لقاء السيسي وحفتر في العلمين.. تشاور حول الأزمة الليبية واختبار للدور المصري في دفع التسوية
ليبيا 24- إدريس احميد
يأتي اللقاء الذي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالمشير خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني الليبي، في مدينة العلمين، في إطار التشاور وتبادل وجهات النظر حول تطورات الأزمة الليبية، وسبل دعم الأمن والاستقرار والدفع باتجاه حل ينهي حالة الانقسام التي تشهدها البلاد.
ويحمل اللقاء أهمية سياسية وأمنية، في ظل استمرار التعقيدات التي تواجه المسار الليبي، وتعدد المبادرات الرامية إلى الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، بينما لا تزال مسألة توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام الأمني والسياسي تمثل التحدي الأكبر أمام أي حل مستدام.
انفتاح على المبادرات.. والحل ليبي-ليبي
وتؤكد القيادة العامة للجيش الوطني الليبي انفتاحها على أي مبادرة جادة تستهدف حل الأزمة وتحقيق الاستقرار، وهو موقف ثابت عبّرت عنه منذ بداية الأزمة، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن الحل ينبغي أن يكون ليبيًا-ليبيًا، وأن يصدر عن إرادة وطنية بعيدًا عن فرض الحلول من الخارج.
ويأتي هذا الموقف متسقًا مع الحاجة إلى إيجاد مسار سياسي يجمع الأطراف الليبية حول رؤية مشتركة، ويضع مصلحة الدولة ووحدة مؤسساتها فوق الحسابات السياسية والمصالح الفئوية.
لكن طرح المبادرات، في حد ذاته، لا يبدو كافيًا لإنهاء الأزمة؛ فالتحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الأطراف المؤثرة على إقناع جميع القوى الليبية بالانخراط في مسار تفاوضي جاد والقبول بتسوية سياسية قابلة للتنفيذ.
هل تنجح القاهرة في إقناع الأطراف الأخرى؟
وهنا يبرز الدور المصري بصورة واضحة، إذ تطرح القاهرة نفسها باعتبارها طرفًا إقليميًا داعمًا لاستقرار ليبيا، وتمتلك علاقات واتصالات مع أطراف ليبية متعددة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع القاهرة إقناع الأطراف الأخرى بالتوافق، ولا سيما الأطراف التي لا تزال ترفض الوصول إلى حل أو تضع عراقيل أمام مسار التسوية؟
فنجاح أي مبادرة لن يتوقف على توافق طرف واحد معها، وإنما على قدرتها على جمع الأطراف المختلفة حول قواعد واضحة للحل، وضمان التزامها بمخرجاته.
وتزداد صعوبة المشهد مع استمرار وجود قوى وجماعات مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة، وما يترتب على ذلك من حالة من الفوضى والانقسام الأمني، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على إمكانية تحقيق تسوية سياسية مستقرة.
الأمن.. مدخل أساسي لمعالجة بقية الملفات
ومن هذا المنطلق، يبرز الملف الأمني باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لأي حل شامل للأزمة الليبية.
فاستمرار الانقسام الأمني ووجود السلاح خارج إطار مؤسسات الدولة يجعلان من الصعب الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة أو تنفيذ مخرجاتها على الأرض. ولذلك، فإن معالجة الوضع الأمني، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وبسط سلطة الدولة، تبدو ملفات لا يمكن فصلها عن المسار السياسي.
وبحسب هذه الرؤية، فإن تحقيق قدر من الاستقرار الأمني يمكن أن يفتح الطريق أمام معالجة بقية الملفات، بدءًا من توحيد مؤسسات الدولة، مرورًا بالملف الاقتصادي، وصولًا إلى الاستحقاقات السياسية والانتخابية.
لقاء العلمين ورسائله
ويعكس لقاء السيسي وحفتر استمرار التشاور المصري-الليبي بشأن الأزمة، في وقت تحتاج فيه ليبيا إلى مقاربة تجمع بين المسار السياسي والأمني، وتمنح الأولوية للحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها.
كما أن تأكيد الانفتاح على المبادرات، مع التشديد على أن يكون الحل ليبيًا-ليبيًا، يضع الكرة في ملعب الأطراف الليبية نفسها، ويجعل نجاح أي تحرك إقليمي مرتبطًا بمدى استعداد هذه الأطراف للتنازل عن الحسابات الضيقة والقبول بتسوية وطنية.
وفي النهاية، فإن التحدي لا يكمن في غياب المبادرات بقدر ما يكمن في إرادة تنفيذها. وبينما تستمر القاهرة في تحركاتها واتصالاتها، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الجهود ستتمكن من جمع الفرقاء حول مسار واحد، وإنهاء حالة الانقسام، ووضع أسس دولة موحدة قادرة على فرض الأمن والاستقرار.
فالحل الذي تنتظره ليبيا لا يحتاج فقط إلى مبادرة جديدة، وإنما إلى توافق حقيقي، وإرادة سياسية، ومعالجة جادة للملف الأمني، بما يمهد الطريق أمام تسوية ليبية-ليبية تحفظ وحدة البلاد وسيادتها وتضع حدًا لسنوات من الانقسام والفوضى.



