركز الناشطة نادية الراشد على الكارثة البيئية المتمثلة في الانبعاثات السامة الناتجة عن احتراق الوقود، وتذكر بأمراض التلوث والسرطان والفشل الكلوي التي تفتك بالليبيين، فإنها تفتح نافذة على المستقبل القاتم الذي ينتظر أجيالاً كاملة حكم عليها أن تستنشق الموت بطيئاً كل يوم، ليس بسبب عدوان خارجي، بل بسبب عاهات معاقة فكرياً على حد تعبيرها، لا يؤمنون إلا بمنطق الأرض المحروقة.

إن ما يحدث في الزاوية هو تفريغ ممنهج لمضمون السيادة الليبية. في كل خزان وقود يتم تدميره، وفي كل برج كهرباء يحترق، وفي كل مريض يفارق الحياة في مستشفى مظلم، وفي كل شاب يهاجر أو يغرق في البحر هرباً من هذا الجحيم، تتآكل فكرة ليبيا من الداخل.

الدبلوماسي الأسبق عادل عيسى لخص المشهد بدقة حين قال إن جرس الإنذار قد دق، وإن استمرار العبث بالمنشآت الحيوية ينذر بتداعيات خطيرة على المنطقة الغربية بالكامل وبالأخص العاصمة، والمؤسف أن الحكومة التي يفترض بها أن تستجيب لهذا الإنذار هي إما غارقة في صراعاتها الداخلية، أو عاجزة بالكلية، أو ما هو أسوأ، متواطئة ومشاركة في اللعبة القذرة لتدمير ما تبقى من ليبيا.

شعب منهك، يخرج بين الفينة والأخرى في وقفات احتجاجية خائفة، يطالب بحقه في الحياة، بينما تواصل المسيرات الانتحارية تحليقها في سماء مدنه، كأنها تنفذ حكماً غيابياً بالإعدام صدر بحق وطن بأكمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى