ليبيا

في بلد النفط.. ظلام دامس 15 ساعة وجبهات “الإنقاذ” تغرق في غنائم المناصب

«العزل السياسي» يعود إلى الواجهة وسط انهيار الكهرباء وصمت النخب

ليبيا 24

في مشهد سياسي ليبي يعج بالتناقضات، يعود الجدل حول دور النخب السياسية إلى الواجهة بقوة، بينما يعاني المواطن الليبي من انقطاع الكهرباء لساعات متواصلة في عاصمة بلد يمتلك خامس احتياطي نفطي في أفريقيا.

يأتي ذلك في وقت يثير فيه الدبلوماسي الأسبق عادل عيسى تساؤلات صارخة حول مصير “جبهة إنقاذ ليبيا”، التي بدأت كوعد سياسي وتحولت، بحسب منتقدين، إلى آلة لتوزيع المغانم والمناصب.

هذه التساؤلات تتزامن مع دعوات متجددة لتفعيل قانون العزل السياسي، ومطالبات بحماية الأطفال من مخاطر العصر الرقمي، في مشهد يرسم ملامح أزمة متعددة الأبعاد تعصف بالدولة الليبية.

جبهة الإنقاذ.. بين الوعد التاريخي وواقع المناصب

في منشور له على صفحته بموقع فيسبوك، وجه الدبلوماسي الأسبق عادل عيسى سهام نقده اللاذع إلى ما يسمى “جبهة إنقاذ ليبيا”، متسائلاً عن دورها الغائب في خضم الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالبلاد.

وكتب عيسى باستنكار: “أين صراخكم الإعلامي؟ أين ألمكم لمعاناة الشعب؟ أين البيانات والمواقف الرنانة؟ أم أن جبهة الإنقاذ قد أنجزت مهمتها التاريخية، وانتهت الحكاية عند توزيع المكاسب والمناصب؟”.

وذهب عيسى إلى أبعد من ذلك حين أشار إلى تحول قيادات الجبهة من موقع المعارضة إلى مواقع النفوذ والسلطة، مستشهداً بتولي يوسف المقريف (نجل محمد المقريف) مناصب استثمارية رفيعة، وإبراهيم صهد إلى مجلس الدولة، وصهره الضراط إلى رئاسة المصرف الليبي الخارجي، معتبراً أن هذه التحولات تطرح سؤالاً جوهرياً: “هل كانت إنقاذ ليبيا مجرد محطة عبور إلى المناصب والامتيازات؟”.

وفي رد ناري على تساؤلات عيسى، علقت الناشطة السياسية نادية الراشد بقولها: “ليبيا تحتاج جبهات من إنقاذ جبهات الإنقاذ وأذنابهم وتنظيمهم”، في إشارة إلى تنامي ظاهرة النخب التي تستهلك الأزمات وتنتج المناصب.

من جهته، رأى الدكتور صالح إبراهيم، مؤسس الأكاديمية الليبية للدراسات العليا، أن “المهمة التي كلفت بها هذه الجبهة قد انتهت، وهي تسليم البلاد لأعدائها”، في اتهام خطير يضاف إلى سلسلة الاتهامات التي تطارد الكيانات السياسية التي نشأت بعد العام 2011.

هذه الانتقادات تأتي في وقت تواجه فيه حكومة عبدالحميد الدبيبة، منتهية الولاية، تحديات وجودية على مستوى تقديم الخدمات الأساسية، في ظل اتهامات متزايدة لها بالتقاعس عن أداء مهامها وتركيزها على تحصين مواقعها السياسية مقابل إهمال هموم المواطن اليومية.

الكهرباء تنطفئ والثروات تبقى.. صرخة مواطن في عاصمة النفط

لم تكن انتقادات عادل عيسى محصورة في البعد السياسي، بل امتدت إلى الواقع المعيشي المأساوي الذي يعيشه الليبيون، حيث كتب عيسى مستنكراً: “هل يُعقل أن تنقطع الكهرباء في عاصمة بلدٍ يزخر بالثروات منذ العاشرة صباحاً وحتى هذه اللحظة (15) ساعة؟!”، مضيفاً أنه لا يتحدث عن معاناة الآخرين، بل عن معاناته هو وعائلته وجيرانه.

في واقع الأمر، تعكس أزمة الكهرباء في ليبيا نموذجاً مصغراً لفشل الدولة بأكملها. فالبلد الذي يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة، ويعتمد على مبيعات النفط كمصدر رئيسي للدخل، يعجز عن توفير خدمة أساسية كالكهرباء لمواطنيه.

وتشير تقارير اقتصادية إلى أن قطاع الكهرباء الليبي يعاني من تهالك البنية التحتية، وغياب الصيانة الدورية، وانتشار الفساد في عقود الصيانة والتوريدات، ناهيك عن الصراعات السياسية التي تعطل أي مشاريع تطويرية.

ويجمع مراقبون على أن استمرار انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة – كما حدث في طرابلس – ليس مجرد فشل تقني، بل هو انعكاس لأزمة حوكمة شاملة، حيث تغيب الرؤية الاستراتيجية للإدارة، وتتغول المصالح الفئوية والحزبية على المصلحة العامة.

واللافت أن غياب الكهرباء يتزامن مع موجات حر شديدة وارتفاع في الطلب على التبريد، مما يزيد معاناة المواطنين الذين يجبرون على البقاء في منازلهم دون ماء بارد أو تكييف أو إمكانية لحفظ الطعام، في مشهد يعيد إلى الأذهان أزمات الانقطاع الطويل خلال فترات الحرب الأهلية.

العزل السياسي.. سلاح ذو حدين يعود إلى الواجهة

في سياق متصل، عاد الجدل حول قانون العزل السياسي – أو ما يعرف بـ”الاجتثاث” – إلى صدارة المشهد، بعد أن دعا عادل عيسى الجهات المختصة إلى تفعيل هذا القانون وتطبيقه على كل من تقلد منصباً أو وظيفة عليا حتى 31 أغسطس 2026، دون استثناء أو مجاملة.

وكتب عيسى: “جماعة تنسيقية العزل السياسي، يبدو أنهم كانوا على حق، بل سابقين جيلهم ومدركين أهمية المرحلة أكثر مما كنا نتصور بشأن الاجتثاث”، مطالباً بـ”بدء صفحة جديدة، صفحة نظيفة تماماً بدون إراقة للدماء والدخول في صراعات وأزمات، والقانون قانون، والعدالة لا تعرف الأسماء”.

هذه الدعوة تأتي في وقت تشهد فيه الساحة الليبية حالة من الجمود السياسي، حيث تتصارع الأطراف المختلفة على المناصب والنفوذ، وسط غياب أي إرادة سياسية لتطبيق معايير النزاهة ومكافحة الفساد.

ويبدو أن الدعوة إلى العزل السياسي تحمل في طياتها رغبة في إحداث قطيعة مع الماضي، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات حول إمكانية تطبيقها في ظل غياب مؤسسات قضائية مستقلة، وضعف سيادة القانون، وتغلغل النخب السياسية في مفاصل الدولة.

ويظل السؤال الأهم: هل يمكن للعزل السياسي أن يكون مدخلاً لتجديد العملية السياسية في ليبيا، أم أنه سيُستخدم كأداة لتصفية الحسابات وإقصاء الخصوم، كما حدث في تجارب سابقة؟ وما مصير المئات من المسؤولين الحاليين والسابقين في حالة تفعيل هذا القانون؟ وهل تملك المؤسسات القضائية القدرة على تحمل هذه المهمة التاريخية؟

حماية الأطفال في العصر الرقمي.. مسؤولية الدولة والأسرة

في منشور ثالث، نقل عادل عيسى النقاش إلى واقع التحول الرقمي وحماية الأطفال، متسائلاً: “من المسؤول عن حماية أبنائنا في العصر الرقمي؟”، ومستشهداً بإجراءات تتخذها دول مثل الدنمارك وفرنسا للحد من استخدام الأطفال للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

وشدد عيسى على أن المجتمع الليبي، كمجتمع مسلم محافظ، يواجه تحديات حقيقية من الاستخدام غير المنضبط للهواتف الذكية والإنترنت، ومنها المحتوى غير اللائق، وإدمان الشاشات، والتنمر الإلكتروني، وتراجع التحصيل الدراسي، وتعرّض الأطفال لأفكار وسلوكيات تتعارض مع قيم الأسرة والمجتمع.

لكنه في الوقت نفسه نبه إلى أن الهدف ليس محاربة التقنية أو عزل الأبناء عن العالم، بل ضمان ألا تتحول التكنولوجيا من وسيلة نافعة إلى باب مفتوح لكل ما يضر الطفل والأسرة.

وطالب عيسى بسماع “قرارات أكثر جدية في مدارسنا ومؤسساتنا، تضع سلامة أبنائنا وقيم مجتمعنا في مقدمة الأولويات”.

تأتي هذه الدعوة في وقت يشهد فيه العالم العربي، بما فيه ليبيا، طفرة رقمية غير مسبوقة، حيث أصبح الأطفال والمراهقون يستخدمون الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف، في غياب أي تشريعات رقابية أو برامج توعوية كافية على مستوى الأسرة والمدرسة.

وتبدو الحاجة ملحة اليوم إلى وضع استراتيجية وطنية متكاملة للسلامة الرقمية، تشمل تشريعات قانونية، وبرامج توعوية، ومراقبة أسرية، وتعاوناً مع شركات التقنية لضمان بيئة رقمية آمنة للأطفال.

سقوط الدولة وغياب البديل

ما يجمع بين المنشورات الأربعة التي كتبها الدبلوماسي الأسبق عادل عيسى هو أنها ترسم صورة قاتمة لدولة تعاني من أزمات متلاحقة على كل المستويات: سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وأمنية، ورقمية.

ففي المستوى السياسي، يبدو المشهد الليبي غارقاً في صراعات النخب، حيث تحولت الكيانات السياسية التي نشأت بعد العام 2011 من أدوات لتغيير الواقع إلى آليات لتوزيع الغنائم، وأصبحت “جبهة إنقاذ ليبيا” نموذجاً حياً لامتصاص الأزمات وإعادة إنتاج المنظومة الفاسدة نفسها.

أما اقتصادياً، فإن ثروات النفط والغاز تظل حبيسة الصراعات السياسية، ولا تصل إلى المواطن الذي يئن تحت وطأة انقطاع الكهرباء والخدمات الأساسية، فيما تتحول مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات يتنافس عليها المتنفذون.

وعلى الصعيد الاجتماعي، يواجه المجتمع الليبي تحديات جديدة، مثل حماية الأطفال في الفضاء الرقمي، في غياب أي سياسات عامة واضحة للتعامل مع هذه التحديات، الأمر الذي يترك الأسرة الليبية وحيدة في مواجهة عصر لم يعد ينتظر.

أمنياً، تظل ليبيا تعاني من حالة من الانقسام الأمني، مع وجود ميليشيات مسلحة تفرض نفوذها على مؤسسات الدولة، وتتحكم في القرار السياسي، في مشهد يذكر بفشل الدولة في فرض سيطرتها على الأراضي والحدود.

أي مستقبل تنتظر ليبيا؟

في خضم هذه الأزمات المتراكبة، يظل السؤال الأهم: أي مستقبل تنتظر ليبيا؟ وهل يمكن للقوى السياسية الحالية أن تخرج البلاد من نفقها المسدود، أم أن الوقت قد حان لمراجعة شاملة لكل التجارب السياسية التي مرت بها البلاد منذ العام 2011؟

ما يقدمه عادل عيسى في منشوراته ليس مجرد نقد سياسي، بل هو محاولة لفتح نقاش مجتمعي حول مسؤولية النخب، ودور القانون، وحماية الأجيال القادمة، وأهمية العودة إلى القيم والأخلاق في السياسة والحكم. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يملك المجتمع الليبي، بكل أطيافه، الإرادة والقدرة على تجاوز حالة الجمود والانقسام، والانطلاق نحو بناء دولة المواطنة والمؤسسات؟

المواطن الليبي، الذي ظل يعاني لعقود من الحروب والصراعات، يستحق أكثر من هذا المشهد البائس. يستحق دولة قادرة على توفير الكهرباء والماء والخدمات الأساسية، يستحق نظاماً سياسياً يعبر عن إرادته، يستحق قادة حقيقيين يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

وبين هذا الطموح وهذا الواقع، تظل ليبيا في قلب العاصفة، تبحث عن منقذ قد لا يأتي، أو عن إرادة داخلية قادرة على صنع التغيير من الداخل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى