انقطاع التيار 20 ساعة يومياً يغرق ليبيا في الظلام.. ومليارات الكهرباء تتبخر في ثقافة “تسليم واستلام” صوري بلا محاسبة
"المرعاش" يتسلم ملف الكهرباء في ليبيا.. والمواطن ينتظر إنارة البيوت بينما تُصرّ الحكومة على تدوير النفوذ بدل المؤسسات
ليبيا 24
كهرباء تنقطع وحياة تتوقف
في مشهد يتكرر يومياً في المدن الليبية، تغرق الأحياء السكنية في ظلام دامس مع كل موجة جديدة من طرح الأحمال، بينما تبقى المولدات الخاصة الحل الوحيد لمن يستطيع تحمل تكاليفها الباهظة.
انقطاعات تتجاوز في بعض المناطق 20 ساعة يومياً، وسط موجة حر تجاوزت فيها درجات الحرارة 48 درجة مئوية، تحولت معها أزمة الكهرباء من ملف خدمي مزمن إلى شرارة احتجاجات شعبية عارمة.
وفي خضم هذه الكارثة الإنسانية، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية الموقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، إعادة تشكيل مجلس إدارة الشركة العامة للكهرباء برئاسة المهندس البشير البهلول المرعاش، خلفاً لمحمد المشاي.
وهو التعيين الرابع من نوعه في عهد هذه الحكومة لإدارة ملف الكهرباء، في سلسلة من التجارب الإدارية الفاشلة التي دفع ثمنها المواطن من راحته ومعيشته.
أزمة إدارة لا أزمة فنية
“الكهرباء ليست أزمة عابرة… بل أزمة إدارة دولة”، بهذه العبارة الموجزة لخص مواطنون ليبيون واقعاً مريراً يعيشونه يومياً. فالشركة العامة للكهرباء ليست مؤسسة هامشية يمكن التعامل معها بمنطق المحاصصة أو التجارب الإدارية؛ بل هي شريان حياة المواطن والاقتصاد والخدمات العامة.
ويؤكد خبراء الطاقة أن أزمة الكهرباء في ليبيا ليست فنية فقط، بل هي نتيجة سوء إدارة وغياب الشفافية، مضيفين أن المواطنين لا يتلقون تفسيراً واضحاً لأسباب الانقطاعات المتكررة.
ففي الوقت الذي أُنفقت فيه المليارات على قطاع الكهرباء، ما زال المواطن يدفع الثمن يومياً: انقطاع متكرر للتيار، وتعطل للأعمال، ومعاناة تضاف إلى ضنك المعيشة الذي يثقل كاهل الليبيين.
“لا مصباح علاء الدين”.. وعد بست ساعات من الظلام
في أول تصريح له، أكد رئيس مجلس الإدارة الجديد أن أولوية المرحلة تتمثل في استعادة استقرار الشبكة، معترفاً بأنه “لا يملك مصباح علاء الدين”، ومعلناً أن طرح الأحمال سيستمر ست ساعات يومياً ربما حتى نهاية شهر نوفمبر.
غير أن هذا التصريح أثار تساؤلات واسعة بين المراقبين والمواطنين على حد سواء. فرئيس مجلس الإدارة الجديد، الذي يحمل دبلوماً عالياً في الهندسة الكهربائية وآخر في العلوم الإدارية، يبدو أنه يستبق الانتقادات ويغلق الطريق أمام المتظلمين، وكأنما يقول للمواطنين: “أنا قلت لكم من البداية، فلا تنخسوا فيّ على فيسبوك كل دقيقة”، على حد تعبير أحد المتابعين.
وتساءل المواطنون: “أما تطفوا الضي أو تولعوه، أما نص ساعة يولع ونص ساعة يهرب، راهو هكي تبهدلنا أكثر من قبل”، مشيرين إلى أن تقطيع التيار بهذه الطريقة يتلف الأجهزة المنزلية من ثلاجات ومكيفات ومضخات مياه وسخانات، ويجعل الحياة جحيماً لا يطاق. وطالبوا بقطع التيار ست ساعات متواصلة بدلاً من التقطيع العشوائي الذي يبهدل المواطن أكثر مما ينفعه.
غياب التسليم والاستلام.. وثقافة الصور والابتسامات
أحد أبرز الإشكاليات التي أثارها مراقبون، هو غياب ثقافة التسليم والاستلام الحقيقية في المؤسسات الليبية. ففي كل مؤسسات العالم، عند انتهاء مهمة رئيس مؤسسة وتعيين خلف له، يُعد محضر تسليم واستلام واضح وموثق، يبين ما تسلمه الرئيس السابق، وما أنفقه، وما هي الالتزامات والأصول التي يتركها لخلفه.
أما في ليبيا، فكثيراً ما تختصر عملية التسليم والاستلام في التقاط بعض الصور وتبادل الابتسامات، ثم ينتهي المشهد. يذهب الرئيس السابق بسيارته الفارهة، ويستقبله الخدم في قصره الفاخر، ثم يشتري تذكرة على درجة رجال الأعمال، ويتوجه إلى قصره في برشلونة أو جزر المالديف، بينما يبقى المواطن ينتظر، ويضع أملاً كبيراً في الرئيس الجديد. لكن سرعان ما يتبدد الأمل، ويتكرر السيناريو نفسه.
وتساءل عضو مجلس الدولة سعيد ونيس: “هل سوف تتم محاسبة رئيس شركة الكهرباء السابق، وتسليم الشركة وفق إجراءات جرد رسمية، ومعرفة مصير ما يقرب من مئة مليار دينار: أين أنفقت؟”، متسائلاً: “أم أصبح نهجاً لدى هذه الحكومة أن يخرج المسؤول من وظيفته دون أي محاسبة أو إجراء رسمي للتسليم والاستلام؟”
من اختار؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
المشكلة ليست فقط في من يصل إلى المنصب، وإنما في الطريقة التي أوصلته إليه. ومن هنا تبدأ المساءلة الحقيقية: من اختار؟ من زكى؟ من منح الثقة؟ ومن يتحمل مسؤولية النتائج؟
فلا يمكن بناء دولة المؤسسات إذا ظل المسؤول يُحاسب على قراراته بينما يظل من اختاره أو زكاه بعيداً عن دائرة المساءلة. المسؤولية لا تتوقف عند صاحب القرار التنفيذي، بل تمتد إلى كل من صنع القرار ومهد له الطريق وأتاح له الاستمرار رغم النتائج.
وفي هذا السياق، قال عضو مجلس النواب محمد عامر العباني: “نحن ننتظر إنارة مصابيح بيوتنا، فهل سيفعلها المرعاش ومجلس إدارته الجديد، أم أنه لا خيار في ‘الكَرْعين’، والأمر كله لله؟”
بينما رد عليه عضو مجلس النواب علي التكبالي، معبراً عن واقعية قاسية: “الأزمة أكبر من المرعاش أو غيره.. الفساد ترك الأمور غير قابلة للإصلاح إلا بطريقة دراماتيكية نحن غير قادرين عليها”، في إشارة واضحة إلى أن استبدال الوجوه دون معالجة جذور الفساد لن يأتي بجديد.
صراع على كنز الكهرباء.. والمواطن يدفع الثمن
بعد أن أصبح المواطن يعاني يومياً في تأمين قوت يومه، تأتيه معاناة أخرى لا ذنب له فيها، حين يدفع ثمن صراعات المتنفذين على شركة الكهرباء ومقدراتها، بانقطاع الكهرباء وإظلام البيوت.
شركة الكهرباء ليست كنزاً يتصارع عليه المتنفذون، وليست ملكاً لفئة أو جهة، بل هي مرفق يخدم كل الليبيين. وإلى متى يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف؟ وإلى متى يدفع ثمن صراعاتكم من راحته وماله وأطفاله وبيته؟
“كفى عبثاً… فالمواطن لم يعد يحتمل أن يدفع فاتورة صراعاتكم، مرة في لقمة عيشه، ومرة في ظلام بيته”، بهذه العبارة الموجزة لخص مواطنون غضبهم من استمرار هذا العبث.
بلاك أوت ثلاث مرات في 48 ساعة.. والشبكة في وضع كارثي
الإعلامي ناظم الطياري وصف الواقع المرير الذي يعيشه المواطن الليبي، قائلاً: “32 ساعة بدون كهرباء مقابل 5 ساعات كهرباء.. هذه المعادلة مثال حي من بيتي لا يدع مجالاً للشك أن الشبكة في وضع كارثي”، مؤكداً أن “كل تطمينات غرفة التحكم بأنهم يعملون على استرجاع الشبكة لوضعها الطبيعي أمر لا زال بعيد المنال”.
وأضاف: “بلاك أوت 3 مرات خلال 48 ساعة فقط، الأمر مش طبيعي، أقسم بالله إن الأمر فيه ‘إن’ ومش ‘إن’ عادية، إن كبيرة جداً”، محذراً من أن “وصل العبث حتى في أهم ملف.. انقطاع الكهرباء هو انقطاع للحياة، انقطاع الكهرباء يعني انقطاع الماء، يعني انقطاع الخدمات، يعني انقطاع الإنترنت، يعني تعطل الحركة التجارية والمعيشية بالكامل، يعني الرجوع إلى العصور الوسطى”.
ودعا الطياري الشركة العامة للكهرباء إلى “الخروج أمام الشعب الليبي في مؤتمر صحفي على الهواء مباشرة أمام الرأي العام، والتكلم بكل صراحة وشفافية عن الأسباب الرئيسية التي أدت إلى انهيار الشبكة بهذه الطريقة الكارثية”.
دروس من الخليج.. لماذا لا نستفيد؟
في مقارنة مثيرة، أشار الإعلامي ناظم الطياري إلى التجربة الخليجية الرائدة في ملف الكهرباء، قائلاً: “دول الخليج أكثر دول العالم سخونة، درجات الحرارة عندهم تتجاوز درجات الحرارة عندنا 3 أضعاف، درجة حرارة 50 هذه عادية عندهم، ولكن لا يوجد عندهم أي مشاكل في ملف الكهرباء ولا انقطاعات على مدار السنة، رغم استعمالهم لوسائل التكيف الكبيرة العمودية، حتى إنهم في قطر والسعودية يركبون تكييفاً حتى في الشوارع”.
وتساءل: “لماذا لا نستعين بالتجربة الخليجية ونستنسخ خططهم في ملف الطاقة؟ لجنة من الشركة العامة للكهرباء تسافر إلى السعودية ودول الخليج وتوقع اتفاقية مشتركة استشارية، وتدير دوراً في محطاتهم، وتشوف المحطات المخصصة لتحمل درجات الحرارة العالية، وشن قطع الغيار والوحدات التي تتحمل الضغط والطلب الكبير”، مؤكداً أن “الخليج أكثر دول نجاحاً في ملف الكهرباء والطاقة، مش عيب تمشولهم، خدوا منهم خبرتهم في هذا الملف وكيفية إدارته”.
خاتمة: المواطن ينتظر كهرباء لا وعوداً
المواطن الليبي لا يريد تبريرات جديدة، بل يريد كهرباء مستقرة، وخدمات محترمة، ومؤسسات تعمل، ومحاسبة تبدأ من أعلى هرم المسؤولية ولا تتوقف عند الحلقة الأضعف. لقد سئم المواطن من تكرار الوجوه وتدوير النفوذ تحت عناوين جديدة، ومن سياسات تبقي الأزمة قائمة ثم تبحث عن شماعة لتعليق الفشل عليها.
فالمؤسسة ليست ملكاً للرئيس، والمال العام ليس غنيمة لمن يتولى المنصب. ومن حق المواطن أن يعرف أين ذهبت أموال الدولة، ومن حقه أيضاً أن يرى المسؤول يغادر المنصب كما دخله: واضح الحساب، موثق العهدة، وخاضعاً للمساءلة. أما أن يكون كل رئيس سابق قصة نجاح شخصية بثرائه من أموال الدولة، وكل رئيس جديد مجرد بداية لأمل جديد، فهذه ليست إدارة دولة، وإنما إعادة تدوير للسيناريو نفسه.
ليبيا لا تحتاج إلى أشخاص يُختارون على أساس القرب والولاء، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تُدار بالكفاءة والخبرة والمعايير الواضحة، ويكون معيار بقائها في مواقع المسؤولية هو ما تحققه من نتائج، لا من تحظى به من حماية ونفوذ. والوقت وحده كفيل بأن يثبت إن كان البشير المرعاش رجل المرحلة فعلاً، أم أنه مجرد حلقة أخرى في مسلسل تدوير الإداريين الذي أتعب الليبيين وأضنى حياتهم.



