CNN تكشف نشاطاً أوكرانياً في ليبيا.. وحكومة الدبيبة أمام اختبار السيادة
تحركات عسكرية تثير تساؤلات حول دور الحكومة منتهية الولاية في فتح المجال أمام نفوذ أجنبي

تواجه ليبيا مؤشرات جديدة على تنامي النشاط العسكري الأجنبي داخل أراضيها، في ظل معلومات أوردتها شبكة «CNN» عن وجود خبراء أوكرانيين وتحركات مرتبطة بكييف في ليبيا، ضمن نشاط أوسع يستهدف نقل الخبرات في مجال الطائرات المسيّرة والتدريب العسكري إلى مناطق تشهد تنافساً أمنياً متزايداً.
وتكتسب هذه المعلومات حساسية خاصة في الغرب الليبي، الذي يخضع عملياً لنفوذ حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، إذ تضعها أمام تساؤلات مباشرة بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية التي تجري في المنطقة، ومدى علمها بها، وما إذا كانت قد تحولت من جهة يفترض أن تحمي السيادة الليبية إلى طرف يتعامل بتساهل مع حضور أجنبي متزايد.
CNN تضع الوجود الأوكراني في ليبيا تحت الضوء
وبحسب المعلومات الواردة في تقرير CNN، فإن التحركات الأوكرانية لم تقتصر على مناطق الساحل الأفريقي، بل شملت ليبيا ضمن نطاق عمليات وتعاون عسكري أوسع.
أهمية ما أوردته CNN تكمن في أنه يضع الغرب الليبي تحديداً أمام سؤال سيادي واضح: كيف يمكن أن تجري أنشطة ذات طبيعة عسكرية وتقنية داخل منطقة يفترض أن تخضع لسلطة حكومة قائمة، من دون أن تكون طبيعة هذه الأنشطة وأطرها القانونية والسياسية معلنة للرأي العام؟
حكومة الدبيبة.. من الشراكة إلى التساهل؟
هنا تبرز المسؤولية السياسية لحكومة الدبيبة،فوجود علاقات دولية أو تعاون أمني مع دول أجنبية ليس في حد ذاته دليلاً على مخالفة، لكن السماح بتحول الأراضي الليبية إلى مساحة لأنشطة عسكرية أجنبية غير واضحة يطرح قضية مختلفة تماماً تتعلق بالسيادة.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بخبرات الطائرات المسيّرة والتخطيط العملياتي والتدريب العسكري، وهي مجالات يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في موازين القوة داخل بيئة ليبية تعاني أصلاً من الانقسام.
ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن تواطؤ أو تساهل من حكومة الدبيبة ينبغي فهمه سياسياً باعتباره اتهاماً يحتاج إلى أدلة مباشرة، إلا أن الوقائع التي تستوجب التحقيق تتمثل في مدى علم الحكومة بهذه التحركات، وما إذا كانت قد وافقت عليها أو وفرت لها غطاءً سياسياً أو أمنياً، وما الجهات الليبية التي شاركت فيها.
الغرب الليبي.. مساحة مفتوحة للنفوذ الخارجي
تطرح هذه التطورات إشكالية أوسع تتعلق بطبيعة إدارة الملف الأمني في غرب ليبيا، فبدلاً من أن تكون الشراكات الخارجية موجّهة حصراً إلى بناء مؤسسات الدولة وتوحيد القرار الأمني، قد تتحول إلى قنوات تسمح بتدفق الخبرات والتقنيات إلى بيئة لا تزال تعاني تعدد مراكز القوة.
وهذا تحديداً ما يجعل أي وجود عسكري أو تقني أجنبي موضع قلق، لأن نقل خبرات المسيّرات إلى ليبيا لا يحدث في فراغ سياسي، بل داخل بلد لم يحسم بعد مسألة احتكار الدولة للسلاح والقرار العسكري.
وبالتالي، فإن مسؤولية حكومة الدبيبة لا تتوقف عند إصدار بيانات تنفي أو تؤكد وجود خبراء أجانب، وإنما تمتد إلى كشف طبيعة أي تفاهمات أمنية، وتحديد الجهات المستفيدة منها، وضمان عدم استخدام الأراضي الليبية لخدمة أجندات خارجية.
المسيّرات.. خطر يتجاوز التدريب
تكمن حساسية النشاط المرتبط بالطائرات المسيّرة في أن هذه التكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة استطلاع، بل أصبحت أداة عملياتية يمكن أن تغير طبيعة الصراعات وتمنح الجهات التي تمتلكها قدرة أكبر على المراقبة والاستهداف.
وفي الحالة الليبية، فإن إدخال هذه الخبرات إلى غرب البلاد دون إطار وطني موحد قد يزيد من اختلال موازين القوة بين الأطراف المحلية، خصوصاً إذا حصلت جهات محددة على تدريب أو تقنيات لا تتوافر لغيرها.
وبذلك، فإن ما قد يبدو تعاوناً تقنياً محدوداً يمكن أن يتحول إلى عنصر مؤثر في المشهد الأمني الليبي، ويعمق الانقسام بدلاً من المساهمة في إنهائه.
ليبيا ليست ساحة لتجارب الآخرين
تكشف المعلومات المتداولة أن ليبيا تواجه خطراً يتجاوز الانقسام السياسي التقليدي، يتمثل في إمكانية تحول أراضيها إلى مساحة لاختبار تقنيات عسكرية أو بناء شراكات أمنية تخدم حسابات دول أخرى.
وفي ظل ذلك، فإن استمرار حكومة الدبيبة في إدارة علاقاتها الأمنية الخارجية بصورة غير شفافة سيبقي الباب مفتوحاً أمام اتهامات بأنها تسمح بتوظيف الغرب الليبي لخدمة ترتيبات تتجاوز المصلحة الوطنية.
ولا يكفي في هذه الحالة نفي وجود تنسيق مباشر؛ المطلوب هو كشف الحقائق للرأي العام: من دخل الأراضي الليبية؟ وما طبيعة مهمته؟ ومن سمح له بالعمل؟ وهل جرى ذلك بموجب اتفاقات رسمية؟ وما الجهات الليبية التي أشرفت على هذه الأنشطة؟
اختبار حقيقي للقرار الليبي
إن ما أوردته CNN بشأن الوجود الأوكراني في ليبيا، بصرف النظر عن حجم هذا الوجود وطبيعته الدقيقة، يضع ملف النفوذ العسكري الأجنبي في الغرب الليبي أمام اختبار جديد.
فالسيادة لا تُقاس فقط بغياب القواعد العسكرية الأجنبية، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على معرفة ما يجري داخل أراضيها، والتحكم في التعاون العسكري والتقني الذي يحدث فيها، ومنع أي طرف خارجي من استخدام الانقسام الليبي لبناء نفوذ طويل الأمد.



