المشهد الليبي على صفيح ساخن: تفاهمات “4+4” خطوة ضرورية لإنقاذ البلاد من دوامة الانقسام
تفاهمات "4+4" تمثل مخرجاً واقعياً لإنهاء الجمود السياسي.. خبراء وسياسيون يؤكدون: لا بديل عن هذه الخطوة لإنقاذ ليبيا من الانهيار
ليبيا 24
تفاهمات “4+4”.. قراءة واقعية في مخرج ضروري لإنهاء معاناة الليبيين
في ظل استمرار الأزمة الليبية لأكثر من عقد من الزمن، وتعدد المبادرات والمسارات السياسية التي لم تثمر عن حل جذري، تبرز تفاهمات لجنة “4+4” كنافذة أمل حقيقية لكسر الجمود السياسي وإنهاء المرحلة الانتقالية الطويلة التي استنزفت مقدرات البلاد وأرهقت المواطن الليبي.
ورغم الجدل الذي أثير حول بعض جوانبها، إلا أن قراءة متأنية لمخرجات اللجنة تكشف عن خطوة جادة وضرورية نحو تحقيق الاستقرار، خاصة في ظل غياب أي بديل واقعي يمكن أن يحقق ما عجزت عنه المسارات السابقة.
العرفي: أطراف مسلحة تسعى لإفشال التفاهمات لإطالة المرحلة الانتقالية والنهب الممنهج
في تحليل عميق للواقع السياسي، حذر عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي من أن بعض الأطراف التي تعارض تفاهمات “4+4” ليست معنية حقاً بإنهاء الأزمة، بل تسعى لإطالة أمد المرحلة الانتقالية للاستفادة من حالة الانقسام والنهب الممنهج لمقدرات الدولة.
وأكد العرفي أن “بعض الأطراف السياسية بما فيها مجلس الدولة تمثل أطرافاً وتشكيلات مسلحة، ورغم أنها لا تتمتع بثقل كبير، فإنها تمتلك السلاح والأدوات والنفوذ فضلاً عن الإمكانات المالية، وهو ما يمنحها قدرة على التأثير في المشهد السياسي وتعطيل أي مسار حقيقي للانتخابات”.
وأشار العرفي إلى أن “الجدل الذي أثير مؤخراً يعود في جانب منه إلى مواقف رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الذي وصف ولايته بأنها منتهية، إلى جانب موقف مجلس الدولة الذي أعلن رفضه قبل مناقشة تفاصيل ما تم الاتفاق عليه”، معتبراً أن هذا الاعتراض لا يخدم سوى إطالة أمد الأزمة السياسية.
وشدد العرفي على أن “استمرار المرحلة الانتقالية يتيح مزيداً من الاستفادة من حالة الانقسام والنهب الممنهج لمقدرات الدولة”، وهو ما يفسر رفض بعض الأطراف لأي توافق قد يؤدي إلى إنهاء هذه المرحلة.
السلاك: تفاهمات “4+4” اختراق سياسي مهم ولا يمكن الانتظار إلى الأبد
من جانبه، وصف المتحدث السابق باسم حكومة الوفاق محمد السلاك تفاهمات لجنة “4+4” بأنها “اختراق سياسي مهم” في توقيت بالغ الصعوبة، مؤكداً أنها جاءت نتيجة انخراط قوى إقليمية ودولية، إلى جانب تفاهم بين مراكز القوى الرئيسية داخل ليبيا، بهدف تجنب سيناريوهات التفتت والانفصال والعودة إلى المواجهة العسكرية.
وفي رد على المعارضين للتفاهمات، أوضح السلاك أن “مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي أتيحت لهم خلال السنوات الماضية فرص لمعالجة الملفات المتعلقة بالإطار الدستوري والقانوني والمصالحة الوطنية وغيرها، إلا أنهم أخفقوا في تنفيذ هذه الاستحقاقات”، مضيفاً أن “لا يمكن الانتظار إلى الأبد، وما تم التوصل إليه يمثل أفضل ما يمكن تحقيقه في الظروف الراهنة”.
السلامي: مخرجات غير مثالية لكنها مقبولة وتضع أسساً واضحة للمستقبل
وفي قراءة أكاديمية متوازنة، أكد أستاذ العلاقات الدولية الدكتور مسعود السلامي أن ما يُحسب للجنة “4+4” هو أنها ذهبت مباشرة إلى نقاط الخلاف الرئيسية واستطاعت التوصل إلى نتائج قد تكون مقبولة من الطرفين، مشيراً إلى أن التفاهمات المتعلقة بشروط الترشح للانتخابات الرئاسية تمثل خطوة مهمة، ولا سيما فيما يتعلق بترشح العسكريين، حيث أن السماح للعسكري بالترشح على أن يتحول إلى رئيس مدني في حال فوزه يمثل مخرجاً مناسباً لهذه الإشكالية.
واعتبر السلامي أن اعتماد انتخاب رئيس البلاد بنسبة 50% + 1 يمثل خطوة جيدة نحو حلحلة الأزمة، مشيداً بالتوافق على عدم الربط بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهو ما يمنع تعقيد المشهد الانتخابي.
وأكد السلامي أن “لجنة 4+4 تجاوزت إلى حد كبير إشكالية الإطار القانوني، وأنها تشكل إطاراً سياسياً وقانونياً بديلاً عن مجلسي النواب والدولة باعتبار أن اللجنة تضم أعضاء يمثلون مجلس النواب ومجلس الدولة والمجلس الرئاسي والقيادة العامة”.
قراءة في تفاصيل التفاهمات: نقاط قوة تعزز فرص النجاح
وتكشف التسريبات عن تفاهمات دقيقة تعكس جدية اللجنة في معالجة الملفات العالقة، حيث تضمنت مقترحات واضحة بشأن شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، ومشاركة العسكريين ومزدوجي الجنسية، وإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، وتوحيد مؤسسات الدولة.
ورأى السلامي أن “السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح مع اشتراط التخلي عن الجنسية الأجنبية قبل أداء اليمين القانونية يمثل مخرجاً قانونياً مناسباً، إلى جانب التوافق على عدم الربط بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية”.
ونيس يصر على الرفض رغم غياب البديل
في المقابل، يصر عضو المجلس الأعلى للدولة سعيد ونيس على موقفه الرافض، واصفاً مخرجات لجنة “4+4” بأنها “معيبة بالكامل”، ومتحدثاً عن تدخل اللجنة في شأن دستوري وقانوني من خلال طرح إلغاء القوانين الانتخابية المعمول بها.
لكن هذا الموقف يبقى معزولاً في ظل إقرار الجميع بأن البديل هو استمرار الفراغ السياسي والفوضى، وهو ما لا يخدم سوى مصالح الأطراف المستفيدة من الانقسام.
المواطن الليبي ينتظر الحل.. وتفاهمات “4+4” تمنحه أملاً حقيقياً
في الوقت الذي يتصارع فيه السياسيون حول تفاصيل التفاهمات، يظل المواطن الليبي هو المستهدف الأول بهذه الخطوة، فهو الذي عانى طويلاً من انقطاع الكهرباء، وتدهور الخدمات، وانتشار الفساد، والانفلات الأمني. وتفاهمات “4+4” تمنحه أملاً حقيقياً في إنهاء هذه المعاناة، عبر وضع أسس واضحة للانتخابات وتوحيد المؤسسات، وهو ما سينعكس إيجاباً على وضعه المعيشي وحياته اليومية.
دعم دولي وإقليمي يعزز فرص النجاح
وأكد السلامي أن “نجاح الاتفاق سيتوقف بدرجة كبيرة على مدى فاعلية المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية والدول الغربية الداعمة للمسار، وأن انتقال الدعم الدولي من البيانات والتصريحات إلى خطوات عملية سيكون عاملاً حاسماً في حماية المخرجات ومنع عرقلتها”.
وهذا الدعم الدولي الواسع يعكس إدراك المجتمع الدولي لأهمية هذه التفاهمات في استقرار ليبيا والمنطقة بأكملها.
تفاهمات “4+4” هي الخيار الواقعي الوحيد
في ظل غياب أي بديل حقيقي يمكن أن ينهي حالة الانقسام والجمود السياسي، تبقى تفاهمات “4+4” هي الخيار الواقعي الوحيد المتاح، رغم عدم كمالها. وهي تمثل خطوة شجاعة من الأطراف المشاركة فيها لكسر الجمود وتجاوز العقبات التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم.
والأمل معقود على أن تنجح هذه التفاهمات في فتح الطريق أمام انتخابات حرة ونزيهة، تؤدي إلى بناء دولة المؤسسات والقانون، وتحقيق طموحات الشعب الليبي في العيش بكرامة وسلام.



