ليبيا تلفظ أنفاسها الأخيرة وسط صراع النخبة وتآكل الدولة.. والحل بأيدي الشعب
"هجمات الزاوية النفطية ترسم خرائط خطر جديدة.. والاستثمار الأجنبي على حافة الهاوية"
ليبيا 24:
ليبيا على حافة الانهيار.. بين تآكل الدولة وصراع النخبة وغياب الاستقرار
المشهد الليبي يزداد قتامة في ظل انهيار الخدمات وتفشي الفوضى
في تطورات مثيرة للقلق تعكس واقعاً ليلياً مريراً، تواصل ليبيا نزيفها الداخلي على أكثر من صعيد، بين انهيار متسارع للخدمات الأساسية، وتدهور أمني خطير يهدد المنشآت النفطية الحيوية، وسط مشهد سياسي مشتت تعصف به صراعات النخبة وتغيب عنه إرادة الإنقاذ.
ويبدو أن البلاد التي راهنت على ثورتي سبتمبر وفبراير كبوابات للحرية والكرامة، تجد نفسها اليوم في عناية مركزة، تلفظ أنفاسها الأخيرة بين أيدي متناحرة لا تهمها سوى مصالحها الضيقة.
الشعب الليبي يئن تحت وطأة الفقر والحرمان
يعيش المواطن الليبي اليوم أوضاعاً معيشية كارثية، حيث تحولت متطلبات الحياة الأساسية إلى رفاهية لا يستطيع تحقيقها إلا القلة.
فالماء أصبح سلعة باهظة الثمن تباع بالدينار، والكهرباء انقطعت عن معظم المناطق الغربية، والخضراوات ارتفعت أسعارها بشكل جنوني، في مشهد يعيد إلى الأذهان التساؤلات المشروعة: هل من أجل هذا خرج الليبيون في ثوراتهم؟ هل كان الحرية هدفاً أم كان الطريق إلى حياة كريمة؟
ويزداد المشهد مأساوية مع تردي الخدمات الصحية والتعليمية، حيث يعيش النازحون والمهجرون أوضاعاً أكثر قسوة، فلا تعليم لأبنائهم، ولا علاج لمرضاهم، في وقت تستمر فيه حكومات العار في صرف الأموال على مليشياتها ومشاريعها الفاسدة، متجاهلة الحقوق الأساسية للمواطنين.
صرخة في وجه الفاسدين.. لماذا لا يستغني الليبيون عن مئة ألف؟
في خطاب جريء يعكس حالة الغضب الشعبي المتراكمة، يطرح الليبيون سؤالاً مصيرياً: لماذا لا يستغني الشعب الليبي عن مئة ألف من أبنائه ممن تحولوا إلى مليشيات مسلحة وسراق ومجرمين وزراع فتنة ومدفوعي الأجر وخونة وعملاء، من أجل أن يعيش ستة ملايين مواطن بسلام وأمان؟
وهذا السؤال وإن كان يحمل في طياته مرارة كبيرة، إلا أنه يعكس حالة من الإحباط العميق من تفشي ظاهرة المليشيات المسلحة التي أصبحت تهدد النسيج الاجتماعي وتقوض جهود أي بناء دولة.
الانفلات الأمني يعيد إنتاج الإرهاب
في تحذير يبعث على القلق، كان المحلل السياسي الدكتور خالد الحجازي قد سبق وأن حذر من عودة نشاط الجماعات المتطرفة في ليبيا بفعل الانفلات الأمني ودعم بعض أطراف النزاع لتلك الجماعات.
واليوم، وبعد أن بدأ مسلسل الاغتيالات، يلوح في الأفق تمدد هذه الظاهرة إلى طرابلس وباقي المدن، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الأجهزة الأمنية على مواجهة هذا التحدي.
الزاوية تحت النار.. طائرات مسيرة تستهدف منشآت حيوية
في تطور يهدد الاقتصاد الوطني بأكمله، شهدت مدينة الزاوية غرب البلاد هجمات بطائرات مسيرة غامضة استهدفت منشآت نفطية حيوية، ما أدى إلى انقطاع واسع للتيار الكهربائي وأضرار جسيمة في مصفاة الزاوية النفطية.
هذه الهجمات التي لم تتبنها أي جهة بعد، تطرح علامات استفهام كبيرة حول الجهة التي تقف وراءها، وحول الرسائل التي تحاول إيصالها في هذا التوقيت الدقيق.
تحذيرات من تداعيات استراتيجية على الاستثمار الأجنبي
في هذا السياق، حذر المحلل السياسي الدكتور خالد محمد الحجازي من تداعيات هذه الهجمات على بيئة الاستثمار في ليبيا، مؤكداً أن الرسالة التي تصل إلى الشركات الأجنبية ليست مجرد وجود مشكلة أمنية في مدينة معينة، بل أن بيئة الاستثمار في ليبيا ما زالت غير مستقرة بشكل عام.
وقال الحجازي في تصريح صحفي رصدته ليبيا 24 إن “الشركات الدولية لا تنظر إلى حجم الاحتياطي النفطي الليبي فقط، ولا إلى الموقع الجغرافي المميز للبلاد، بل تضع أمامها معادلة واضحة: الأرباح المتوقعة مقابل مستوى المخاطر”، مشيراً إلى أن استمرار هذه الحوادث قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين، وزيادة كلفة التشغيل، وتأجيل مشاريع جديدة.
وأضاف الحجازي أن الخطر الأكبر لا يتمثل بالضرورة في خروج جماعي للشركات الأجنبية، بل في إحجام شركات جديدة عن الدخول أصلًا إلى السوق الليبي، وهذا يمثل خسارة استراتيجية للبلاد التي تحتاج اليوم إلى استثمارات ضخمة في النفط والغاز والكهرباء والموانئ والطرق والاتصالات والمياه، وتحتاج إلى التكنولوجيا والخبرات الأجنبية لرفع كفاءة قطاعاتها الاقتصادية.
خريطة الفوضى تتسع ومستقبل البلاد في مهب الريح
وسط هذه التطورات المتسارعة، يبدو المشهد الليبي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، فبين انهيار الخدمات وتفشي الفوضى الأمنية وتراجع الاستثمار الأجنبي واستمرار صراعات النخبة، يدفع المواطن الليبي الثمن غالياً في كل مرة، بينما تتنازع المليشيات والجماعات المسلحة على النفوذ والثروة.
وتظل الأسئلة المصيرية قائمة: هل يدرك الليبيون أن الحل بأيديهم؟ وهل سيتجاوزون خلافاتهم لينقذوا وطنهم من الهاوية؟ أم أن ليبيا ستواصل نزيفها حتى تصل إلى نقطة اللاعودة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة عن هذه الأسئلة التي تحدد مستقبل البلاد بأكمله.



