ليبيا

فضيحة “لواء 444”.. مرتزقة سوريون يتظاهرون أمام كلية ضباط الشرطة وحكومة الدبيبة تتنصل: “الملف إرث حرب” والشارع يرد: من يدفع لهم اليوم؟

مرتزقة سوريون يغلقون شوارع طرابلس بالسلاح للمطالبة بـ"ألفي دولار".. والليبيون يتساءلون: هل بلادنا أصبحت ثكنة للأجير قبل المواطن؟

ليبيا 24

طرابلس تحت رحمة “زلمات” المرتزقة.. احتجاج مسلح أمام كلية الضباط يفضح تناقضات الدولة الغائبة وسرقة المال العام

في مشهد مهين لم يسبق له مثيل في تاريخ ليبيا المعاصر، تحولت شوارع العاصمة طرابلس إلى منصة احتجاج مسلح لمقاتلين أجانب، يحملون الجنسية السورية، ويطالبون بحقوقهم المالية المتأخرة، بينما يقف المواطن الليبي متفرجاً على هذه المهزلة، يتساءل في صمت مُرير: هل هذه البلاد لا تزال لنا، أم أصبحت ملكاً لمن يحمل سلاحاً ويأتي من خارج الحدود؟

ففي منطقة صلاح الدين جنوب طرابلس، وتحديداً أمام مقر كلية ضباط الشرطة التي يفترض أن تكون رمزاً للسيادة الوطنية، تجمع عشرات من المرتزقة السوريين المنضوين تحت “لواء 444” – أحد أبرز التشكيلات المسلحة النافذة في طرابلس– مرددين هتافات تطالب وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، عبد السلام الزوبي، بصرف مستحقاتهم المتأخرة، وسط إطلاق أعيرة نارية في الهواء، وكأنما هم في ساحة حرب لا في قلب عاصمة لدولة ذات سيادة.

هذا الاحتجاج العلني، الذي لم يجرؤ أي مواطن ليبي على تنفيذ مثله لسنوات، يكشف عن تحول خطير في معادلة القوة في البلاد، حيث أصبح الأجنبي المسلح يمتلك من الجرأة ما يسمح له بقطع الطرقات وتحدي الدولة، بينما الليبي الذي يعاني انقطاع الكهرباء لساعات وشح السيولة النقدية وتآكل مدخراته، يكتفي بالصبر والاحتساب وكأنه ضيف في بلده.

والأكثر إيلاماً أن هذا الاحتجاج لم يقابل بإدانة رسمية أو تحرك أمني جاد، بل قوبل بصمت مطبق من حكومة الدبيبة التي تتهرب من مسؤوليتها تحت ذرائع واهية، وكأنما استمرار وجود هؤلاء المرتزقة على الأراضي الليبية ليس من شأنها، بل هو إرث تاريخي لا ذنب لها فيه، متجاهلة أن السلطة القائمة هي المسؤولة اليوم عن كل ما يحدث على أرضها، وأن الاتفاقيات السابقة لا تلغي واجبها السيادي في إنهاء أي وجود عسكري أجنبي غير شرعي.

احتجاج مسلح وسط العاصمة.. والأسئلة المقلقة تتصدر المشهد

المقطع المصور الذي انتشر على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي، أظهر بوضوح تجمع عشرات من العناصر السورية المسلحة في محيط كلية ضباط الشرطة، وهم يرددون شعارات تطالب بصرف رواتبهم التي قالت مصادر إنها تتجاوز ألفي دولار شهرياً لكل مقاتل، وهو مبلغ يفوق بكثير متوسط دخل الأسرة الليبية التي تعاني من أقسى أزمة اقتصادية في تاريخها.

ولم يتوقف الأمر عند الهتافات، بل تطور إلى إطلاق نار في الهواء، في مشهد يعكس حالة الفلتان الأمني التي تعيشها العاصمة تحت حماية الميليشيات المسلحة التي تستورد الأجير من الخارج وتدفع له بالعملة الصعبة، بينما المواطن الليبي يكافح للحصول على دولار واحد من السوق السوداء لتأمين لقمة عيشه.

وتطرح هذه الواقعة أسئلة مقلقة لا مفر من الإجابة عليها: كيف دخل هؤلاء المقاتلون إلى ليبيا؟ ومن تعاقد معهم؟ ومن يدفع لهم اليوم؟ وبأي صفة يقيمون داخل معسكر عسكري ليبي؟ ولماذا يسمح لهم بحمل السلاح والتجمع في قلب طرابلس دون حسيب أو رقيب؟

هذه الأسئلة التي أثارتها الناشطة الحقوقية البارزة ليلى بن خليفة، تعكس حالة الغضب الشعبي من هذا الواقع المهين، إذ ترى بن خليفة أن المشهد لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد أزمة رواتب متأخرة، بل هو قضية سيادة وطنية بامتياز. وتؤكد أن تحديد صفة هؤلاء المقاتلين – سواء كانوا موجودين بموجب اتفاق رسمي، أو عبر شركة أمنية خاصة، أو كمقاتلين أجانب – هو واجب الدولة، الذي لا يمكن التهرب منه بتاتاً.

ويشير تقرير خبراء الأمم المتحدة الصادر في وقت سابق من هذا العام إلى استمرار وجود نحو ثلاثة آلاف مقاتل سوري في مواقع استراتيجية بطرابلس، بينها صلاح الدين وأبو سليم وقاعدة اليرموك العسكرية، إضافة إلى وجودهم في مصراتة.

هذا العدد الكبير من المقاتلين الأجانب، الذين جرى استقدامهم لدعم حكومة السراج، لا يزالون موجودين رغم مرور خمس سنوات وهو ما يؤكد أن وجودهم أصبح جزءاً من هيكل القوة الذي تديره الميليشيات المسلحة في غرب البلاد، والتي تستخدمهم كأداة ضغط وورقة مساومة لتعزيز نفوذها على حساب السيادة الوطنية ومقدرات الشعب.

تنصل حكومي مريع.. وبيان الدفاع يفاقم الأزمة

في مفارقة صارخة، سارعت وزارة الدفاع بحكومة الدبيبة منتهية الولاية إلى إصدار بيان تتنصل فيه من أي مسؤولية عن وجود هؤلاء المقاتلين، مؤكدة أن هذه الترتيبات تعود إلى مرحلة حكومة الوفاق وظروف الحرب الاستثنائية.

وجاء في البيان أن “تحميل وزارة الدفاع في حكومة الدبيبة أو قياداتها الحالية مسؤولية تلك الاتفاقيات أو نتائجها هو خلط واضح بين مراحل زمنية وسياسية مختلفة”، وأن “بعض هذه الملفات ارتبط باتفاقيات وتفاهمات دولية قائمة، وهي مسائل تتجاوز في طبيعتها اختصاص وزارة الدفاع الحالية”.

لكن هذا التنصل، الذي وصفه المحلل السياسي حسام الفنيش بـ”بيت القصيد” في الأزمة، لم يقنع أحداً، بل زاد من حالة الغضب والاستياء في الشارع الليبي. فالقول بأن هذه الترتيبات استثنائية ومؤقتة لا يفسر سبب استمرار بعضها بعد سنوات على انتهاء الحرب، كما أن الاتفاقيات السابقة لا تلغي مسؤولية السلطة القائمة عن مراجعة نتائجها وتحديد مدى استمرارها، خاصة عندما تتحول هذه المجموعات إلى كتلة ضغط مالية وأمنية تهدد الاستقرار وتستنزف الميزانية العامة.

ويتساءل الفنيش في تحليله الناقد: “إذا كانت تلك الترتيبات استثنائية ومؤقتة فلماذا استمر بعضها؟ ومن يملك القرار السيادي لإنهائها؟ وهل أصبحت الاتفاقيات السابقة غطاءً سياسياً لاستمرار واقع أمني فرضته ظروف الحرب؟”

ويذهب الفنيش إلى أبعد من ذلك في نقده لحالة الدولة في ليبيا، واصفاً إياها بـ”مملكة المنتظرين” حيث الدولة قائمة بأسمائها ومؤسساتها لكنها غائبة عن حياة المواطن، فلا يشعر بأن القانون أقوى من السلاح، ولا بأن المؤسسة أقوى من الشخص، ولا بأن مستقبله يتوقف على إرادته الوطنية وليس على هوية من يملك النفوذ في تلك اللحظة.

وهذا الغياب للدولة هو الذي سمح للمرتزقة بأن يتظاهروا في شوارع العاصمة، بينما يظل المواطن الليبي يبحث عن معنى الدولة في انقطاع الكهرباء وشح الدولار وتآكل القوة الشرائية لديناره.

استنزاف المال العام.. والمرتزقة يتقاضون الدولار بينما الليبي يئن تحت وطأة التضخم

على الصعيد الاقتصادي، يكشف هذا الملف عن واحدة من أكبر فضائح هدر المال العام في تاريخ ليبيا، حيث تُصرف رواتب بالملايين من العملة الصعبة لمقاتلين أجانب لا يقدمون أي قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، بينما يعاني الليبيون من أقسى أزمة معيشية منذ سنوات.

ويؤكد الخبير الاقتصادي يوسف يخلف مسعود أن دفع رواتب للمرتزقة يمثل “عبثاً بمقدرات البلد” واستنزافاً لموارد البلاد من العملات الأجنبية، مشيراً إلى أن حجم العملات الأجنبية التي تنفق على هذه المجموعات “يكتنفه الغموض وانعدام الشفافية”، إذ لا توجد بيانات واضحة بشأن إجمالي المرتبات، أو أسس تحديدها، أو المصروفات المرتبطة ببقائها من إعاشة ووقود وسيارات وأسلحة وذخائر ورعاية صحية.

ويضيف مسعود أن حصول هؤلاء المرتزقة على دخل بالعملة الصعبة، في ظل تراجع قيمة الدينار، يضعهم في مستوى معيشي أفضل من كثير من الليبيين الذين يواجهون التضخم وتآكل مدخراتهم، معتبراً أن المقاتلين “يمارسون دور ابتزاز للدولة” رغم تقاضي أفرادهم مرتبات بالدولار. ويشير إلى أن ظهور هذه المجموعات المسلحة في مظاهرات علنية “أمام الليبيين والعالم” يمثل “إدانة لصناع القرار المحليين”، داعياً إلى محاسبة هؤلاء المقاتلين قضائياً، وكشف الجهات التي تستقدمهم وتدفع لهم.

وبحسب بيانات مصرف ليبيا المركزي، بلغ إجمالي الإنفاق على وزارة الدفاع والجهات التابعة لها خلال سنة 2025 نحو 4.8 مليار دينار ليبي، منها 4.31 مليار دينار للرواتب. ورغم هذا الإنفاق الضخم، لا توجد أي فقرة تشرح أوجه صرف تلك المبالغ على المرتزقة الأجانب، مما يطرح تساؤلات حول مصير هذه الأموال وحجم الفساد المستشري في مؤسسات الدولة التي تديرها الميليشيات والنافذون في حكومة الدبيبة.

سخرية البركي وهتافات الشارع.. صرخة مواطن تشعل منصات التواصل

في منشور لها على فيسبوك، ضربت الباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي وتراً حساساً في وجدان الليبيين، عندما تساءلت بسخرية لاذعة: “يعني أنا لو خذيت الجنسية السورية نقدر نحصل وظيفة في طرابلس الغرب بـ2000 دولار شهري؟ يحسبوني زعمه حسبة الزلمات؟ يعني هو البلاء فينا أو في الجنسية الليبية؟”.

وتساءلت البركي عن سر استحقاق الأجنبي لهذا الراتب الشهري الذي يتجاوز دخول الكثير من العائلات الليبية، بينما الليبي الأصيل يعاني انقطاع الكهرباء وندرة السيولة. واستنكرت صمت المواطنين إزاء هذا التناقض الصارخ، متسائلة: “كيف الأجنبي يتظاهر على تأخر الرواتب والليبي راضي بقطع الكهرباء وندرة السيولة؟”، مؤكدة رفضها القاطع لأي محاولات لتوطين هؤلاء المرتزقة في البلاد.

ومع انتشار خبر احتجاج المرتزقة، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بتعليقات غاضبة وساخرة من الليبيين الذين لم يصدقوا أن بلادهم وصلت إلى هذا المستوى من الانحطاط.

فكتب أحد المغردين: “مرتزقة سوريين دايرين مظاهرة في ليبيا والمظاهرة تحت حماية مرتزقة سوريين مسلحين”، وأضاف آخر: “الاعمار والبناء وزيادة رواتب مواطن ليبي إنفاق موازي.. ورواتب مرتزقة سوريين ومليشيات بند أساسي في الميزانية”.

وقال ثالث ساخراً: “اي امر مليشيا جايب مرتزقة سوريين يخلصهم من زك ام جيبه ولا يخلصهم الحم… شن دخل الخزانة العامة متع ليبيا بس”.

وتطرقت التعليقات إلى التناقض الأمني المذهل، حيث كتب أحد الناشطين: “رتل من مصراتة جاي لطرابلس بدباباته وهاوزراته، ورتل من الزنتان نازل لطرابلس، كله شلك ومصفح، والمشتركة جايّة من مصراتة لطرابلس، وفي الأخير طلع اللي مسيطر مرتزقة سوريين، وطالعين بسلاحهم، وأبو الغضب ماسكلهم عصا، وما فيش حد قدر يقول معاهم حتى كلمة”.

وأضاف آخر: “المليشيات وجدت لإرهاب الشعب وسرقة ثرواته، فقط لا غير”، في إشارة واضحة إلى الدور الذي تلعبه هذه التشكيلات في حماية نظام الفساد القائم مقابل تقاسم الغنائم.

الفنيش يضع النقاط على الحروف.. الجغرافيا قدر استراتيجي والتبعية ليست مصيراً

في تحليل استراتيجي عميق، عاد المحلل السياسي حسام الفنيش ليؤكد أن الأزمة الليبية ليست مجرد أزمة أمن أو اقتصاد، بل أزمة عقل دولة، حيث غابت المؤسسات وحل محلها منطق الميليشيات والتبعية الخارجية.

وشدد الفنيش على أن استمرار وجود المرتزقة في ليبيا ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة لسياسات خاطئة وضعف في الإرادة السياسية، داعياً إلى تحويل الجغرافيا التي تفرضها الحدود من مصدر تهديد إلى رأس مال استراتيجي عبر بناء علاقات تعاون مستقرة مع دول الجوار، تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

وأكد أن التعاون الوثيق مع الجوار لا يعني التخلي عن المصلحة الوطنية، بل على العكس، المصلحة الوطنية هي التي تحدد حدود التعاون وأهدافه، مشيراً إلى أن الدولة تستطيع أن تكون قريبة من جيرانها ومتعاونة معهم وفي الوقت نفسه تحتفظ باستقلال قرارها وسيادتها.

وأضاف الفنيش أن “الجوار قدر جغرافي، أما تحويل هذا القدر إلى شراكة استراتيجية فهو قرار سياسي بحاجة إلى عقل الدولة الاستراتيجي”، في إشارة إلى أن ليبيا بحاجة إلى رؤية وطنية واضحة تستند إلى مصلحة الشعب أولاً، وليس إلى أجندات الميليشيات التي تستورد الأجير وتستنزف المال العام وتُبقي البلاد في حالة من الفوضى التي تخدم مصالحها الضيقة.

ماذا بعد؟.. خيارات صعبة بين استمرار التبعية واستعادة السيادة

إن ما حدث في طرابلس من احتجاج مسلح للمرتزقة السوريين، وما رافقه من تنصل حكومي وغضب شعبي، هو بمثابة إنذار أخير للسلطات الليبية بأن استمرار هذا الوضع غير مقبول ولا يمكن السكوت عنه.

فالمواطن الليبي الذي يئن تحت وطأة الأزمات المعيشية والخدمية، يرى بأم عينيه كيف تُصرف أمواله على من لا يحمل جنسيته، وكيف يحظى الأجنبي المسلح باهتمام ومكرمات لا يحصل عليها هو، وكيف أصبحت مؤسسات الدولة رهينة للميليشيات التي تستورد القوة الأجنبية لتكريس هيمنتها على حساب السيادة الوطنية.

لقد حان الوقت لأن يرفع الليبيون صوتهم عالياً ضد هذا العبث، وأن يطالبوا بمحاسبة كل من تسبب في جلب هذه المجموعات إلى بلادهم، أو سمح باستمرار وجودها، أو دفع لها رواتب بالعملة الصعبة من جيوبهم التي أنهكتها الأزمات.

وسيبقى السؤال الأكثر إلحاحاً الذي طرحته البركي وبني خليفة والفنيش وجماهير الليبيين على منصات التواصل: لمن هذه البلاد؟ هل هي لنا نحن الليبيين، أم لمن يحمل السلاح ويتقاضى الدولار ويقطع الشوارع متحدياً الدولة وأهلها؟ وإلى أن تجيب السلطة القائمة عن هذا السؤال بوضوح، وإلى أن تتخذ قرارات جريئة لإنهاء هذا الوجود الأجنبي المشين، ستظل ليبيا أسيرة مملكة المنتظرين، ينتظر مواطنها دولة تعيد له اعتباره، ويترقب مرتزقتها رواتبهم التي لن تجف طالما استمرت الميليشيات في سرقة مقدراته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى