ليبيا

ليبيا واختبار الدولة.. حين تتحدث الوقائع أكثر من الشعارات

الانتقال من مرحلة الصراع العسكري إلى مرحلة بناء الدولة هو أصعب اختبار

ليبيا 24- بقلم: عبدالعزيز الزقم

في ليبيا، لا تكفي الأسماء الكبيرة لصناعة المستقبل، كما لا تكفي المواقع الرسمية وحدها لإنتاج الشرعية. ما يحسم في النهاية هو الأداء، وقدرة أي مشروع سياسي وأمني على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة.

وهذه هي الزاوية التي تستحق أن يُقرأ منها المشهد الليبي اليوم، بعيداً عن ضجيج الاصطفافات ومحاولات اختزال البلاد في أسماء أو مناطق أو حكومات متنافسة.

فليبيا لم تعد تحتمل مرحلة جديدة من إدارة الانقسام. المواطن يريد أن يعرف من يستطيع أن يوفر له الأمن، ومن يحمي المال العام، ومن يضع المؤسسات فوق الأشخاص، ومن يستطيع أن يتعامل مع الخارج دون أن تتحول العلاقات الدولية إلى أدوات للوصاية على القرار الوطني.

وفي هذا السياق، تبدو تجربة القيادة العامة للقوات المسلحة خلال السنوات الماضية واحدة من الحقائق التي لا يمكن تجاوزها عند قراءة موازين القوى داخل البلاد. كما أن المشير خليفة حفتر يظل أحد أبرز اللاعبين في المعادلة الليبية، بحكم موقعه العسكري والسياسي وتأثيره المباشر في مسار الأحداث.

لكن المسألة الأهم الآن ليست إعادة سرد الماضي، وإنما مراقبة كيفية تطور هذا المشهد، ومن هم الأشخاص الذين يتحركون داخله، وما الذي يمكن أن تقوله الوقائع عن الجيل الذي يستعد لتحمل أعباء المرحلة المقبلة.

من إدارة المعركة إلى اختبار الدولة

الانتقال من مرحلة الصراع العسكري إلى مرحلة بناء الدولة هو أصعب اختبار يمكن أن يواجه أي قيادة سياسية أو عسكرية في ليبيا.

فالحفاظ على الأمن شيء، وإدارة دولة شيء آخر. ومواجهة الجماعات المسلحة شيء، وبناء مؤسسات اقتصادية وقضائية وإدارية قادرة على الاستمرار شيء مختلف.

ولهذا فإن تقييم أي شخصية صاعدة لا ينبغي أن يبدأ من اسم العائلة أو الرتبة العسكرية، وإنما من المساحة التي أصبحت تتحرك فيها، والملفات التي تتعامل معها، وطبيعة القرارات التي ترتبط بها.

الفريق أول ركن صدام حفتر يمثل في هذا السياق نموذجاً لافتاً لجيل مختلف داخل المشهد الليبي.

هو ينتمي إلى جيل يعرف أدوات العصر الجديدة، ويتعامل مع عالم تتغير فيه السياسة بسرعة، ولا تفصل فيه الملفات العسكرية عن الاقتصاد والطاقة والهجرة والأمن والعلاقات الدولية.

وفي الوقت نفسه، فإن موقعه العسكري يمنحه اتصالاً مباشراً بملفات الأمن والدفاع، بينما أتاح له حضوره السياسي خلال السنوات الأخيرة الاقتراب من ملفات تتجاوز العمل العسكري التقليدي.

هذه التركيبة لا تمنح صاحبها شيكاً على بياض، لكنها تجعل تجربته جديرة بالمتابعة.

الجغرافيا الليبية لا تسمح بسياسة المحاور

ليبيا تقع في نقطة لا تسمح لها برفاهية الانحياز الكامل إلى طرف خارجي واحد.

مصر دولة الجوار الأكثر التصاقاً بالملف الليبي، ليس فقط بسبب الحدود المشتركة، وإنما بفعل تاريخ طويل من العلاقات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية.

تركيا لاعب رئيسي في غرب ليبيا، وروسيا حاضرة في الحسابات الأمنية والإقليمية، بينما تظل الولايات المتحدة والدول الأوروبية أطرافاً أساسية في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة والطاقة والاستقرار في البحر المتوسط.

المشكلة أن هذه القوى لا تنظر إلى ليبيا بالطريقة نفسها، ولا تتفق بالضرورة على تعريف واحد لمصالحها فيها.

ومن هنا تصبح قدرة المسؤول الليبي على التواصل مع عواصم متباينة أمراً يتجاوز البروتوكول السياسي.

الزيارات والاتصالات الخارجية لا تصبح ذات قيمة حقيقية إلا إذا استطاعت الشخصية الليبية استخدامها لبناء مساحة حركة مستقلة، بدلاً من تحويل ليبيا إلى ساحة تتنافس فيها القوى الدولية.

وفي هذا الإطار، فإن تعدد وجهات التحرك والاتصال المرتبطة بصدام حفتر يلفت الانتباه، ليس لأنه يثبت وحده نجاحاً سياسياً، وإنما لأنه يكشف عن انتقال حضوره تدريجياً من الإطار العسكري إلى مساحة أوسع تتداخل فيها السياسة والدبلوماسية والأمن.

وهذه مساحة سيكون الحكم الحقيقي عليها بالنتائج، لا بعدد الصور واللقاءات.

الشرق والجنوب.. السياسة عندما تتحول إلى مشروعات

ربما تكون أكثر المؤشرات أهمية في التجربة المرتبطة بالقيادة العامة هي ما يمكن رؤيته على الأرض في مناطق واسعة من الشرق والجنوب.

خلال السنوات الماضية، ظهرت مشروعات في الطرق والبنية التحتية والإسكان وتطوير المدن والمرافق العامة، بالتوازي مع محاولات لإعادة تنظيم المؤسسات وتعزيز السيطرة الأمنية.

لا يعني ذلك أن التجربة أصبحت نموذجاً مكتملاً، ولا أن الأخطاء اختفت. فالحديث عن دولة خارجة من سنوات طويلة من الحرب والانقسام لا يسمح بمثل هذه الاستنتاجات.

لكن هناك فارقاً مهماً بين وجود أخطاء داخل مشروع مؤسسي يمكن تصحيحه، وبين تحول الخطأ نفسه إلى نظام دائم لإدارة الدولة.

المواطن في النهاية لا يقيس الدولة بالمصطلحات السياسية. يقيسها بالطريق الذي يسلكه، والمستشفى الذي يدخله، والشرطة التي تحميه، والمطار الذي يسافر منه، والجامعة التي يتعلم فيها، والفرصة التي يجدها لبدء حياته.

ومن هذه الزاوية، فإن الإعمار ليس مجرد ملف خدمي. إنه اختبار سياسي لفكرة الدولة نفسها.

إذا كان الاستقرار الأمني قد سبق في بعض مناطق الشرق، فإن التحدي التالي هو تحويل هذا الاستقرار إلى مؤسسات مدنية واقتصاد منتج وحكم محلي فعال.

وهنا تحديداً تصبح الأجيال الجديدة من القيادات أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع إدارة الدولة بالمنطق نفسه الذي أدارت به مرحلة الصراع، أم أن مرحلة الدولة تحتاج إلى أدوات مختلفة؟

طرابلس.. المشكلة ليست في المدينة

طرابلس ليست المشكلة.

طرابلس هي عاصمة ليبيا، ومدينة ذات تاريخ سياسي واقتصادي واجتماعي لا يمكن اختزاله في الأزمة الأمنية الراهنة.

المشكلة في طبيعة الترتيبات التي نشأت داخل العاصمة خلال السنوات الماضية.

تعدد الجماعات المسلحة، وتداخل النفوذ الأمني مع المصالح الاقتصادية، وضعف قدرة المؤسسات الرسمية على احتكار القرار، كلها عوامل جعلت الدولة في أحيان كثيرة طرفاً ضمن شبكة من التوازنات بدلاً من أن تكون صاحبة القرار النهائي.

وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات ليبيا.

فالدولة التي تحتاج إلى التفاوض مع مراكز القوة المسلحة حتى تنفذ قراراتها تصبح دولة ناقصة السيادة، مهما كان شكل مؤسساتها الرسمية.

ومع استمرار الانقسام السياسي والتنفيذي، تتسع المسافة بين الخطاب الرسمي وبين الواقع الذي يعيشه المواطن.

الحكومة تستطيع إصدار القرارات، لكن القرار لا يصبح دولة إلا عندما يمتلك الجهاز التنفيذي والأمني والقضائي القدرة على تطبيقه.

وهذه هي الحلقة المفقودة في ليبيا.

الاقتصاد يكشف ما تخفيه السياسة

قد تستطيع السياسة إخفاء عيوبها لبعض الوقت خلف البيانات والاجتماعات والاتفاقات، لكن الاقتصاد لا يجامل.

ليبيا تملك موارد نفطية ضخمة، ومع ذلك يعيش المواطن تحت ضغط الأسعار والسيولة والخدمات وسوق العمل.

المشكلة ليست فقط في حجم الإيرادات، وإنما في طريقة إدارة الموارد وفي الانقسام المؤسسي الذي يجعل الاقتصاد رهينة للصراع السياسي.

كل دينار يُنفق دون رقابة هو في النهاية جزء من قدرة الدولة التي تُستنزف.

وكل مؤسسة تتحول إلى مساحة للمحاصصة هي خطوة إضافية بعيداً عن مفهوم الدولة.

ولهذا فإن أي مشروع سياسي جاد في ليبيا لن يستطيع النجاح إذا لم يربط الأمن بالإدارة والاقتصاد والقانون.

لماذا يلفت صدام حفتر الانتباه؟

ربما تكون الإجابة أبسط مما تبدو.

لأن الرجل يتحرك في أكثر من مساحة في الوقت نفسه.

موقعه العسكري يضعه في قلب ملف الأمن، وحضوره السياسي يضعه أمام تعقيدات المشهد الداخلي، وتحركاته الخارجية تضعه أمام شبكة من المصالح الإقليمية والدولية.

كما أن موقعه داخل القيادة العامة يجعله قريباً من واحدة من أكثر التجارب تأثيراً في ليبيا خلال العقد الأخير.

لكن هذه المعطيات لا تكفي وحدها لصناعة قائد وطني.

ما يهم هو ما إذا كان يستطيع، مع الوقت، تحويل هذا الرصيد إلى رؤية تتجاوز المؤسسة العسكرية والمناطق التي ينطلق منها نفوذها.

ليبيا لا تحتاج إلى شخصية أقوى من الدولة، وإنما إلى قيادة تقوى بها الدولة.

وهذا فارق جوهري.

مصر وروسيا وتركيا.. اختبار التوازن

العلاقات الخارجية ستكون واحدة من أهم اختبارات أي قيادة ليبية في المرحلة المقبلة.

مصر لا يمكن تجاوزها بسبب الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة.

روسيا تمتلك حضوراً في المعادلة الإقليمية ولا يمكن تجاهل تأثيرها في الملف الليبي.

تركيا لاعب أساسي في غرب البلاد، ولها مصالح أمنية واقتصادية وعسكرية واضحة.

والولايات المتحدة والدول الأوروبية تمتلك أدوات ضغط وتأثير في ملفات الهجرة والطاقة والأمن.

التعامل مع كل هذه القوى يتطلب سياسة دقيقة.

فالقوة ليست في كثرة الحلفاء فقط، وإنما في القدرة على منع الحلفاء أنفسهم من تحويل نفوذهم إلى حق في تحديد مستقبل ليبيا.

وهنا ستظهر قيمة أي شخصية سياسية ليبية في قدرتها على إدارة التناقضات الدولية مع الحفاظ على القرار الوطني.

المستقبل لا يُبنى بالوراثة السياسية

أخطر ما يمكن أن يحدث لليبيا هو أن يتحول الانتقال من جيل إلى جيل إلى مجرد انتقال للأسماء.

البلاد تحتاج إلى شيء مختلف: انتقال من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات.

ومن هذه الزاوية، فإن ظهور صدام حفتر في المشهد لا ينبغي قراءته باعتباره بديلاً عن المشير خليفة حفتر، ولا باعتباره معركة داخل معسكر واحد.

الأدق أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل القيادة داخل معسكر بات يمتلك تجربة طويلة في إدارة الأمن والسياسة والصراع.

المشير خليفة حفتر يمثل عنواناً رئيسياً لهذه التجربة، أما الجيل الذي يتحرك بعده فسوف يخضع لاختبار مختلف: ماذا يستطيع أن يفعل بالدولة عندما يصبح التحدي هو البناء لا الحرب؟

هذا السؤال أهم من كل التكهنات حول المناصب.

ليبيا أمام فرصة لا تحتمل الضياع

ليبيا ليست بلداً فقيراً في الإمكانات، وإنما بلد استنزفته إدارة الصراع.

ولديها شعب قادر على إعادة البناء، وثروات تكفي لصناعة اقتصاد قوي، وموقع جغرافي يجعلها لاعباً مهماً في المتوسط وأفريقيا، لكنها تحتاج إلى مؤسسة دولة واحدة.

لا يمكن بناء هذه الدولة في ظل حكومتين، ولا جيشين، ولا مراكز قرار متعددة، ولا اقتصاد موزع بين شبكات النفوذ.

وفي المقابل، لا يكفي أن تنتصر مؤسسة عسكرية في معركة إذا لم تنتصر الدولة في معركة القانون والخدمات والتنمية.

هذه هي المعادلة التي ستحدد مستقبل ليبيا.

ومن يراقب المشهد من بعيد قد يرى فقط تحركات عسكرية وزيارات خارجية ومشروعات إعمار واشتباكات سياسية.

لكن من ينظر إلى الصورة كاملة سيجد سؤالاً واحداً يتكرر: أي طرف يستطيع تحويل النفوذ إلى مؤسسات، والاستقرار إلى تنمية، والعلاقات الخارجية إلى مساحة استقلال، والقوة إلى قانون؟

ربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي للجيل الجديد في ليبيا.

أما الأسماء، فستظل أقل أهمية من النتائج.

وكما يقول المثل السياسي القديم، فإن الدولة لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، وإنما بما تستطيع أن تفعله عندما تواجه أول اختبار حقيقي.

وفي ليبيا، الاختبارات لم تعد مؤجلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى