ليبيا

الاقتصاد الليبي بين وفرة الموارد وأزمة الإدارة

وفرة النفط والاحتياطيات لا تمنع العجز وسط تضارب البيانات وضغط الإنفاق

يواجه الاقتصاد الليبي اختلالات مالية ونقدية متراكمة لا تبدو مرتبطة بنقص الموارد بقدر ارتباطها بضعف إدارة الإيرادات والإنفاق، وتضارب البيانات بين المؤسسات، واستمرار الانقسام السياسي والمؤسسي.

ويبرز ذلك في الضغوط على الدينار، وتزايد الاعتماد على الاحتياطيات الأجنبية، وارتفاع فاتورة استيراد المحروقات، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد يعتمد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات والصادرات.

تحسن التجارة لا يعني تحسن المالية العامة

يحذر الباحث في الشأن السياسي والاقتصادي عبد الرحيم الشيباني من الخلط بين تحسن بعض مؤشرات الميزان التجاري وبين تحقيق تحسن فعلي في الموازنة العامة، مشيرًا إلى استمرار العجز والاعتماد على الإيرادات النفطية والاحتياطيات الأجنبية.

ويرى الشيباني أن استمرار العجز واللجوء إلى الاحتياطيات قد يزيدان الضغوط على سعر صرف الدينار، ويوسعان الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، خصوصًا مع محدودية قدرة مصرف ليبيا المركزي على إدارة سياسة نقدية متكاملة في ظل الانقسام المؤسسي.

وتكشف هذه المعطيات أن أزمة سعر الصرف ليست مشكلة نقدية منفصلة، وإنما نتيجة لاختلالات أوسع في المالية العامة وإدارة الإيرادات والإنفاق والتجارة الخارجية.

أزمة البيانات تعرقل القرار الاقتصادي

من أبرز جوانب الأزمة غياب قاعدة بيانات اقتصادية موحدة وشاملة. فبحسب الشيباني، توجد فروق بين بعض الأرقام الصادرة عن وزارة الاقتصاد وتلك الواردة في بيانات ومراسلات مصرف ليبيا المركزي، بما يثير تساؤلات حول نطاق البيانات ومصادرها.

وأشار إلى اختلاف في تقديرات الإيرادات خلال الأشهر الأولى من العام، مؤكدًا أن الاقتصاد الليبي، الذي تعتمد صادراته بأكثر من 95% على النفط وفق المعلومات الواردة، يحتاج إلى أرقام موحدة ودقيقة بشأن الإيرادات والصادرات والنقد الأجنبي والإنفاق العام.

ويعني استمرار هذا التباين أن المشكلة لا تقتصر على ضعف الأداء الاقتصادي، بل تمتد إلى صعوبة قياسه أصلًا، وهو ما يحد من قدرة الدولة على بناء سياسات مالية ونقدية تستند إلى مؤشرات موثوقة.

الاحتياطيات ليست بديلًا عن الإصلاح

يحذر الشيباني من التعامل مع الاحتياطيات الأجنبية باعتبارها مصدرًا دائمًا لتمويل العجز، مؤكدًا أن ارتفاع حجمها لا يعني إمكانية السحب منها بصورة متكررة لتغطية الإنفاق الجاري.

وتزداد المخاطر مع ارتفاع فاتورة استيراد المحروقات، التي أشار إلى وصولها إلى نحو 1.4 مليار دولار خلال شهر واحد، وهو مستوى قد يؤدي، إذا استمر، إلى تجاوز الفاتورة السنوية 12 مليار دولار. ويؤدي ذلك إلى استنزاف النقد الأجنبي وتقليص قدرة المصرف المركزي على تمويل الالتزامات الأخرى.

ومن زاوية نقدية، فإن استمرار تمويل الإنفاق الجاري من الاحتياطيات يؤجل معالجة الاختلال بدلًا من إنهائه، ويحوّل الأصول المتراكمة إلى أداة لمعالجة عجز متكرر.

الوقود يكشف خللًا أعمق في الاقتصاد

لا تتوقف مشكلة المحروقات عند ارتفاع تكلفة الاستيراد، إذ يطرح المستشار الاقتصادي محمد الطاهر تساؤلات حول العلاقة بين حجم المنتجات المستوردة ومعدلات الاستهلاك الفعلية داخل ليبيا.

ويربط الطاهر بين فروق الأسعار واحتمالات تهريب الوقود أو إعادة تصديره بصورة غير رسمية، داعيًا إلى إعادة تصميم منظومة الدعم بحيث تصل إلى المواطن المستحق، بدلًا من أن تتحول إلى مصدر للاستفادة غير المستهدفة.

ويمثل ملف الوقود نموذجًا واضحًا لمشكلة الاقتصاد الليبي: الدولة تنفق موارد كبيرة لتوفير سلعة مدعومة، لكنها لا تمتلك بالقدر الكافي أدوات الرقابة التي تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه.

الإنفاق العام في قلب أزمة الدينار

يتفق الطرحان اللذان قدمهما الشيباني والطاهر على أن معالجة سعر الدولار في السوق الموازية لا يمكن اختزالها في تغيير سعر صرف الدينار أو زيادة السيولة.

ويؤكد الشيباني أن زيادة عرض النقود لم تعالج أصل المشكلة، بينما يرى الطاهر أن ضبط الإنفاق العام وإعادة تنظيم القطاع المصرفي واستعادة الثقة في النظام المالي تمثل مداخل أساسية لمعالجة الاختلالات النقدية.
وبالتالي، فإن معالجة سوق الصرف عبر أدوات نقدية منفردة تبدو محدودة الأثر ما لم تترافق مع إصلاح مالي يضبط حجم الإنفاق ومصادر تمويله.

غياب التنويع يحول النفط من فرصة إلى نقطة ضعف

يرى الطاهر أن استمرار الاعتماد على النفط والغاز يمثل نقطة ضعف هيكلية، رغم امتلاك ليبيا فرصًا لتطوير قطاعات صناعية وإنتاجية بديلة.

ويطرح في هذا السياق زيادة قدرات التكرير المحلية، وتطوير مصافي الزاوية وطبرق وإعادة تشغيل مصفاة رأس لانوف، بما يسمح بتقليل الاعتماد على استيراد المنتجات النفطية وزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد الليبي.

وهنا تبدو المفارقة الاقتصادية أكثر وضوحًا: ليبيا تصدر الخام وتدفع في المقابل مليارات الدولارات لاستيراد منتجات نفطية، بينما يمكن للاستثمار في قدرات التكرير أن يحول جزءًا من هذه الفاتورة من استنزاف للنقد الأجنبي إلى قيمة مضافة محلية.

الانقسام السياسي يبدد الخطط الاقتصادية

لا تنفصل الاختلالات المالية عن البيئة السياسية. ويربط الطاهر بين تكرار الحكومات المؤقتة وضعف الاستمرارية في الخطط الاقتصادية، معتبرًا أن تغير السلطات التنفيذية يعرقل تنفيذ المشروعات الاستراتيجية في النفط والتكرير والصناعة والتنمية.

كما أن استمرار الإنفاق خارج إطار ميزانية موحدة يضعف القدرة على ضبط الإيرادات والنفقات، ويجعل السياسة المالية أكثر عرضة للتجاذبات المؤسسية، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى قاعدة إنفاق واضحة ومستقرة.

تضخم الجهاز الحكومي يضغط على الإنتاج

يشير الطاهر إلى تجاوز عدد العاملين في القطاع الحكومي مليوني شخص وفق الأرقام التي استند إليها، معتبرًا أن تضخم الجهاز الإداري واستيعاب المواطنين في وظائف غير منتجة يضيفان أعباء مستمرة على المالية العامة.

ويطرح بديلًا يقوم على خلق فرص إنتاج حقيقية في الصناعة والزراعة والخدمات والطاقة والصناعات المرتبطة بالنفط والغاز، بما يسمح بتقليل الاعتماد على الوظيفة الحكومية وتحويل الإنفاق من بند استهلاكي إلى نشاط اقتصادي منتج.

الإصلاح يبدأ بتوحيد القرار والبيانات

تكشف مجمل الطروحات أن الأزمة الاقتصادية الليبية لا يمكن اختزالها في سعر الدولار أو نقص السيولة أو حجم الاحتياطيات. جوهر المشكلة يرتبط بتداخل السياسة بالاقتصاد، وغياب ميزانية موحدة، وتضارب البيانات، وضعف الرقابة على التجارة الخارجية، وارتفاع الإنفاق الجاري، واستمرار الاقتصاد الريعي.

ومن ثم، فإن أي معالجة مؤقتة لسعر الصرف أو السيولة ستظل محدودة ما لم تُدعَم بإصلاحات مالية ومؤسسية تعيد ضبط العلاقة بين الإيرادات النفطية والإنفاق العام، وتضمن وصول عوائد النفط إلى القنوات الرسمية، وتضع قواعد واضحة لإدارة الاحتياطيات والدعم والتجارة الخارجية.

وتبقى الأولوية أمام ليبيا في بناء منظومة اقتصادية موحدة للبيانات والقرار والرقابة، بالتوازي مع توجيه عائدات النفط نحو الاستثمار والإنتاج بدلًا من استهلاكها في الإنفاق الجاري. فالمعضلة، وفق ما تطرحه المعطيات، ليست في غياب الموارد بقدر ما هي في القدرة على إدارتها وتحويلها إلى استقرار مالي وتنمية مستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى