ليبيا

تحقيق نيابي موسع في قضية حجز 24 مليون دينار.. ومحللون يحذرون من تحول ليبيا إلى “جنة” لغسل الأموال في ظل الانقسام والفساد

ضعف مؤسسي وفجوة بين التشريع والتنفيذ.. خبراء يحددون عوامل تحول ليبيا إلى بيئة خصبة لتبييض الأموال

ليبيا 24:

تحقيقات النائب العام تكشف ملفاً فسادياً بـ24 مليون دينار.. ليبيا على أعتاب “جنة غسل الأموال”

في تطور يسلط الضوء مجدداً على هشاشة المنظومة المالية والمصرفية في ليبيا، أعلنت السلطات عن حجز مبلغ تجاوز 24 مليون دينار ليبي في حساب مصرفي لشخص متهم بترتيب إيداعات وتحويلات مالية غير طبيعية، في واقعة رفعها النائب العام الصديق الصور إلى دائرة التحقيقات الموسعة.

الحادثة التي تأتي بعد أيام فقط من إعلان توقيف آخر استفاد من تحويلات تجاوزت 4 ملايين دينار، أعادت إلى الواجهة سؤالاً مصيرياً: هل تحولت ليبيا إلى بيئة خصبة وممر آمن لعمليات غسل الأموال وتبييض العائدات غير المشروعة؟

في مشهد يعكس تعقيد المشهد الليبي، يرى مراقبون أن هذه القضية ليست مجرد واقعة منعزلة، بل هي نموذج لظاهرة مستشرية تغذيها انقسامات سياسية عميقة، واقتصاد موازٍ جامح، وضعف مزمِن في الأجهزة الرقابية والقضائية.

فبينما تمتلك ليبيا تشريعات نظرية لمكافحة غسل الأموال، يحذر خبراء من وجود “فجوة كارثية” بين النصوص القانونية وقدرة المؤسسات على إنفاذها، في ظل غياب سلطة مركزية موحدة وانتشار الفساد في مفاصل الدولة.

الاقتصاد الموازي وثغرة العقارات

يرى المحلل السياسي إبراهيم اسويطي، في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24، أن “ظاهرة غسل الأموال في ليبيا لم تعد ظاهرة مسكوتاً عنها، بل أصبحت واقعاً ملموساً، حيث يتم صناعة المليونيرات في غضون سنوات قليلة من خلال استغلال الانقسام السياسي والاقتصادي لتدوير الأموال”.

ويضيف اسويطي أن “قطاع العقارات بات أحد أبرز القنوات التي يسعى من خلالها هؤلاء إلى شرعنة أموالهم، إلى جانب أنشطة اقتصادية أخرى، وهو ما يستدعي تشديد الرقابة والمتابعة المالية لوقف التلاعب بهدر المال العام، ومنع تحول ليبيا إلى جنة حقيقية لغسل الأموال”.

هذه القراءة تتفق مع ما ذهب إليه المحلل السياسي حسام الفنيش، الذي يؤكد أن “المخاطر تزداد مع ضعف الشفافية في ملكية الشركات والأصول والعقارات، واستغلال النفوذ والفساد، بما قد يوفر غطاءً لتحويل عائدات الأنشطة غير المشروعة إلى أموال واستثمارات تبدو قانونية”.

ويشير الفنيش في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24 إلى أن “اتساع الاقتصاد الموازي والتعامل النقدي وانتشار التهريب وضعف الرقابة على بعض المنافذ وحركة رؤوس الأموال، تساهم جميعها في توفير مساحات تسمح بإخفاء مصادر الأموال وإعادة إدخالها إلى الاقتصاد الرسمي”.

الأبعاد الأمنية والمؤسسية

لكن الأبعاد الأمنية للظاهرة لا تقل خطورة. فوفقاً للفنيش، فإن “من أبرز عوامل الخطورة ضعف القدرة المؤسسية للأجهزة الرقابية والأمنية والقضائية على متابعة عمليات غسل الأموال وتتبع حركة الأموال المشبوهة وتحديد مصادرها والمستفيدين الحقيقيين منها، إلى جانب محدودية أدوات التحليل المالي والرقمي، وضعف التنسيق وتبادل المعلومات بين الجهات المختصة”.

وهذا الوصف يرسم صورة لمنظومة أمنية ورقابية مشلولة، غير قادرة على ملاحقة شبكات المال القذر التي تستغل حالة الفراغ الأمني والسياسي.

ويشدد الفنيش على أن “الانقسام السياسي والمؤسسي والفساد” ليست مجرد خلفية، بل هي محركات أساسية لهذه الظاهرة، حيث تتيح تعدد السلطات وتضارب الولاءات مساحات واسعة للإفلات من العقاب، وتحول دون قيام أي جهة رقابية بممارسة دورها بشكل فعال.

ففي غياب مؤسسة موحدة للرقابة المصرفية، تظل حركة الأموال عصية على التتبع، وتظل التحويلات المالية الكبيرة، مثل تلك التي رصدتها النيابة العامة، لغزاً يصعب فك شفراته.

الفجوة بين التشريع والتنفيذ

يرى المحللون أن المشكلة لا تكمن في نقص التشريعات والقوانين، بل في وجود فجوة هائلة بين القانون والقدرة على إنفاذه.

فليبيا، ومنذ سنوات، تزخر بقوانين لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلا أن هذه القوانين تظل حبراً على ورق في غياب إرادة سياسية موحدة وقضاء مستقل وأجهزة رقابية مؤهلة.

ويشير الفنيش إلى أن “التحدي الحقيقي ليس وجود القانون، وإنما قدرة مؤسسات الدولة على تحويله إلى آلية فعالة لملاحقة المال غير المشروع”.

وهنا تبرز المفارقة: فبينما تعلن السلطات بين الحين والآخر عن ضبط قضايا من هذا النوع، تظل هذه الحالات مجرد غيض من فيض، تعكس حجم الظاهرة أكثر مما تعكس نجاعة الأجهزة الرقابية.

فقضية الـ24 مليون دينار، وقضية الـ4 ملايين التي أعلنت في أغسطس الجاري، قد تكونان مجرد نموذجين لما يجري خلف الستار من عمليات تبييض واسعة، تستفيد من حالة الانقسام والفساد المستشري.

نحو حلول جذرية

في ختام تحليله، يخلص الفنيش إلى أن “مواجهة غسل الأموال تتطلب مؤسسات موحدة، ورفع القدرة المؤسسية والفنية لأجهزة الرقابة والأمن والقضاء على التتبع والتحليل والتحقيق المالي، وربط قواعد البيانات وتبادل المعلومات وتعزيز الرقابة المصرفية”.

وهذا الطرح يضع الإصبع على الجرح: فالحل ليس في إصدار قوانين جديدة، بل في إعادة بناء المؤسسة الليبية على أسس وطنية موحدة، قادرة على فرض سيادة القانون واستعادة الثقة في المنظومة المالية.

ويبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع الأجهزة القضائية والرقابية، في ظل الوضع الراهن، أن تتصدى لهذه الظاهرة؟ أم أن ليبيا، كما يخشى المحللون، مقبلة على أن تصبح “جنة” حقيقية لغسل الأموال، حيث يلتقي الفساد بالانقسام، ويختلط المال العام بالمال الخاص، وتضيع معالم الدولة في متاهات الاقتصاد الموازي؟ الأيام المقبلة، وما ستكشفه تحقيقات النائب العام، قد تحمل جزءاً من الإجابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى