ليبيا

من ديزل السوق السوداء إلى الاعتمادات الوهمية: رغيف الخبز يكشف هشاشة الاقتصاد الليبي ويشعل غضب الشارع

تحذيرات الخبازين تضع رغيف الخبز على فوهة أزمة معيشية في ليبيا وسط انهيار الخدمات وتآكل القدرة الشرائية

ليبيا 24

أزمة الرغيف في ليبيا: ارتفاع مرتقب يهدد شريان الحياة اليومي وسط فشل الخدمات وغياب الرقابة

تشهد ليبيا حالة من القلق المتزايد بين شرائح واسعة من المواطنين، بعد تحذيرات مسؤولين في نقابات الخبازين من ارتفاع مرتقب في سعر رغيف الخبز، مدفوعاً بتصاعد تكاليف الإنتاج في بلد يستورد نحو تسعين في المائة من احتياجاته الغذائية.

وتتداخل الأزمة بين ملفات سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية، لتضع الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في مواجهة مباشرة مع مطالب الشارع، وسط تدهور ملحوظ في الخدمات الأساسية واتساع الفجوة بين الوعود الرسمية وواقع الأسواق.

تحذيرات رسمية بارتفاع حتمي

قال نقيب الخبازين في بنغازي محمود العريبي، في تصريحات صحفية، رصدتها ليبيا 24، إن أسعار الخبز ستشهد «ارتفاعاً حتمياً» نتيجة تصاعد تكاليف الإنتاج، داعياً المواطنين إلى تقبل الأمر وعدم إلقاء اللوم على أصحاب المخابز، بل مساءلة المسؤولين عن غلاء المواد الأساسية.

وأرجع العريبي هذا الارتفاع إلى نقص الديزل اللازم لتشغيل المخابز، مع انقطاع الكهرباء، ما يضطر أصحاب المخابز إلى شراء الديزل بأسعار مضاعفة من السوق السوداء، إضافة إلى الارتفاع الحاد في أسعار الدقيق.

الشارع الليبي يرفض المساس بالرغيف

في طرابلس، تساءل أحد المواطنين عن أثر الزيادة المرتقبة على معيشته في ظل غلاء السلع طيلة العام لارتباطها بتصاعد سعر الدولار، خاصة وأن ليبيا تستورد نحو تسعين في المائة من احتياجاتها الغذائية.

وتوالت ردود الفعل المنتقدة على منصات التواصل الاجتماعي لأي مساس بسعر الرغيف، لا سيما مع تدهور الأوضاع المعيشية لبعض الفئات.

 وقال مواطن آخر في تعليق متداول: «لا كهرباء، لا مياه، لا بنزين، وكملوها بالخبز»، في حين تساءل ناشطون عن دور وزارة الاقتصاد والحرس البلدي في الرقابة على الأسواق.

وطالب مواطن آخر الدولة بتوفير الدقيق بأسعار مقبولة، مؤكداً أن المخابز تمس حياة المواطن مباشرة وليست مجرد نشاط تجاري، بينما دعا آخرون إلى العودة لصناعة الخبز في المنازل.

أما مواطن ثالث فتساءل عن مصير أصحاب المعاشات ممن يتقاضون تسعمائة دينار فقط، وكيف سيدبرون أمرهم مع ارتفاع أسعار الخبز، فضلاً عن أن أغلبهم يعانون أمراضاً مزمنة ويضطرون إلى شراء أدوية باهظة الثمن، مشيراً إلى أن الدولار يساوي 6.36 دينار.

رسائل سياسية ووقود يختنق

عدّ رئيس حزب «صوت الشعب» الليبي فتحي الشبلي أن تحذيرات نقابات الخبازين تمثل «رسائل سياسية للمسؤولين لعلها تتدارك الاختناق الراهن».

وقال الشبلي في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24، إن أغلب تكاليف إنتاج الخبز ارتفعت، فالديزل يباع بنحو تسعة دنانير في السوق السوداء، ومع استهداف مصفاة الزاوية واحتراق أحد خزاناتها الضخمة، وأيضاً تضرر إحدى المحطات الكهربائية، قد يتضاعف هذا السعر.

ولفت إلى تكالب المواطنين على محطات الوقود منذ استهداف المصفاة للحصول على ما يكفي احتياجاتهم لتشغيل المولدات الكهربائية في منازلهم، ومحركات المياه ومصادر الإضاءة والتهوية لوجود كبار سن ومرضى.

وفي السياق نفسه، تواصلت تحذيرات خبراء من قفزة في فاتورة استيراد المحروقات إلى نحو مليار وأربعمائة وعشرة ملايين دولار قبل شهرين، وهو ما يعد استنزافاً خطيراً للعوائد النفطية التي تشكل المصدر الرئيسي لدخل البلاد.

الاعتمادات الوهمية وفساد مستشرٍ

من جهته، رأى رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية» خالد بوزعكوك أن التحذيرات برفع سعر الرغيف لا تنفصل عما تتداوله التقارير الدولية من تصنيف ليبيا ضمن الدول العشر الأكثر فساداً في العالم.

وقال  إن الأزمة مرتبطة بظاهرة الاعتمادات الوهمية، حيث يحصل بعض التجار على الدولار بالسعر الرسمي المخفض دون استيراد شحنات الدقيق فعلياً، ويبيعون العملة في السوق السوداء لتحقيق أرباح ضخمة، وحتى من يستورد فعلاً يبيع بأسعار السوق الموازية، مما يكبّد المخابز خسائر.

وتوقع بوزعكوك  في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24، أن تتجه بقية المخابز بحلول منتصف الشهر الحالي لتعديل أسعارها من بيع ثلاثة أرغفة بدينار إلى رغيفين بدينار، أو خمسة أرغفة بدينارين، وهو ما سيضاعف معاناة الأسر الكبيرة عدداً، في وقت تتراوح فيه دخول غالبية الليبيين بين ألف وألفي دينار شهرياً.

وأشار إلى دراسة لمؤسسته تشير إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية بنسبة خمسة وأربعين في المائة منذ عام 2022، إضافة إلى ما رصدته منظمة الأغذية والزراعة الدولية من ارتفاع أسعار الغذاء في ليبيا بنسبة ثمانية عشر في المائة مقارنة بالعام الماضي.

القمح المحلي مخرج مشروط

بدوره، دعا رئيس قسم علوم المحاصيل بكلية الزراعة بجامعة طرابلس الدكتور خالد العيساوي إلى الاهتمام بزراعة القمح والإنتاج المحلي، خاصة في الجنوب، لحل الأزمة بما يمهد لاستقرار أسعار الرغيف وسلامته من الملوثات.

وقال العيساوي في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24، إن الجنوب الليبي هو الأكثر استقراراً للزراعة بفضل توافر المساحات وإمكانات الري، بعد تآكل مزارع الشمال بالبناء العشوائي، ومعاناة الجبل الأخضر والجبل الغربي من شح الأمطار في السنوات الماضية.

لكنه رهن هذا التوجه بعودة الدولة لدعم المزارعين والتعهد بشراء إنتاجهم، موضحاً أنه مع توقف الدولة عن هذا النهج قبل اثني عشر عاماً تكدس المحصول لدى المزارعين، فاتجهوا إلى محاصيل أسهل تسويقاً كالشعير.

ولفت إلى أن المطاحن لا تفضل القمح المحلي بسبب مشاكل تصنيعية، وتعتمد على المستورد بشكل شبه كلي.

واختتم العيساوي بالتأكيد على أن النهوض بالإنتاج المحلي من القمح مرهون بتوفير المقومات الأساسية، وفي مقدمتها استقرار التيار الكهربائي لضمان عمليات الري وحماية المحاصيل، مشدداً على أن نجاح هذه العملية يبدأ أولاً بتهيئة مناخ الاستقرار السياسي في البلاد.

وبينما تتحول أزمة رغيف الخبز من مجرد تحذير نقابي إلى قضية رأي عام، يبقى المواطن الليبي هو الحلقة الأضعف في معادلة تتداخل فيها أزمات الوقود والدقيق والفساد وضعف الرقابة الحكومية.

وتطرح الأزمة سؤالاً جوهرياً حول قدرة السلطات الحالية، وفي مقدمتها حكومة الوحدة منتهية الولاية، على حماية السلعة الأكثر التصاقاً بحياة الليبيين اليومية، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الوعود الرسمية وواقع الأسواق، وتتآكل فيه الثقة في إمكانية احتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى شرارة اجتماعية أوسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى