ليبيا

ليبيا.. أزمة المحروقات تتسع بين شح الوقود وتصاعد نشاط السوق السوداء

فجوة الأسعار تشجع التهريب، وإصلاح الدعم يواجه مخاوف معيشية واختلالات في منظومة التوزيع.

تتصاعد في ليبيا أزمة توفير المحروقات، وسط اتساع نشاط السوق السوداء وشح الوقود المدعوم، في مشهد يعكس اختلالات تتجاوز مسألة التسعير إلى إدارة الإمدادات والتوزيع،وبينما تتجدد الدعوات إلى إصلاح منظومة الدعم، تظل المخاوف من تحميل المواطنين كلفة الأزمة حاضرة، في ظل غياب ضمانات واضحة لحمايتهم من تداعيات أي رفع محتمل للأسعار.

طوابير الوقود تكشف اختلالات الإمدادات

وتتكرر مشاهد الطوابير أمام محطات الوقود في عدد من المدن، وفق صور وتسجيلات محلية، كان آخرها السبت في رقدالين وترهونة والزاوية غرب البلاد، حيث ينتظر المواطنون لساعات للحصول على البنزين، وسط اتهامات لشبكات التهريب بالتسبب في شح الإمدادات.

ولا تبدو هذه المشاهد مجرد أزمة عابرة في توافر سلعة أساسية، بل مؤشرًا على ضعف قدرة منظومة التوزيع على ضمان وصول الوقود المدعوم إلى مستحقيه، وعلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الفعلي الذي يدفعه المواطنون في بعض المناطق.

فارق الأسعار يغذي السوق السوداء

ويبلغ سعر لتر البنزين المدعوم في ليبيا 0.150 دينار (0.03 دولار)، وهو من أدنى الأسعار عالميًا، بينما يتراوح سعره في السوق السوداء بين 8 و10 دنانير،.. ويعكس هذا الفارق الكبير حافزًا اقتصاديًا واضحًا للتهريب، خصوصًا مع استفادة شبكات منظمة من فروق الأسعار بين السوق المحلية والأسواق المجاورة.

ويرى محللون أن تجارة المحروقات أصبحت نشاطًا مربحًا لشبكات تتداخل مصالحها مع نفوذ محلي وعناصر مسلحة، ما يجعل مكافحة التهريب تحديًا يتجاوز الإجراءات الأمنية إلى معالجة بيئة اقتصادية ومؤسسية تسمح باستمرار هذه التجارة.

إصلاح الدعم.. حل مالي لا يكفي وحده

وفي مواجهة هذه الفجوة، برزت دعوات اقتصاديين وسياسيين إلى إعادة النظر في منظومة الدعم. ومن أبرز المطالبين رجل الأعمال حسني بي، الذي دعا إلى إلغاء الدعم السلعي واستبداله بتحويل نقدي مباشر، مع رفع الأسعار تدريجيًا على مدى خمس سنوات.

وفي الاتجاه نفسه، يرى الدبلوماسي الليبي السابق إبراهيم الدباشي أن دعم الوقود «فقد معناه»، في ظل اقتصار توافر الوقود المدعوم على المدن الكبرى، واضطرار سكان مناطق أخرى إلى اللجوء للسوق السوداء، بالتزامن مع تهريب كميات كبيرة إلى دول الجوار، وفق رأيه.

لكن الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي يميز بين إصلاح الدعم وأسباب الأزمة الراهنة، مؤكدًا أن مشكلات التخزين والشحن والاستلام تمثل عوامل أساسية لا يمكن تجاوزها بمجرد تغيير نظام التسعير.

ويقول الشحاتي إن إصلاح الدعم قد يعالج جوانب مالية واقتصادية، لكنه لن يحل مشكلات التخزين أو الاستلام في الموانئ أو تطوير محطات الوقود، ما لم تعالج هذه الاختلالات بصورة مستقلة، محذرًا من استمرار الأزمة حتى مع تغيير نظام التسعير.

عبء الدعم ومخاوف رفع الأسعار

وتبرز كلفة منظومة الدعم في المالية العامة الليبية، إذ بلغ باب الدعم بمكوناته المختلفة نحو 34.5 مليار دينار خلال عام 2025، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي، من إجمالي إنفاق عام بلغ نحو 136.8 مليار دينار، بما يعادل نحو 25.2 في المائة من الإنفاق.

ويشمل هذا الباب علاوة الزوجة والأبناء ورواتب بعض الشركات والجهات العامة، إلى جانب بنود أخرى، ما يجعل إصلاحه قضية مالية واسعة لا تقتصر على دعم المحروقات وحده.

ورغم ذلك، فإن الدعوات إلى رفع الدعم تواجه اعتراضات شعبية ومخاوف من انعكاساتها على الأسعار ..وهناك من يراها وسيلة لدفع الرأي العام تدريجيًا إلى تقبل إلغاء الدعم باعتباره الحل الوحيد لإنهاء الأزمة ، فيما يرى أخرون ان معالجة الأزمة تبدأ بضبط الاستيراد ومنافذ التوزيع ومكافحة التهريب، بدلًا من تحميل المواطنين تكلفة الطوابير ونقص المحروقات.

أما المحامي الليبي خالد بلحاج، فيحذر من إلغاء الدعم دون زيادة حقيقية في دخول المواطنين وتوفير شبكة حماية اجتماعية، معتبرًا أن ذلك يحمل مخاطر معيشية واجتماعية.

المواطن بين كلفة الإصلاح وغياب الضمانات

وتبدو هذه المخاوف مبررة، وفق الشحاتي، في حال إلغاء الدعم، إذ يعد الوقود من السلع منخفضة المرونة، ما يعني أن ارتفاع سعره سيدفع المستهلك إلى تخصيص جزء أكبر من دخله لشرائه، على حساب بنود إنفاق أخرى.

وتتمثل الخيارات التعويضية المطروحة نظريًا في التحويلات النقدية أو زيادة دخول المواطنين، لكن تطبيقها يواجه صعوبات تقنية واقتصادية في الظروف الليبية الحالية، بينما لا تزال آلية الإصلاح وشروطه وبرامجه التعويضية بحاجة إلى خطة واضحة ومتكاملة.

ويؤكد الشحاتي أن إصلاح منظومة الدعم يحتاج إلى مسار تدريجي يتناسب مع الواقع الاقتصادي الليبي، ويقترن ببرامج تعويضية ملزمة، بما يحد من الآثار الاجتماعية لرفع الأسعار، ويضمن ألا تنتقل تكلفة الإصلاح كاملة إلى المواطنين.

أزمة تحتاج إلى إصلاح المنظومة لا نقل كلفتها

وتشير تقديرات دولية إلى خسائر بنحو 6.7 مليار دولار مرتبطة بمنظومة تهريب المحروقات، في وقت تواجه فيه ليبيا أزمات متكررة في توفير الوقود، رغم اعتمادها على استيراد كميات كبيرة لتلبية احتياجات السوق المحلية.

وتكشف هذه المعطيات أن أزمة المحروقات في ليبيا ليست مجرد نتيجة لسعر مدعوم، بل أزمة إدارة وتوزيع ورقابة، تتداخل فيها الاعتبارات المالية مع مصالح شبكات التهريب. ومن ثم، فإن أي إصلاح جاد لا ينبغي أن يبدأ من جيب المواطن، بل من معالجة الاختلالات التي سمحت باستمرار الأزمة، وضمان وصول الوقود المدعوم إلى مستحقيه، ووضع آلية تعويضية واضحة قبل الإقدام على أي تغيير في الأسعار.

فرفع الدعم قد يكون جزءًا من إصلاح مالي أوسع، لكنه لن يكون حلًا مكتملًا ما لم يصاحبه إصلاح مؤسسي يضمن توافر الوقود، ويحد من التهريب، ويحمي المواطنين من تداعيات ارتفاع الأسعار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى