ليبيا

ليبيا تدفع ثمن حرب الروايات.. 15 عاماً من الانقسام تكشف الحقيقة المرّة: لا منتصر حين يخسر الوطن

إدريس احميد

عندما ينقسم أبناء الوطن الواحد
ومن المؤسف أن الانقسام الليبي اليوم لم يعد سياسياً فقط، بل أصبح انقساماً في الذاكرة وفي قراءة التاريخ نفسه. فما زلنا نشاهد من يتمسك بالأشخاص أكثر من تمسكه بالوطن، ومن يدافع عن مرحلة كاملة وينكر ما فيها من أخطاء، ومن يرفض الاعتراف بحقائق حدثت أمام الجميع، وكأن إنكارها يمكن أن يمحوها من التاريخ.
اليوم ما زلنا نسمع المهاترات بين «السبتمبري» و«الفبرايري»، وكأن ليبيا لا تتسع إلا لرواية واحدة، وكأن على الليبي أن يختار بين وطنه وتاريخه.
وهذا هو الخطأ الأكبر.
من أراد الوطن فعلاً، ومن يخاف على ليبيا، عليه أن يكون قادراً على تحمل المرحلة، بكل ما فيها من صعوبات ومعاناة، وأن ينظر إلى المستقبل لا بعين الانتقام ولا بعين الشماتة، وإنما بعين المسؤولية.
لا يمكن أن نبني دولة ونحن نرفض الاعتراف بالحقائق.
فكما لا يجوز إنكار ما حدث في العقود السابقة، لا يجوز أيضاً إنكار ما حدث في عام 2011 وما تلاه. هذه أحداث عاشها الليبيون، وسقط فيها الضحايا، وتغيرت بسببها الدولة والمجتمع والسياسة والاقتصاد. ومن يحاول إخفاء هذه الوقائع أو إعادة صياغتها وفق هواه لا يخدم الوطن، بل يساهم في إطالة أمد الانقسام.
وإذا أردنا الإنصاف، فلا بد أن نقول بوضوح إن أربعة عقود من الحكم شهدت قدراً من الأمن والاستقرار، وهذه حقيقة لا ينبغي إنكارها. وفي الوقت نفسه، كانت هناك مطالب سياسية واجتماعية وتنموية حقيقية، وكانت هناك مشكلات في المشاركة السياسية والمؤسسات والحريات والإدارة والاقتصاد، وهذه أيضاً حقائق لا ينبغي إنكارها.
الحقيقة لا تتجزأ.
ولا يمكن أن نختار من التاريخ ما يناسبنا ونترك ما لا يناسبنا.
فالذي يدافع عن العهد السابق مطالب بأن يعترف بأخطائه ومشكلاته، والذي يدافع عن مرحلة ما بعد 2011 مطالب أيضاً بأن يعترف بما حدث فيها من أخطاء وانقسامات وفوضى وإخفاقات.
أما تحويل التاريخ إلى معركة بين أنصار هذا العهد وأنصار ذاك، فلن يؤدي إلا إلى استمرار الجرح.
لقد دخلنا اليوم في مرحلة أصبح فيها الاتهام والمزايدة والشخصنة والشعبوية والتعصب جزءاً من الخطاب العام. صفحات التواصل الاجتماعي تحولت في أحيان كثيرة إلى ساحات لتبادل الشتائم والتخوين، وأصبح بعض الناس يعتقدون أن الدفاع عن شخصية أو تيار أهم من الدفاع عن الدولة.
وهنا يجب أن نتوقف.
هل هذه هي الديمقراطية التي نريدها؟
هل الديمقراطية أن تهدد مناطقٌ مناطقَ أخرى؟ هل الديمقراطية أن تمتلك جماعات غير نظامية السلاح وتفرض إرادتها؟ هل الديمقراطية أن تتعطل مؤسسات الدولة كلما اختلف طرفان؟ هل الديمقراطية أن يعيش المواطن في أزمات الكهرباء والوقود والسيولة وارتفاع الأسعار، بينما تتواصل الصراعات السياسية وكأن حياة الناس لا تعني أحداً؟
بالطبع لا.
هذه ليست ديمقراطية، وإنما نتيجة طبيعية لضعف الدولة وضعف الثقافة السياسية.
والأخطر من ذلك أن البعض أصبح يشمت في معاناة الليبيين، وكأن انقطاع الكهرباء أو نقص الوقود أو تدهور الخدمات انتصار سياسي لطرف على طرف.
أي عقل يقبل بهذا؟
من يشمت في معاناة المواطن هو في الحقيقة يشمت في نفسه؛ لأن الكهرباء لا تعرف سبتمبرياً ولا فبرايري، والوقود لا يسأل المواطن عن موقفه السياسي، والماء لا يميز بين مؤيد ومعارض.
عندما تتعطل الدولة، يعاني الجميع.
وهذا وحده كافٍ لكي نفهم أن الوطن أكبر من خلافاتنا.
ثم إن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه: ماذا تعلمنا من تجارب الآخرين؟
نحن لسنا أول شعب يمر بمرحلة انتقال سياسي. دول كثيرة مرت بثورات وحروب وانقسامات، لكنها استطاعت في لحظة معينة أن تبحث عن الكفاءات، وأن تعيد تشغيل مؤسساتها، وأن تمنح المجتمع فرصة للانتقال التدريجي.
ولعل التجربة التونسية بعد 2011 تقدم مثالاً يستحق الدراسة، لا من أجل نسخها، وإنما من أجل فهم أهمية وجود شخصيات سياسية ومؤسسات وكفاءات قادرة على تحمل المسؤولية خلال المراحل الانتقالية.
في تونس، ظهرت قوى وشخصيات دخلت في العملية السياسية، وتحملت مسؤولية إدارة مرحلة شديدة التعقيد، وحدثت تفاهمات وصراعات وتسويات، لكن المؤسسات والمجتمع لعبا دوراً في منع الانهيار الكامل للدولة.
أما في ليبيا، فقد كان السؤال الأصعب دائماً: من سيقود المؤسسات؟
أين الشخصية الوطنية التي تستطيع أن تخاطب الليبيين جميعاً؟
أين السياسي الذي يستطيع أن يظهر أمام الناس ويقنعهم ببرنامج وطني يتجاوز المناطق والتيارات؟
أين الكفاءة التي تستطيع أن تتحمل المسؤولية، لا أن تبحث عن موقع؟
وهنا نصل إلى مشكلة أعمق من الخلاف السياسي نفسه، وهي مشكلة بناء الإنسان.
فالدولة لا تبنى بالنفط وحده، ولا بالسلاح، ولا بالشعارات، ولا بعدد الوزارات والمؤسسات. الدولة تبنى بالإنسان.
وإذا كان الإنسان غير قادر على قبول المختلف، وغير قادر على مراجعة نفسه، وغير قادر على الاعتراف بالخطأ، فسوف تبقى الدولة ضعيفة مهما امتلكت من موارد.
وهذا يقودنا إلى سؤال مؤلم: أين كانت ليبيا من العالم طوال العقود الماضية؟
لماذا لم نستطع أن نصنع حضوراً دولياً يتناسب مع حجم بلدنا وثرواته وتاريخه؟
لماذا لم تصبح لدينا جامعات ومؤسسات علمية وإعلامية ورياضية ذات تأثير إقليمي ودولي؟
لماذا لم تظهر أعداد أكبر من الشخصيات الليبية المعروفة في مجالات العلم والسياسة والاقتصاد والثقافة والرياضة؟
ولماذا لا يزال جزء من نقاشنا العام أسيراً للماضي، بينما العالم يتحرك بسرعة هائلة إلى الأمام؟
هذه أسئلة لا يجوز الهروب منها.
ومن يدافع عن مرحلة سابقة عليه ألا يكتفي بذكر الأمن والاستقرار، بل عليه أن يسأل أيضاً: ماذا كان يمكن أن يتحقق ولم يتحقق؟ ومن يدافع عن مرحلة ما بعد 2011 عليه ألا يكتفي بالحديث عن الحرية والتغيير، بل عليه أن يسأل: لماذا فشلت الدولة في تحقيق الأمن والاستقرار وبناء المؤسسات؟
لا نريد تاريخاً انتقائياً.
نريد تاريخاً صادقاً.
ولا نريد أن تتحول معاناة خمسة عشر عاماً إلى ذريعة للشماتة. فالمواطن الذي يعاني اليوم من الكهرباء والوقود وارتفاع الأسعار وانهيار الخدمات هو نفسه المواطن الذي يجب أن نتعاطف معه، أياً كان موقفه السياسي.
ليس من الوطنية أن تقول: «أنا سعيد لأن خصمي يعاني».
الوطنية أن تقول: «أنا أريد أن تنتهي معاناة الجميع».
لقد آن الأوان لأن نتوقف عن التفكير بعقلية المنتصر والمهزوم.
في ليبيا لا يوجد انتصار حقيقي لطرف إذا خسر الوطن.
وإذا انهارت الدولة، فلن يكون هناك سبتمبري رابح ولا فبرايري رابح.
سيكون هناك ليبيون خاسرون.
ولهذا فإن ما يحدث اليوم ليس أمراً غريباً إذا نظرنا إلى مستوى الوعي السياسي والاجتماعي الذي تراكم خلال عقود. فإذا كنا لم نتعلم بعد كيف نختلف، وكيف نحتكم إلى المؤسسات، وكيف نحترم القانون، وكيف نقبل بالنتائج، وكيف نفصل بين الشخص والدولة، فمن الطبيعي أن تتحول الخلافات إلى صراعات.
لكن الطبيعي لا يعني أن نستسلم له.
نحن قادرون على التعلم.
وقادرون على مراجعة أنفسنا.
وقادرون على تجاوز هذه الثنائية التي اختزلت ليبيا في «سبتمبر» و«فبراير».
فليبيا أقدم من سبتمبر، وأكبر من فبراير، وأبقى من جميع الأشخاص والأنظمة والتيارات.
ليبيا هي التي يجب أن تبقى.
ومن أراد أن يخدمها فعليه أن يتحرر من عبادة الأشخاص، ومن تقديس المراحل، ومن إنكار الحقائق، ومن الشماتة في الخصوم.
علينا أن نقول الحقيقة كاملة: نعم، كانت هناك مراحل من الأمن والاستقرار، وكانت هناك أيضاً أخطاء ومطالب ومشكلات. نعم، حدث تغيير كبير في 2011، وكانت له أسباب ونتائج، وكانت هناك آمال، لكن كانت هناك أيضاً أخطاء وانقسامات وحروب وفوضى. نعم، هناك اليوم مؤسسات وأطراف لعبت أدواراً مختلفة، لكن لا يمكن أن يستمر البلد رهينة لصراع هذه الأطراف.
هذه هي المصالحة الحقيقية مع التاريخ.
أن نعترف بكل شيء، لا أن ننكر كل شيء.
أن نحاسب وفق القانون، لا وفق الثأر.
أن نختلف سياسياً، لا أن نقتتل وطنياً.
وأن نفهم أخيراً أن المرحلة التي نعيشها ليست فرصة للعودة إلى الماضي، وإنما فرصة لبناء مستقبل أفضل.
فمن يريد ليبيا عليه أن يقبل أن ليبيا تحتاج إلى الجميع، لكن ليس إلى الجميع كما هم الآن؛ بل إلى الجميع بعد أن يتعلموا من أخطائهم.
نحتاج إلى الإنسان الليبي الواعي، الذي يعرف أن الوطن لا يُبنى بالشعارات، وأن الديمقراطية لا تعني الفوضى، وأن القوة الحقيقية للدولة لا تعني غياب القانون، وأن الاستقرار ليس عدواً للحرية، وأن الحرية بلا مؤسسات قد تتحول إلى فوضى.
ونحتاج قبل كل شيء إلى أن نتعلم كيف نختلف دون أن نكره بعضنا.
فربما يكون أعظم انتصار يمكن أن يحققه الليبيون بعد خمسة عشر عاماً من الانقسام هو أن يكتشفوا أنهم كانوا جميعاً يخسرون عندما كانوا يتصارعون على من ينتصر.
الوطن هو الذي يجب أن ينتصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى