“العطش” يضرب ليبيا في صيف حارق.. ومياه الشرب تختفي من الأسواق وسط ارتفاع جنوني للأسعار
من أرفف فارغة إلى ظلام شامل: أزمة مياه وكهرباء تخنق ليبيا وسط غضب شعبي متصاعد
ليبيا 24
الماء يغيب والكهرباء تنهار: حكومة الدبيبة تترك الليبيين في صيف ملتهب بلا ضرورات الحياة
في مشهد يعكس عمق الأزمة الخدمية التي تعصف بليبيا، تحولت أرفف متاجر بيع المياه في العاصمة طرابلس ومدن الغرب الليبي إلى مساحات شبه فارغة، بينما تضاعفت أسعار العبوات المتبقية بشكل صادم، في وقت يغرق فيه جزء واسع من البلاد في ظلام دامس جراء انهيار متكرر لمنظومة الكهرباء، وتوقف شبه كامل لإمدادات مشروع النهر الصناعي. هذه الأزمة المركبة لم تعد مجرد صدفة موسمية، بل باتت عنواناً لفشل حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية في إدارة أبسط مقومات الحياة اليومية للمواطن الليبي، الذي وجد نفسه وحيداً في مواجهة عطش صيف قائظ وفوضى خدمية بلا أفق.
أرفف فارغة وأسعار ملتهبة
رصدت منصات التواصل الاجتماعي تفاصيل الأزمة على الأرض، موضحة أن أرفف متاجر بيع المياه أصبحت شبه خالية، بينما تضاعفت أسعار المياه المعبأة خلال أيام قليلة. وبيّنت أن سعر العبوة التي تضم اثنتي عشرة زجاجة سعة نصف لتر ارتفع من خمسة دنانير إلى عشرة دنانير، “هذا إن وُجدت أصلاً”، في إشارة إلى ندرة السلعة ذاتها.
كما بث ناشطون تسجيلاً مصوراً لمواطن يعبر عن استغرابه من ارتفاع سعر عبوة المياه سعة سبعة لترات إلى أربعة دنانير مقابل دينارين اثنين في عدد من المحال التجارية، بالتزامن مع موجة الحر الشديدة التي تشهدها البلاد.
هذه الأرقام ليست مجرد أرقام في تقارير اقتصادية جافة، بل هي انعكاس مباشر لمعاناة يومية يعيشها الليبيون الذين باتوا يقفون في طوابير بحثاً عن مياه الشرب، فيما تتحول أبسط احتياجاتهم إلى رفاهية بعيدة المنال.
وتؤكد المؤشرات الميدانية أن الأزمة لم تقتصر على ارتفاع الأسعار، بل امتدت إلى الاختفاء الفعلي لسلعة استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها، وهو ما يهدد بكارثة صحية وإنسانية إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
غضب الشارع الليبي: سخرية مريرة واتهامات مباشرة
على منصات التواصل الاجتماعي، تحولت الأزمة إلى مادة خصبة للتعبير عن الغضب الشعبي المتراكم، حيث تداول ناشطون تصريحاً منسوباً إلى رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة يقول فيه إن “مياه النهر تكلفنا أموالاً ولابد أن نبيعها للمواطن ونستفيد منها”، وهو التصريح الذي قوبل بموجة من الاستهجان والسخرية اللاذعة.
وتنوعت تعليقات المواطنين بين الغضب الصريح والسخرية المرة. فقد ذهب مغردون إلى حد وصف الحكومة بأنها “فاسدة” وحمّلوها مسؤولية “دمار ليبيا”، مستحضرين عبارات الدعاء بالانتقام.
وأشار آخرون إلى أن ليبيا تصدّر المياه إلى تونس بينما يعاني مواطنوها من نقصها، في مفارقة وصفوها بالمؤلمة. واستنكر مواطنون رفع الأسعار معتبرين إياه سلوكاً احتكارياً لا يمت بصلة إلى واجب الدولة في سقي الماء، مستشهدين بأن “خير الصدقة سقي الماء” بينما الحكومة ترفع الأسعار يوماً بعد يوم.
وفي تعليق ساخر، قلل مواطن من أهمية المياه المعبأة قائلاً: “غابت والله قعدت ما ضرتنا في شي، اهو عايش ونشرب في شاهي خضرة”، في إشارة إلى أنهم يستبدلون الماء بالشاي الأخضر. بينما رأى آخرون أن المياه متوفرة لكن بأسعار مبالغ فيها. وتنبأ ساخرون بأن الدور قادم على البترول والمحروقات لتختفي هي الأخرى من ليبيا، في إسقاط مرير على تدهور الخدمات الأساسية بشكل متسلسل.
هذه التعليقات، رغم اختلاف نبراتها، تجمع على حقيقة واحدة: أن المواطن الليبي لم يعد يثق في قدرة الحكومة منتهية الولاية على توفير الماء والكهرباء، وأن السخرية أصبحت الملاذ الأخير للتعبير عن إحباط عميق من واقع يزداد سوءاً.
تفسيرات رسمية وخبيرة: بين الكهرباء والوقود وتجار الأزمات
في مقابل غضب الشارع، تباينت التفسيرات الرسمية لارتفاع أسعار مياه الشرب. فقد عزا رئيس الاتحاد العام لحماية المستهلك في ليبيا، أحمد الكردي، ارتفاع الأسعار في طرابلس إلى تداعيات أزمة الكهرباء ونقص وقود الديزل اللازم لتشغيل المصانع، نافياً أن تكون المصانع نفسها وراء زيادة الأسعار. وأوضح الكردي أن الانقطاعات المتكررة للكهرباء، وعدم توافر كميات كافية من الوقود لتشغيل المولدات، رفعا تكاليف الإنتاج وأعاقا المصانع عن تلبية الطلب المتزايد خلال فصل الصيف.
وحمل الكردي الشركة العامة للكهرباء وشركة البريقة لتسويق النفط مسؤولية تفاقم الأزمة، معتبراً أن الاستعداد لموسم الصيف كان يستوجب توفير الوقود للمصانع بأسعار مناسبة. وأشار إلى أن عدداً من أصحاب مصانع المياه اضطروا إلى شراء الديزل من السوق الموازية، بسبب محدودية الكميات المتاحة، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار المياه في الأسواق.
غير أن هناك من الليبيين من ألقى باللائمة على من وصفوا بـ”تجار الحروب والأزمات” في استغلال معاناة المواطنين لتحقيق الأرباح. وهي رؤية الكاتب الصحفي، بشير زعبية، الذي قال في منشور عبر منصات التواصل الاجتماعي إن بعضهم لجأ إلى إخفاء السلع الأساسية ورفع أسعارها، مؤكداً أن مياه الشرب لم تسلم من هذه الممارسات، وأن المواطن بات يدفع وحده ثمن الفوضى والفساد وغياب الدولة، في ظل تراجع القدرة على احتواء الأزمات المعيشية.
وبين هذين التفسيرين، يبقى المواطن الليبي ضحية مزدوجة: ضحية انهيار البنية التحتية وسوء إدارة الموارد من جهة، وضحية جشع بعض التجار وانعدام الرقابة الفعالة من جهة أخرى.
انهيار المنظومة: النهر الصناعي يتوقف والكهرباء تغرق في الظلام
لم تتوقف الأزمة عند صعوبة الحصول على مياه الشرب، بل امتدت إلى أبسط متطلبات الحياة اليومية. وفي هذا السياق، أوضح مواطن ليبي التقتاه مراسل ليبيا 24، أنه يتجشم معاناة يومية للتمكن من الاستحمام منذ توقف إمدادات النهر الصناعي، وأن حتى الوضوء للصلاة أصبح بالغ الصعوبة، في صورة قاتمة لواقع يفتقد فيه المواطن إلى الماء الجاري في منزله.
وسبق أن أعلن جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي تعرض بعض منظوماته لانقطاع كهربائي جديد، هو الرابع خلال أسبوع، ما أدى إلى توقف آبار رئيسية واضطراب إمدادات المياه. وأكد الجهاز أن الأعطال خارجة عن مسؤوليته، قبل أن يتم إعادة تشغيل الآبار تدريجياً وخفض الإمدادات مؤقتاً لحماية المنظومة.
وفي تطور متصل، أعلن الجهاز عن خروج جميع محطات المنظومة التي يشرف على تشغيلها عن العمل بعد انقطاع الكهرباء، مؤكداً أن الانقطاع أدى إلى خروج جميع المحطات عن العمل انطلاقاً من منطقة حقول الآبار مروراً بمحطة الضخ ترهونة شمال غرب ليبيا وكذلك محطات أخرى.
وأكد الجهاز جاهزية جميع الفرق الفنية والهندسية للشروع في إعادة تشغيل المضخات والمحطات فور عودة الكهرباء، حفاظاً على استمرارية الإمداد وضمان وصول المياه للمواطنين.
أما على صعيد الكهرباء، فقد شهدت مناطق واسعة في ليبيا حالة ظلام تام بسبب انقطاع التيار الكهربائي، الأمر الذي أدى أيضاً إلى انقطاع التزود بالمياه إثر خروج عدد من المحطات عن الخدمة.
وشهدت المنطقتان الغربية والوسطى انقطاعاً للكهرباء وحالة ظلام تام تكررت مؤخراً وتعددت أسبابها، ما تسبب في حالة توتر شعبي واحتجاجات متواصلة نتج عنها قطع للطرقات في عدة مناطق.
وفي شمال ليبيا، أعلنت إدارة توزيع سرت بالشركة العامة للكهرباء خروج محطة الخمس عن الخدمة، ما أدخل المنطقة الوسطى في حالة ظلام تام من منطقة “اهراوة” الواقعة على الساحل الشرقي حتى سرت، وصولاً إلى أبوقرين والجفرة. ولم توضح إدارة التوزيع سبب انقطاع الكهرباء ودخول المنطقة في حالة ظلام تام، وسط تقارير محلية تحدثت عن انفجار قرب المحطة.
ويأتي هذا التطور في وقت تواجه فيه منظومة الكهرباء الليبية ضغوطاً متزايدة، وسط أعطال متكررة وخروج وحدات توليد ومحطات عن الخدمة، ما جعل أي خلل في منشآت رئيسية ينعكس سريعاً على مساحات واسعة من الشبكة.
وكانت الشركة العامة للكهرباء قد أعلنت في وقت سابق من أغسطس تخصيص خمسة محولات كهربائية بأحجام مختلفة لدعم شبكة توزيع المنطقة الغربية، في محاولة لتعزيز الشبكة وتحسين قدرتها على مواجهة الأعطال، لكن هذه الإجراءات بدت غير كافية أمام حجم الانهيار.
وقد فجرت هذه الانقطاعات المتكررة غضباً شعبياً وصل حد الاعتصام وغلق مؤسسات وهيئات حكومية ورسمية في العاصمة طرابلس، وتتواصل منذ أسابيع شملت أغلب المحافظات الليبية، كما تسببت في خسائر كبرى خاصة لدى التجار وأصحاب الشركات الصناعية.
القراءة الاقتصادية: فوضى طاقة وشيكة
في قراءة أوسع للأزمة، رأى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن ليبيا تقترب مما وصفه بـ”فوضى الطاقة”، معتبراً أن الأزمة لم تعد مقتصرة على المياه أو الكهرباء أو الوقود فحسب، بل أصبحت اختلالات مترابطة داخل منظومة واحدة. وأوضح أن تراجع إمدادات الغاز الطبيعي أدى إلى زيادة الاعتماد على الديزل لتشغيل محطات الكهرباء، ما خلق ضغوطاً متزامنة على الوقود والكهرباء والاقتصاد.
وحذر الشحاتي من أن استمرار اختلالات الدعم والتسعير، وارتفاع الطلب خلال فصل الصيف، قد ينقل الأزمة إلى الأسواق والمالية العامة، داعياً إلى إصلاح متكامل يشمل زيادة إنتاج الغاز، وتطوير المصافي، وتحسين كفاءة محطات الكهرباء، وتشديد الرقابة على تدفقات الوقود، بما يحد من الهدر والتهريب.
هذا التحليل الاقتصادي يكشف أن الأزمة الحالية ليست مجرد طارئ عابر، بل هي نتيجة منطقية لسنوات من الإهمال وسوء التخطيط وغياب الرؤية الاستراتيجية في إدارة قطاع الطاقة والمياه، وهو ما يجعل أي حلول ترقيعية غير قادرة على انتشال البلاد من هذه الدوامة.
البعد السياسي: أزمات تُدار عمداً؟
ذهبت الناشطة السياسية، نادية الراشد، إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن تكرار أزمتي المياه والكهرباء يتجاوز حدود الإخفاقات الخدمية، ويثير تساؤلات بشأن توقيته مع التحركات السياسية الرامية إلى إنهاء الانقسام في ليبيا. ولم تستبعد الراشد وجود أطراف تسعى إلى إدارة البلاد بالأزمات، مشيرة إلى أن قوى رافضة لأي تسوية، من بينها تيارات وصفتها بـ”المتطرفة”، لا تزال تتمتع بنفوذ داخل مؤسسات وأروقة السلطة في غرب البلاد.
وانتهت الراشد إلى توجيه انتقادات حادة إلى الحكومة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، عادة أنها أخفقت في إدارة الأزمات المعيشية، وقالت إن أولويات المسؤولين لا تعكس حجم معاناة المواطنين.
هذه القراءة السياسية تفتح الباب أمام سيناريوهات مقلقة، إذ يبدو أن الأزمة الخدمية قد تكون ورقة ضغط في صراع أوسع على السلطة، بينما يدفع المواطن الليبي الثمن الأكبر في هذا الصراع الخفي، حيث يتحول عطشه وظلامه إلى أدوات في أيدي أطراف لا تكترث بمعاناته.
تحذيرات دولية: من الاستقرار إلى النزاعات
في غضون ذلك، أصدرت دول كولومبيا والدنمارك وفرنسا واليونان ولاتفيا وليبيريا وبنما وبريطانيا بياناً مشتركاً قبيل إحاطة مجلس الأمن الدولي، حذرت فيه من أن تفاقم أزمة المياه والمخاطر المناخية في ليبيا قد يقوض الاستقرار ويزيد النزاعات المحلية على الموارد ويضعف مؤسسات الدولة.
وأوضح البيان أن شح المياه دفع ليبيا إلى الاعتماد بشكل كبير على المياه الجوفية غير المتجددة.
ولفت البيان إلى أن تقادم البنية التحتية يضغط على منظومة النهر الصناعي العظيم بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وعدم انتظام هطول الأمطار. وأشار إلى أن القطاع الزراعي يشغل أقل من 2% من مساحة ليبيا لكنه يستهلك الجزء الأكبر من مواردها المائية، في خلل بنيوي يفاقم أزمة المياه.
كما أشار البيان إلى أن فيضانات درنة عام 2023 كانت أبرز مثال على تحول المخاطر المناخية إلى كارثة إنسانية بفعل ضعف البنية التحتية والانقسام المؤسسي. وحذر من استمرار الجفاف والنزوح وانعدام الأمن الغذائي في جنوب ليبيا وتحول الضغوط المناخية إلى عامل يزيد هشاشة المجتمعات المحلية.
ونبه البيان إلى تقاطع الجفاف والضغوط المناخية في الجنوب مع الحركة عبر الحدود والرعي وشبكات التهريب والاتجار والجماعات المسلحة، مما يجعل الأزمة المائية بعداً أمنياً خطيراً يتجاوز حدود الخدمات.
ودعت الدول الموقعة على البيان إلى تسريع تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي في ليبيا 2026–2050 وتوفير دعم دولي مالي وفني لمعالجة استنزاف المياه الجوفية وفجوات البنية التحتية.
كما طالبت بتعزيز التعاون مع دول الجوار في إدارة الموارد المائية المشتركة ومن بينها خزان الحجر الرملي النوبي لمنع تحولها إلى مصدر للتوتر. ورحب البيان باعتماد ليبيا في يوليو 2026 أول إطار استراتيجي للمناخ في إطار اتفاق باريس، داعية إلى توحيد إدارة مخاطر المناخ والكوارث بدل تشتتها بين السلطات.
هذه التحذيرات الدولية، رغم طابعها الدبلوماسي، تحمل رسالة واضحة: إن استمرار هذا الوضع قد يحول ليبيا إلى ساحة لصراعات جديدة على الموارد، في وقت لا تزال فيه البلاد تبحث عن حلول سياسية تنهي سنوات الانقسام، بينما تتزايد المخاوف من أن تتحول الأزمات الخدمية إلى عامل إضافي يفاقم حالة الاحتقان الشعبي.
المواطن يدفع الثمن والحكومة غائبة
في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الواضحة أن المواطن الليبي هو من يدفع ثمن كل هذه الإخفاقات، بينما تتقاذف الجهات المسؤولية وتتبادل الاتهامات. فبينما يخرج المسؤولون بتصريحات متضاربة حول أسباب الأزمة، يظل المواطن بلا ماء للشرب، بلا كهرباء لإنارة منزله، بلا قدرة على الاستحمام أو حتى الوضوء للصلاة في كثير من الأحيان.
إن غياب الرؤية الحكومية الجادة في معالجة أزمة المياه والكهرباء، وعدم محاسبة المقصرين، والسماح لتجار الأزمات بالاستفادة من معاناة الناس، كلها مؤشرات على أن حكومة الدبيبة منتهية الولاية لم تعد قادرة على الوفاء بأبسط واجباتها تجاه الليبيين. والأخطر من ذلك أن هذه الأزمة قد تتحول إلى شرارة لانفجار اجتماعي أوسع، إذا لم يتم التعامل معها بجدية وشفافية.
إن المواطن الليبي المكلوم، الذي صبر طويلاً على انقطاع الكهرباء وشح المياه وارتفاع الأسعار، لم يعد يملك سوى صبره المرهق وسخريته المرة. والسؤال الذي يبقى بلا إجابة: إلى متى سيظل هذا المواطن وحيداً في مواجهة عطشه وظلامه، بينما تتلاشى وعود الحكومة في أدراج الفشل والفساد؟



