ليبيا

التعليم الإلكتروني في ليبيا بين إرادة التحول الرقمي وقيود البنية التحتية والكوادر المتخصصة

جامعة بنغازي تسجل نقلة رقمية بدعم صندوق التنمية وخبراء يطالبون بشراكات اتصالات وتشريعات مستدامة

ليبيا 24

في مشهد يعكس تقاطع الأبعاد التعليمية والتنموية والخدمية، تتجه مؤسسات التعليم العالي في ليبيا نحو توسيع استخدام التعليم الإلكتروني والتحول الرقمي، في ظل محاولات الجامعات تطوير أدواتها التقنية وتحسين قدرتها على مواكبة متطلبات التعليم الحديث.

وبينما تبرز تجربة جامعة بنغازي بعد إعادة إعمارها بدعم من صندوق التنمية وإعادة الإعمار، تظل تحديات البنية التحتية وشبكات الإنترنت ونقص الكوادر المتخصصة عقبات حقيقية أمام الوصول إلى منظومة إلكترونية متكاملة.

البنية التحتية والواقع الرقمي

قال رئيس مكتب المعلومات والتوثيق في جامعة بنغازي أحمد التريكي، في تصريحات صحفية، إن الجامعة أعدت عدداً من الورش والندوات حول تقنيات التعليم عن بُعد والتعليم الإلكتروني، إلى جانب بحث دور مكتب الوسائل التعليمية في تمكين التعليم الإلكتروني داخل الجامعة.

وأضاف التريكي في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24 أن الجامعات الليبية لا تمتلك، في الغالب، بنية تحتية مهيأة بالشكل المطلوب لتطبيق التعليم الإلكتروني، وأن نسبة كبيرة من الجامعات الليبية لا تزال تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة، والتي تشمل امتلاك أجهزة متقدمة، وتوفير خدمات إنترنت عالية السرعة، إلى جانب وجود ربط شبكي متكامل بين مختلف مرافق الجامعة وكلياتها ومكاتبها وإداراتها، بحيث تكون جميعها مرتبطة ببعضها البعض ضمن شبكة واحدة ومتكاملة.

وتابع أن أغلب الجامعات تفتقر إلى التأسيس الصحيح للبنية التحتية الخاصة بالتعليم الإلكتروني، رغم وجود رغبة لديها في تطبيق هذا النوع من التعليم، إلا أن الإمكانيات المتاحة قد تشكل عائقاً أمام تحقيق ذلك بالشكل المطلوب.

تجربة جامعة بنغازي وصندوق التنمية

وأشار التريكي إلى أن تجربة جامعة بنغازي شهدت خلال الفترة الأخيرة تحسناً واضحاً، خاصة بعد إعادة إعمار الجامعة من خلال صندوق التنمية وإعادة الإعمار، موضحاً أن عملية إعادة الإعمار تمت وفق أسس صحيحة وباستخدام تكنولوجيا جديدة، الأمر الذي أحدث نقلة كبيرة في هذا المجال.

وتندرج هذه الجهود ضمن أولويات الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد الداعمة لاستكمال مشاريع إعادة الإعمار وتطوير قطاع التعليم في مدينة بنغازي، وهو ما يعزز موقع الجامعة بوصفها نموذجاً وطنياً قابلاً للتعميم.

تحديات الكادر المتخصص واستمرارية التشغيل

وحسب التريكي، هناك تحديات كبيرة تواجه عملية تطوير التعليم الإلكتروني، في مقدمتها البنية التحتية واستمرارية عملها، إلى جانب الأعطال المستمرة التي قد تؤثر في تقديم الخدمات التعليمية الإلكترونية. وأوضح أن هذا الأمر يحتاج إلى أشخاص متمكنين تقنياً لمتابعة هذا التطور والإشراف عليه بشكل مستمر، وهؤلاء بدورهم يحتاجون إلى فرص للتوظيف، وهو أمر يتطلب وقتاً وإجراءات طويلة.

ولفت إلى أن جامعة بنغازي تواجه تحدياً كبيراً آخر يتمثل في اتساع نطاق الخدمة التي تقدمها، خاصة مع وجود أكثر من ستين ألف طالب، إلى جانب الأعداد الكبيرة من أعضاء هيئة التدريس، وأكثر من ثلاثين كلية. وأكد أن هذا الحجم الكبير يجعل الجامعة بحاجة إلى كادر متخصص وكبير قادر على تقديم هذه الخدمات ومتابعة منظومة التعليم الإلكتروني بكفاءة.

وأضاف أن خطوط الإنترنت تحتاج بدورها إلى بنية تحتية مناسبة، حتى لا تضطر الجامعة إلى إقامة شبكة منفصلة لكل مبنى، موضحاً أنه يفترض أن تكون الشبكات مرتبطة ببعضها البعض من خلال بنية تحتية صحيحة ومتكاملة، بما يضمن سهولة انتقال البيانات والمعلومات بين مختلف مرافق الجامعة وكلياتها وإداراتها.

التزام الطلاب ودمج التعليم التقليدي بالتقنيات

وأوضح رئيس مكتب المعلومات والتوثيق في جامعة بنغازي أن أحد العوائق يتمثل في مدى التزام الطالب بالدخول إلى المنصات التعليمية، مشيراً إلى أن هذا الأمر يشرف عليه بشكل مباشر عضو هيئة التدريس، الذي تلزمه الكلية باستخدام هذه المنصات وتشجيع الطلاب على الدخول إليها والاستفادة منها.

وأكد التريكي إمكانية توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لتطوير جودة التعليم الجامعي، وأن صدور قرارات من الجهات الرسمية بشأن التعليم الإلكتروني أسهم في تعزيز هذا الاتجاه.

ولفت إلى أن فكرة التعليم الإلكتروني ظهرت وفرضت نفسها بصورة أكبر بعد جائحة كورونا، وأصبحت أمراً واقعاً، إذ جعلت تلك الأزمة التعليم الإلكتروني ضرورة لا يمكن تجاهلها، وأن كل من كان يعارض التعليم الإلكتروني وجد نفسه أمام واقع جديد فرض عليه استخدام منصات التعليم الإلكتروني والتعليم عن بُعد.

وأضاف أن توظيف تقنيات التعليم الإلكتروني ليس أمراً صعباً، لكنه يحتاج إلى تشريعات وتنظيم واضح، موضحاً أهمية دمج أساليب التعليم التقليدية، مثل السبورة والحضور المباشر، مع استخدام التكنولوجيا في إيصال المعلومة، خاصة في الواجبات المنزلية والامتحانات السريعة، إلا أن هذا الأمر يحتاج إلى تشريع وتنظيم من الجهات المختصة.

سياسات وزارية وتباين بين الجامعات

من جهتها، قالت المتخصصة في هندسة البرمجيات إيناس بوعرقوب إن هناك سياسات تنفيذية واضحة صادرة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تتجه نحو التحول الرقمي في قطاع التعليم العالي، وتستهدف إنشاء منصات تعليمية، وتوفير بريد إلكتروني رسمي، إلى جانب الأرشفة الأكاديمية في الجامعات الليبية.

وأضافت في تصريح صحفي رصدته ليبيا 24 أن هذه السياسات والإستراتيجيات لا تزال في طور التنفيذ كلما أمكن ذلك، استناداً إلى جهود مشتركة من الجهات ذات العلاقة داخل كل جامعة، مشيرة إلى أن نشر الوعي الثقافي والعلمي بأهمية هذا التحول الرقمي في قطاع التعليم وسبل تحقيقه من شأنه أن يسهم في دفع هذه الجهود، وأن الأمور يمكن أن تسير بشكل جيد خلال المستقبل القريب.

وأكدت أن التوجه الحقيقي يجب أن يتمثل في أن يكون التعليم الإلكتروني جزءاً شاملاً ومتكاملاً من المنظومة التعليمية، وألا يقتصر استخدامه على كونه حلاً للأزمات والظروف الاستثنائية.

وحول التفاوت في مستوى الأداء بين الجامعات الليبية، أوضحت بوعرقوب أن بعض الجامعات الكبرى برزت في مجال إنشاء البوابات الإلكترونية والمستودعات الرقمية، ما يمنحها أفضلية عند مقارنتها بالجامعات الموجودة في المناطق النائية التي تعاني من نقص في الإمكانيات.

شراكات اتصالات وتشغيل فعلي مستدام

وشددت بوعرقوب على ضرورة وجود شراكة معتمدة ومستدامة مع شركات الاتصالات، بما يضمن توفير شبكات إنترنت جيدة تدعم العملية التعليمية، مع تحمل الجهات المعنية كامل المسؤولية عن أي انقطاعات أو مشكلات تقنية قد تحدث، والعمل على إظهار هذه المنصات التعليمية على أرض الواقع، والبدء فعلياً في تشغيلها والاستفادة منها داخل الجامعات.

وأكدت أن نجاح التحول الرقمي في التعليم العالي لا يرتبط فقط بإنشاء المنصات الإلكترونية، وإنما يتطلب استمرارية تشغيلها، وتوفير البنية التحتية المناسبة لها، وتحديد المسؤوليات بوضوح، إلى جانب التعاون بين الجامعات والجهات الحكومية وشركات الاتصالات، بما يضمن تحويل التعليم الإلكتروني من مجرد توجه أو استراتيجية إلى ممارسة فعلية ومستدامة داخل منظومة التعليم العالي في ليبيا.

ويظل رهان استكمال هذا المسار مرهوناً بتكامل الأدوار بين الحكومة والجامعات وشركات الاتصالات وصندوق التنمية وإعادة الإعمار، بما يحول البنية الرقمية إلى رافد من روافد الاستقرار التعليمي والتنمية المستدامة في ليبيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى