ليبيا

كهرباء تنقطع.. وديزل ينضب.. وليبيون يدفعون الثمن في صمت

أزمة الوقود والكهرباء في ليبيا تدفع سائقي الشاحنات إلى حافة الهاوية.. ومواطنون يحتجون في الشوارع

انقطاع المياه والكهرباء يشل الحياة في طرابلس.. وحكومة الدبيبة العاجزة تتفرج على معاناة الليبيين

ليبيا 24

ليبيا تحت وطأة أزمة مزدوجة.. كهرباء تنقطع وديزل ينضب والمواطن يدفع الثمن

في مشهد يعكس هشاشة الدولة وغياب الحلول، يقف سائقو الشاحنات الليبيون في طوابير تمتد لأيام أمام محطات الوقود، بينما تنطفئ الأنوار في المنازل والمحلات، وتجف صنابير المياه في العاصمة.

أزمة مترابطة الأسباب، متشابكة التداعيات، تكشف عن فشل حكومة عبد الحميد الدبيبة في إدارة أزمات البلاد، وتضع المواطن الليبي أمام اختبار يومي للصمود في وجه انهيار متسارع للخدمات الأساسية.

طوابير الديزل.. قصة معاناة يومية

في أحد شوارع طرابلس، وتحت حرارة تقترب من أربعين درجة مئوية، يقف محمد (أب لستة أطفال) بجوار شاحنته التي كانت مصدر رزقه الوحيد لسنوات. لكنه اليوم ليس في مهمة نقل، بل في طابور طويل يمتد لعشرات الأمتار أمام إحدى محطات الوقود، ينتظر دوره للحصول على الديزل الذي قد لا يأتي إلا بعد يومين أو ثلاثة أيام.

يقول محمد وهو يمسح عرقاً يتصبب من جبينه: “إذا حدث انقطاع كامل للكهرباء، فسنظل ننتظر لفترة غير معلومة.

فهذه المحطات، مثلها مثل كل شيء في ليبيا، مرهونة بتوافر التيار الكهربائي الذي بات ينقطع لعشر ساعات متواصلة في اليوم.

لم تعد المسألة مجرد انتظار. فالديزل المدعوم رسمياً بسعر زهيد لا يتجاوز بضعة قروش للتر الواحد، يختفي فجأة من المحطات، ليعيد الظهور في السوق السوداء بسعر يتجاوز ثمانية دنانير للتر الواحد، أي أكثر من خمسين ضعف السعر الرسمي.

وأمام هذا الجنون السعري، يجد محمد نفسه أمام معادلة مستحيلة: “إذا تم شراء الديزل من السوق السوداء، فلن تتم تغطية النفقات من الدخل من العمل اليومي بعد دفع ثمنه.

ومع اقتراب العام الدراسي الجديد وارتفاع أسعار السلع الأساسية، لم يعد أمام هذا الأب الستيني سوى خيارين: الاقتراض لتغطية احتياجات أسرته، أو بيع شاحنته والبحث عن عمل آخر. خياران أحلاهما مر، في بلد يمتلك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا.

الكهرباء تنقطع.. والحياة تتوقف

لكن معاناة محمد ليست استثناء، بل هي نموذج لحياة الملايين في ليبيا هذه الأيام. فانقطاعات الكهرباء التي تتجاوز العشر ساعات يومياً لم تقتصر آثارها على طوابير الوقود، بل امتدت لتشل الأنشطة التجارية وتدمر مصادر الرزق.

في أحد محال البقالة بوسط طرابلس، يتحدث صاحب المحل بمرارة عن خسائره اليومية: “انقطاعات الكهرباء التي تستمر لأكثر من 10 ساعات تسببت في توقف معدات التبريد، ما أدى إلى عدم توفر المياه المبردة وتلف بعض السلع المجمدة. ويضيف بنبرة يائسة: “هذا أسوأ موسم بالنسبة للتجار، ولم أعد قادراً على الاستمرار في ظل هذه الظروف.

المشكلة أن أزمة الكهرباء في ليبيا ليست طارئة، بل هي نتاج تراكم عقود من الإهمال وسوء الإدارة. فالمحطات الكهربائية تعاني من تقادم البنى التحتية، وشبكات النقل مهترئة، والصيانة شبه منعدمة. ورغم امتلاك ليبيا احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي الذي يمكن استخدامه في توليد الكهرباء، فإن أغلب هذه الثروة إما تُحرق في الآبار أو تُصدّر للخارج، بينما يعيش الليبيون في الظلام.

الماء ينقطع.. والمقاهي تغلق أبوابها

إذا كانت الكهرباء عنصراً أساسياً للحياة، فإن الماء هو الروح. وفي طرابلس، ضربت الأزمة هذا المورد الحيوي أيضاً، بعد أن انقطعت الإمدادات عن أجزاء واسعة من العاصمة بسبب اضطرابات طالت منظومة النهر الصناعي، تلك الشبكة العملاقة من الأنابيب والقنوات التي تنقل المياه العذبة من الصحراء إلى المدن الساحلية.

وفي وسط طرابلس، اضطر صاحب مقهى كان يعتمد على زبائنه في قضاء ساعات المساء، إلى إغلاق مشروعه بالكامل. يقول وهو ينظر إلى مقهاه المغلق بحسرة: “انقطاع الكهرباء يمكن التعامل معه مؤقتاً باستخدام مولد كهربائي، لكن نقص المياه يجعل تشغيل المقهى مستحيلاً، حتى مع استمراره في دفع الإيجار. ويضيف: “كل يوم يمر من دون فتح المقهى يعني خسارة أخرى، لكن ماذا يمكنني أن أفعل؟ لا أستطيع العمل من دون ماء.

المشهد يتكرر في عشرات المحلات والمقاهي والمطاعم، حيث يجف مصدر الرزق مع جفاف الصنابير، في حلقة مفرغة من المعاناة تتكامل فيها أزمات الكهرباء والوقود والمياه لتشكل كابوساً يومياً للمواطن الليبي.

أزمة مترابطة.. وانهيار متعدد الأوجه

ما يميز الأزمة الحالية في ليبيا هو تداخل أسبابها وتشابك تداعياتها، بحيث تتحول كل مشكلة إلى محفز لمشكلة أخرى. فانقطاع الكهرباء يؤدي إلى توقف محطات الوقود عن العمل، ما يجعل حصول السائقين على الديزل أكثر صعوبة.

وفي المقابل، يؤدي نقص الديزل إلى زيادة تكلفة تشغيل المولدات الكهربائية التي يحاول المواطنون والمحلات التجارية استخدامها كحل مؤقت. أما الاضطرابات التي تطال منظومة النهر الصناعي، فتحرم الأنشطة التجارية من المياه حتى في حال توفر الكهرباء.

إنها أزمة متكاملة الحلقات، تنكشف من خلالها هشاشة البنية التحتية الليبية وضعف قدرة الدولة على إدارة أزماتها، في وقت تغرق فيه المؤسسات في صراعاتها السياسية وتتناسى واجبها الأساسي تجاه المواطن.

احتجاجات غاضبة.. وطرق مغلقة

لم تبق معاناة الليبيين حبيسة الطوابير والمحلات المغلقة، بل تجاوزتها إلى الشارع في شكل احتجاجات عنيفة. ففي مدن عدة، خرج مواطنون غاضبون إلى الشوارع، وأغلقوا الطرق بإشعال النيران في القمامة والإطارات، وقطعوا الطرق بالأنقاض، وأغلقوا مبانٍ حكومية احتجاجاً على تردي الخدمات.

هذه الاحتجاجات التي كانت تبدو في السابق مقتصرة على مناطق معينة، باتت تنتشر في العاصمة طرابلس ومدن الغرب، مما يعكس حالة الغضب الشعبي المتفاقم ضد حكومة عبد الحميد الدبيبة التي توصف بأنها “منتهية الولاية”، والتي عجزت عن تقديم أي حلول جذرية للأزمات المزمنة التي تعصف بالبلاد.

فبدلاً من الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، أو تطوير قدرات التكرير المحلية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، أو حتى صيانة شبكات الكهرباء والمياه، تواصل الحكومة سياسة الترقيع والتسويف، تاركة المواطن الليبي وحيداً في مواجهة انهيار متسارع للخدمات الأساسية.

خبراء يحذرون: المشكلة أعمق من نقص التوليد

في قراءة فنية للأزمة، يرى الخبراء أن ما يحدث في ليبيا ليس مجرد نقص عابر في توليد الكهرباء، بل أزمة بنيوية في إدارة منظومة الطاقة بأكملها. يقول طارق الترهوني، خبير الطاقة ورئيس قسم هندسة الطاقات المتجددة والمستدامة بجامعة عمر المختار: “أزمة الكهرباء في ليبيا ليست مجرد أزمة في توليد الطاقة، بل هي أزمة في إدارة منظومة الطاقة بأكملها.

ويوضح الترهوني أن “الحل المستدام يتطلب إعادة بناء منظومة الطاقة في ليبيا على أساس الكفاءة والموثوقية والتنوع واللامركزية، بالتوازي مع إعادة تأهيل محطات التوليد التقليدية، وتعزيز شبكة الكهرباء وتحسين إدارة الطلب على الطاقة.

لكن هذه الرؤية العلمية الرصينة تصطدم بواقع سياسي معقد، حيث تتحكم المصالح الضيقة والصراعات على الموارد في قرارات الحكومة، ويبقى ملف الطاقة رهينة التجاذبات السياسية بدلاً من أن يكون أداة لخدمة المواطن.

تداعيات إقليمية ودولية تضاعف المعاناة

لم تقتصر الأزمة على عوامل داخلية، بل تفاقمت بسبب تداعيات إقليمية ودولية. فوفقاً لأحمد المسلاتي، مدير إدارة الإعلام والاتصال والناطق الرسمي باسم شركة البريقة لتسويق النفط، فإن “الأزمة العالمية، وتحديداً الاضطرابات في حركة الشحن عبر مضيق هرمز وتداعيات أزمات الطاقة العالمية، أدت إلى تأخر وصول بعض شحنات الوقود إلى ليبيا.

أما على المستوى المحلي، فيرجع المسلاتي الأزمة إلى “انخفاض إنتاج مصفاة الزاوية بسبب انقطاعات الكهرباء والظروف الأمنية، مما أسهم في تراجع مؤقت في الكميات المتاحة للتوزيع.

لكن هذه التبريرات التي تسوقها الحكومة لا تقنع الليبيين الذين يتساءلون: كيف لبلد يملك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا أن يعاني من نقص الوقود؟ وكيف لدولة تمتلك ثروات هائلة أن تعيش في الظلام وتعاني من العطش؟

المواطن الليبي يدفع الثمن

في خضم هذه الأزمات المتشابكة، يبقى المواطن الليبي هو الضحية الأكبر. فهو الذي يقف ساعات في طوابير الوقود تحت أشعة الشمس الحارقة، وهو الذي يجلس في منزله المظلم دون كهرباء، وهو الذي يرى مياه الصنبور تنقطع فجأة، وهو الذي يدفع أضعاف السعر الرسمي للديزل في السوق السوداء ليتمكن من تشغيل مولدته أو إيصال بضاعته.

إنها معاناة إنسانية بامتياز، تختزل فشل دولة بأكملها في توفير أبسط مقومات الحياة لمواطنيها. فبينما تنشغل النخبة السياسية في طرابلس بصراعاتها على المناصب والصلاحيات، يغرق المواطن العادي في مستنقع العيش اليومي الصعب، متسائلاً: متى تنتهي هذه المعاناة؟ ومتى تتحول ثروات بلادنا إلى خدمات حقيقية تلمس حياتنا؟

أزمة تحتاج إلى حلول جذرية

ما تمر به ليبيا اليوم من أزمة طاقة ومياه ليس مجرد عارض طارئ يمكن تجاوزه بالصبر أو الانتظار، بل هو نتاج حتمي لعقود من سوء الإدارة وهشاشة المؤسسات وغياب الرؤية الاستراتيجية. والحلول الترقيعية التي تقدمها حكومة الدبيبة، من استيراد شحنات وقود إضافية أو تشغيل مولدات احتياطية، لن تعالج جذور المشكلة.

المطلوب اليوم هو إعادة بناء منظومة الطاقة الليبية على أسس جديدة، تقوم على الكفاءة والتنوع واللامركزية، مع استثمار حقيقي في الطاقات المتجددة، وتطوير قدرات التكرير المحلية، وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه. لكن قبل كل ذلك، المطلوب إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، وتعمل على إنهاء حالة الانقسام السياسي التي تشل قدرة الدولة على التحرك.

إلى أن يتحقق ذلك، سيبقى الليبيون يدفعون الثمن غالياً في طوابير الديزل، وفي منازلهم المظلمة، وفي محلاتهم المغلقة، وفي وجوه أطفالهم الذين يسألون: لماذا يا أبي تنقطع الكهرباء؟ ولماذا لا يوجد ماء؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى