ليبيا

حكومة الدبيبة توظف موارد الدولة لإقامة مهرجان صحراوي فاره بينما يعاني الليبيون من انقطاع الكهرباء وطوابير البنزين

مهرجان العرعار الدولي يطلق فعالياته بمصراتة وسط جدل واسع حول أولويات الإنفاق في زمن الأزمات

ليبيا 24

مهرجان العرعار… بين حفاوة الاستقبال وأسئلة الفساد

صحراء مضاءة وشعب يعيش في الظلام

في مشهد يثير التساؤلات، تستعد مدينة مصراتة لاستضافة النسخة الأولى من “مهرجان العرعار الدولي” خلال الفترة من 18 إلى 22 أغسطس الجاري، في حدث وصفته الجهات المنظمة بأنه “التقاء البحر بالصحراء” يجمع بين الرياضة والمغامرة والثقافة. لكن التحضيرات لهذا المهرجان لم تمر دون أن تثير موجة عارمة من الانتقادات، إذ يتساءل مراقبون ومواطنون عن جدوى إنفاق ملايين الدينارات على فعاليات ترفيهية في وقت يعاني فيه الليبيون من أزمات معيشية خانقة.

ففي الوقت الذي تتصدر فيه طوابير البنزين مشهد الحياة اليومية، ويعاني المواطنون من انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، ها هي حكومة عبد الحميد الدبيبة تُجهز لانطلاق مهرجان صحراوي فاره، تنقل فيه جيوشاً من عمال وموظفي المؤسسات والشركات العامة، وتستخدم موارد الدولة لإضاءة الصحراء، فيما تغرق أحياء بكاملها في الظلام.

أصوات معارضة من قلب المشهد

الخبير الاقتصادي مختار الجديد، وفي منشور له على منصة فيسبوك، وجّه نداءً ساخراً إلى الشباب قائلاً: “سيبو مهرجان العرعار وفوتو موضوع انكم اترفهو على أرواحكم شوي وتنسو همومكم وتعالوا كسدوا معانا في طوابير البنزينة والبلاك اوت وأصوات التطرير”.

وأضاف بأن هناك “ناس مضايقة ومتنكدة وتبيكم تضايقوا واتنكدوا زيها”، في إشارة إلى محاولة الحكومة صرف انتباه المواطنين عن معاناتهم اليومية عبر الترفيه المصطنع.

أما الإعلامية عفاف الفرجاني، فكانت أكثر تهكماً في تعليقها على الحدث، إذ كتبت: “حقه في مهرجان اسمه مهرجان العرعار في ليبيا… والاستعدادات على قدم وساق!!! بالله قولوا كذبة بالله”، معبّرة عن سخريتها من حجم الضجة الإعلامية المثارة حول مهرجان لا يتناسب مع واقع البلد المأزوم.

“الليبيانا” بين وعد الانترنت وحقيقة الفقر

المحلل السياسي سليمان البيوضي، وفي قراءة أعمق للأبعاد السياسية للحدث، كشف عن رسالة بعثتها شركة “الليبيانا” للمواطنين تدعوهم فيها لحضور المهرجان للاستمتاع بخدمة إنترنت الجيل الخامس.

لكن البيوضي قلّب الطاولة على هذه الدعوة قائلاً إن “الحقيقة المرة” هي أن القائمين على المهرجان يريدون إقناع المواطنين بالحضور “بيش اللصوص وأبناؤهم يفشكو علينا بسيارات الدفع الرباعي ويكتحو علينا الرملة والغبيري”.

وأضاف البيوضي في منشور لاذع: “ما عندهمش علم أن شعب الفقراء قاعد لا ضي لا ميه ويمحمط فيه القبلي والرطوبة، وأكبر امنياتهم بريق ماء مصقع، مش انترنت”. واصفاً الحكومة بأنها “حكومة بلا فرينوات” ومطلقاً هاشتاغ “العار عار” الذي لاقى تفاعلاً واسعاً.

توظيف موارد الدولة… غياب الشفافية

يكشف التدقيق في التحضيرات للمهرجان أن جهات حكومية عدة سُخّرت لإنجاح هذا الحدث، إذ تم نقل أعداد كبيرة من عمال وموظفي المؤسسات والشركات العامة للمشاركة في الفعاليات، إلى جانب استخدام موارد الدولة في أعمال مرتبطة بإضاءة مواقع في الصحراء. هذا التوظيف للموارد البشرية واللوجستية أثار تساؤلات حول أولويات الحكومة في وقت تواجه فيه قطاعات الخدمات تحديات مستمرة.

ويطرح المراقبون سؤالاً محورياً: هل قامت الحكومة والمجالس البلدية بتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطن من مستشفيات ومراكز صحية ومدارس وجامعات وخدمات عامة، ثم وصلنا بعد ذلك إلى مرحلة الإنفاق على الرفاهية والترفيه؟

الإجابة، وفق ما يراه المتابعون، هي أن الأولويات مقلوبة رأساً على عقب، فالمواطن يبحث عن لقمة العيش ودواء المريض وكهرباء تضيء بيته، بينما تنشغل الحكومة بتنظيم مهرجانات فارهة في الصحراء.

فجوة طبقية تعكسها سيارات المليون

المتتبع لتفاعلات المواطنين مع الحدث يلحظ سخطاً عارماً من التباين الصارخ في مستويات المعيشة.

ففي الوقت الذي تشهد فيه المدينة طوابير بنزين غير مسبوقة بسبب توافد الزوار من خارج مصراتة, يفاخر المشاركون في المهرجان بسيارات دفع رباعي يتجاوز ثمن بعضها المليون دينار.

ويتساءل مواطنون عن مصير الأجهزة الأمنية التي يغيب وجودها عن المهرجان، إذ لوحظ انتشار سيارات مظلمة وأخرى بدون لوحات في محيط الفعاليات، فيما يغيب رجال المرور عن تقاطع حيوي مثل “السيمافروات” الذي بات بدون كهرباء. وتداول نشطاء على منصات التواصل صوراً ومقاطع فيديو توثق هذه المظاهر، وعلّقوا بسخرية: “يامحلاها ليبيا”.

مقاطعة واجبة… واعتذار لمن لا يملك ثمن الدواء

أطلقت حملات واسعة تدعو إلى مقاطعة مهرجان العرعار، واصفة إياها بأنها “واجب وطني” في ظل ما تعانيه الدولة من تفاقم الفساد وتردّي الخدمات. وأكد ناشطون أن المقاطعة ليست موقفاً ضد الفن أو الفرح، بل هي “رسالة احتجاج مدنية وسلمية على واقع لم يعد مقبولاً”، ورفضٌ للصمت والتطبيع مع الخطأ.

وفي منشورات مؤثرة، اعتذر مواطنون “لكل مريض عجز عن شراء دوائه، ولكل أب وأم عجزوا عن توفير احتياجات أطفالهم، ولكل أسرة أنهكها الغلاء وانقطاع الكهرباء وضيق الحال”، مؤكدين أنهم لن يزوروا المهرجان لأنهم “لا يستطيعون أن يحتفلوا وهم يرون مواطناً عاجزاً عن شراء دوائه، وطفلاً ينتظر حليبه، وبيتاً ينام أهله في الظلام في بلد يرقد على بحيرة من النفط والغاز وتحت أرضه مناجم من مختلف المعادن”.

المثل الليبي يسبق الجميع

وفي تعليق يحمل طابعاً ساخراً، شبه أحد النشطاء حال المدينة التي تستضيف مهرجاناً دولياً وهي تعاني من انقطاع الكهرباء والحفر في الشوارع بالمثل الليبي الشهير: “العريان في قزون، وفي صبعه خاتم”.

فالزائر القادم من خارج ليبيا لحضور المهرجان سيجد الطرقات تعطيه نبذة تاريخية عن الحفر، والكهرباء تدخل في نظام ظهور خاص واختفاء مفاجئ.

واختتم الناشط تعليقه قائلاً: “الضيف ممكن ينسى اسم الفرقة اللي غنت… لكن الحفرة اللي طاح فيها وانقطاع الضي وقت العشا صعب ينساهم”.

خلاصة.. ليبيا تستحق أفضل

المشكلة ليست في مهرجان العرعار بحد ذاته، فالمهرجانات والفعاليات الثقافية من مظاهر الحياة العامة ومن حق الناس أن تفرح وتستمتع. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الشفافية التامة حول حجم الإنفاق على هذا الحدث، ومصادر التمويل، ومدى تناسب التكلفة مع حجم الفعالية، وسط شبح الفساد الذي يخيم على كل شيء.

المواطن الليبي يطالب بحقه في معرفة أين تذهب أموال الدولة، لأن الشفافية هي التي تزيل الشكوك، أما غيابها فيفتح الباب للتساؤلات والاتهامات.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل آن الأوان لأن تركز الحكومة على هموم المواطن الأساسية بدلاً من الترفيه الفاره، أم أن “العار” سيظل عنواناً للمرحلة المقبلة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى