أزمة الكهرباء تلتهم لقاحات الليبيين.. وحكومة الدبيبة بين النفي والإعدام
أزمة انقطاع التيار الكهربائي تتحول إلى تهديد وجود.. واتهامات لحكومة الدبيبة بالتغطية على كارثة صحية وشيكة
ليبيا 24
كهرباء تنهب اللقاحات.. وصمت حكومي يهدد أرواح الليبيين
في بلد يعاني أبناءه من وطأة انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة تتجاوز في بعض المناطق الـ15 ساعة يومياً، لم تعد تداعيات هذه الأزمة تقتصر على الحرمان من وسائل الترفيه أو تعطيل مصالح الحياة اليومية، بل تجاوزتها لتطال أحد أكثر الملفات حساسية وأشدها خطورة على الصحة العامة، ألا وهو ملف اللقاحات والأمصال الحيوية التي تعتمد عليها الدولة في حماية مواطنيها من الأمراض والأوبئة.
ففي تطور مقلق كشف عن حجم الإهمال الذي تعانيه البنية التحتية للقطاع الصحي في العاصمة طرابلس وخارجها، أعلن فرع مركز الرقابة على الأغذية والأدوية بمنطقة سوق الجمعة، قبل أيام، عن إعدام 4941 جرعة لقاح من مختلف التطعيمات، بعد أن تعرضت للتلف نتيجة ارتفاع درجة الحرارة داخل غرفة التبريد المركزية، جراء انقطاع التيار الكهربائي وتعطل منظومة التبريد بالكامل.
إعدام جماعي للقاحات
هذا الإعدام الجماعي لم يكن وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لتحذيرات سابقة أطلقها المركز ذاته قبل أسبوع من ذلك، حين أفاد بتعرض نحو 2000 جرعة لقاح في مخازن التطعيمات للتلف بسبب انقطاع الكهرباء وعدم توفر كميات كافية من الوقود لتشغيل المولدات البديلة.
وحذر المركز في بيانه من أن “استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى وصول بعض اللقاحات غير الصالحة للاستخدام إلى المراكز الصحية”، داعياً إلى “التعامل مع الوضع بصورة عاجلة لضمان سلامة الجرعات قبل توزيعها.
غير أن وزارة الصحة التابعة لحكومة الدبيبة المنتهية ولايتها، سارعت إلى نفي أي خطر يتهدد سلامة اللقاحات، مؤكدة في بيان لها أن “المخازن تواصل العمل بواسطة المولدات الكهربائية رغم انقطاع التيار، ولم نتلق أي بلاغ رسمي يفيد بوجود نقص في الوقود اللازم لتشغيل المولدات أو تعطل أي منها.
وهو النفي الذي بدا وكأنه محاولة يائسة لتطييب خاطر الرأي العام، قبل أن تأتي عملية الإعدام الجديدة لتنسف تلك الرواية وتفضح حجم التناقض بين أقوال المسؤولين وحقيقة ما يحدث على الأرض.
تحذيرات من كارثة وشيكة
ومع استمرار انقطاع الكهرباء، وشح الوقود، وتقادم المولدات ومصادر الطاقة البديلة، حذر مركز الرقابة من أن هذه العوامل مجتمعة “تهدد سلامة مخزونات اللقاحات، والمخاطر أكبر في المناطق النائية التي تشهد فترات انقطاع طويلة”، مؤكداً أن “ملف التطعيمات يمثل أمناً قومياً”، وداعياً الجهات المعنية إلى “استعجال التعامل مع المشكلة، ووضع حلول جذرية تضمن استقرار الكهرباء وتوفير الوقود ومصادر الطاقة اللازمة لحفظ اللقاحات.
تدخلات غير مجدية
وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي وطمأنة الليبيين، أعلنت وزارة الصحة في طرابلس عن تنفيذ حزمة من التدخلات لتعزيز سلسلة تبريد اللقاحات بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، شملت توفير أكثر من 1700 ثلاجة مخصصة لحفظ اللقاحات، إلى جانب منظومات للطاقة الشمسية ومصادر طاقة احتياطية.
وأوضحت الوزارة أنه جرى تركيب 218 ثلاجة تعمل بالطاقة الشمسية في مواقع تطعيم موزعة على عدد من البلديات والمناطق، كما جرى دعم 44 مرفقاً للرعاية الصحية الأولية بمنظومات للطاقة الشمسية، إلى جانب تزويد البرنامج الوطني للتطعيم بأكثر من 1500 ثلاجة مخصّصة لحفظ اللقاحات.
لكن هذه الأرقام الضخمة، التي بدت وكأنها استعراض إعلامي أكثر منه حل جذري، قوبلت بانتقادات لاذعة من قبل أطباء ومختصين، رأوا فيها محاولة لتضليل الرأي العام وتغطية على فشل الحكومة في إدارة الأزمة.
أصوات من داخل القطاع الصحي
في هذا السياق، انتقد طبيب أطفال ما أعلنته وزارة الصحة، مشيراً إلى أن “توفير هذه الثلاجات جاء ضمن مشروع بدأ في عام 2023، ما يعني أن هذه التجهيزات سبقت أزمة انقطاع الكهرباء الحالية.
وتساءل الطبيب، الذي فضل عدم الكشف عن هويته خشية التعرض للمساءلة، قائلاً: “مواجهة الأزمة باستعراض أرقام التجهيزات لا يجيب عن السؤال الأساسي المتعلق بكيفية وصول الأوضاع إلى مرحلة إعدام هذه الكميات من اللقاحات بينما تقول الوزارة إنها وفرت وسائل الحفظ والتبريد.
وأضاف الطبيب: “لست أتهم الوزارة، لكنني أطالبها بتتبع حقيقة وصول هذه الثلاجات إلى المراكز الصحية من خلال زيارات ميدانية، وألّا تكتفي بالتقارير الورقية التي تصلها، مع الاهتمام بأوضاع اللقاحات في مخازن الحفظ بالمناطق الهامشية.
وأكد أن “التعامل مع الأزمة عبر بيانات تتحدث عن توزيع أعداد من الثلاجات من دون توضيح قدرتها الاستيعابية ومواصفاتها ومدى انتشارها الفعلي لا يفيد، خاصّة في ظل انقطاعات كهربائية تصل أحياناً إلى 15 ساعة يومياً، وتعذر الحصول على الوقود اللازم لتشغيل المولدات، وتسجيل حالات انقطاع للكهرباء في كل أنحاء البلاد، واحتمال تكرارها.
خطر ارتفاع الحرارة
ويشرح الطبيب خطورة الوضع قائلاً: “معظم اللقاحات تتراوح درجة حرارة تبريدها بين درجتين وثماني درجات مئوية، وإذا تجاوزت حرارة التبريد هذه الحدود يعاد تقييم مدة تعرض اللقاح للحرارة، ويتخذ القرار الطبي وفقاً لنوع اللقاح وبياناته الفنية.
ويضيف: “ارتفاع الحرارة إلى 15 درجة مئوية، يعد حالة خطرة تستدعي عزل الجرعات، وعدم استخدامها إلى حين تقييمها، وقد ينتهي الأمر إلى إعدامها إذا ثبت فقدانها الصلاحية.
ويخلص الطبيب إلى أن “الخطورة تتضاعف في ظل وصول انقطاع الكهرباء إلى 15 ساعة يومياً، وارتفاع درجات الحرارة الخارجية إلى أكثر من 40 درجة مئوية، ما يجعل استقرار مصادر الطاقة اللازمة لاستمرار سلسلة التبريد مسألة حاسمة في حماية مخزون اللقاحات.
المسؤولية القانونية والأخلاقية
إن ما يحدث اليوم في مخازن اللقاحات ليس مجرد أزمة عابرة أو خلل تقني يمكن تداركه، بل هو جريمة في حق الصحة العامة تتحمل مسؤوليتها كاملة حكومة الدبيبة المنتهية ولايتها، التي آثرت الانشغال بالصراعات السياسية والمناكفات الإعلامية على حساب توفير أبسط مقومات الحياة للمواطن الليبي.
فبدلاً من الاعتراف بالأزمة والعمل على حلها بجدية، نراها تتنقل بين النفي والتبرير، وتستعين بالأرقام والبيانات الصحفية للتغطية على فشلها الذريع في إدارة واحدة من أخطر الملفات التي تمس حياة الليبيين.
إن إعدام آلاف الجرعات من اللقاحات الحيوية، في وقت تعاني فيه البلاد من شح في الإمدادات الطبية وضعف في المنظومة الصحية، هو بمثابة إنذار خطير يحذر من كارثة صحية وشيكة قد تطال آلاف الأطفال والمواطنين، خاصة في المناطق النائية والمهمشة التي تعاني أصلاً من تهميش مزدوج. وما يزيد الطين بلة هو استمرار انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة دون أي بوادر لحل جذري، في وقت تشهد فيه البلاد موجات حر شديدة تجعل مهمة الحفاظ على سلسلة التبريد أشبه بالمستحيل.
مواطنون بين النار والثلج
في الشارع الليبي، يعيش المواطنون حالة من القلق والخوف على مستقبلهم الصحي، بعد أن أصبحوا يدركون أن اللقاحات التي يفترض أن تحميهم من الأمراض، قد تكون هي نفسها سبباً في أمراض جديدة بسبب سوء التخزين والإهمال المتعمد.
ويتساءل الليبيون: كيف لوزارة الصحة أن تدعي توفير وسائل التبريد الحديثة، بينما تشهد مخازنها الرئيسية إعدام آلاف الجرعات بسبب ارتفاع الحرارة؟ وكيف لها أن تتحدث عن تزويد المراكز الصحية بالثلاجات الشمسية، بينما تعجز عن توفير الوقود اللازم لتشغيل المولدات في المخازن المركزية؟
إن هذه التناقضات الصارخة تكشف عن خلل بنيوي في إدارة القطاع الصحي، وعن غياب تام للرقابة والمتابعة، وعن استهانة غير مبررة بحياة المواطنين. فما جدوى توفير الثلاجات إذا كانت الكهرباء منقطعة، والوقود شحيحاً، والمولدات متقادمة، والرقابة غائبة؟ وما جدوى البيانات الصحفية إذا كانت الحقائق على الأرض تقول غير ذلك؟
دعوة للمحاسبة
إن موقعنا، انطلاقاً من مسؤوليته القانونية والأخلاقية تجاه المواطن الليبي، يدعو الجهات الرقابية والقضائية إلى فتح تحقيق عاجل في هذه القضية، ومحاسبة كل من تسبب في إتلاف هذه اللقاحات، سواء بالإهمال أو التقصير أو التغطية على الحقيقة.
كما يدعو المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل لحماية ما تبقى من مخزون اللقاحات، وضمان عدم تكرار هذه الكارثة، التي تعد انتهاكاً صارخاً للحق في الصحة الذي كفله القانون الليبي والمواثيق الدولية.
إن الوقت قد حان لكي تدرك حكومة الدبيبة أن التلاعب بمصير اللقاحات هو تلاعب بحياة الليبيين، وأن التغطية على الفشل لا تغير من الحقيقة شيئاً. فالأرواح التي تذهب هدراً بسبب إهمالها، لن تعوضها أي بيانات صحفية أو أرقام وهمية.
الليبيون يستحقون حكومة تحمي صحتهم، لا حكومة تهددها، ويستحقون لقاحات آمنة، لا لقاحات تتحول إلى قنابل موقوتة بسبب سوء التخزين والإدارة.
في النهاية، تبقى صحة الليبيين هي الخط الأحمر الذي لا يجوز تجاوزه، وأي تقصير في هذا الملف يجب أن يواجه بأقصى درجات المساءلة والعقاب، فما يحدث اليوم في مخازن اللقاحات هو جريمة صحية بكل المقاييس، وضحيتها الأولى هم المواطنون الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم يعيشون في بلد نهبت ثرواته، ونهبت معها أحلامهم في حياة كريمة.



