غبن المرتبات وفوضى شركات الصرافة… كيف يبتلع نظام منتهي الولاية حقوق الليبيين؟
ليبيا 24
تقرير المركزي يكشف المفارقة: فائض مالي مزعوم وعجز دولاري حقيقي يقتات على جيوب المواطنين
من سلم الرواتب الموحد إلى هوامش الصرافة… تشريع الفوضى الاقتصادية بغطاء رسمي
عندما تصبح العدالة الاقتصادية ترفاً
لم يعد الشعور بالغبن والاجحاف حالة فردية عابرة في ليبيا، بل تحول إلى يقين راسخ في نفوس مئات الآلاف من الموظفين الذين يشاهدون بأعينهم كيف تتبخر حقوقهم في غياهب منظومة مالية منحازة.
الخبير الاقتصادي إدريس الشريف لم يكتف بوصف المشهد، بل رسم خريطة الاختلال التي تجعل من المرتبات الليبية ساحة صراع بين فئات محظوظة تسبح في بحور الامتيازات وأخرى مغبونة بالكاد تلملم شظايا كرامتها في نهاية كل شهر. هذه ليست أزمة معلمين وأطباء فحسب، بل أزمة عدالة غائبة في دولة تبحث عن مشروعيتها منذ أكثر من عقد.
مشكلة المرتبات: تفاوت يشرعن الظلم
يقف الخبير الاقتصادي إدريس الشريف أمام جوهر المشكلة بجرأة تشريحية، فيكشف أن التفاوت الكبير وغير المبرر في مرتبات العاملين بالدولة خلق شعوراً عميقاً بالغبن والاجحاف لدى الكثيرين.
يستوي في هذه المنظومة طرفان: فئات “محظوظة” تتقاضى أضعاف ما يتقاضاه نظراؤها رغم تساويهم في المؤهل والمهارة وحجم المسؤولية والجهد المبذول، وفئات مغبونة تجرعت وطأة الحرمان رغم خضوع الجميع لنفس القانون الخدمة المدنية، وتمويلهم جميعاً من المصدر ذاته، الخزانة العامة.
هذه الازدواجية الممنهجة لم تكن وليدة اللحظة. فمجلس النواب، بما يمتلكه من أدوات تشريعية، أغفل مطالبات الفئات المتضررة المتكررة بحقوقهم، وتجاهل الدراسات التي أجريت على جداول المرتبات والتي حددت نسب التفاوت المبررة وصممت جداول على أسس علمية.
وفي المقابل، استمرت جهات أخرى في الحصول على زيادات ومزايا وتأمين طبي شامل لهم ولأسرهم، عدا عن بدلات السكن والنقل والسيارات. وهنا يتجلى المشهد المؤلم: المعلمون والأطباء والمتقاعدون يتوارثون الغبن جيلاً بعد جيل، بينما تتراكم الامتيازات في جيوب قلة محظوظة.
شركات الصرافة: الوسيط الذي أكل الأخضر واليابس
في وقت يواجه فيه المواطن الليبي فجوة سعر صرف تجاوزت أربعين بالمائة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، يبرز سؤال محوري حول جدوى شركات الصرافة التي أجازها مصرف ليبيا المركزي بذريعة تنظيم بيع النقد الأجنبي وتحقيق الاستقرار النقدي.
غير أن الواقع، كما يشير الشريف، جاء مخيباً لكل التوقعات. فحتى نهاية أغسطس الماضي، بلغت مخصصات الأغراض الشخصية نحو 5.9 مليار دولار تم بيعها بوساطة شركات الصرافة والمصارف التجارية، ومع ذلك ما زالت السوق السوداء قائمة والمضاربة على الدينار مستمرة، بل إن فجوة سعر الصرف ازدادت اتساعاً بدلاً من أن تنكمش.
المفارقة الأكثر إيلاماً أن هذه الشركات حققت عشرات الملايين من الدولارات كعوائد وهوامش وأرباح، دفع المواطن تكلفتها من جيبه. والمركزي منح تلك التراخيص وفقاً لشروط حددها، ثم توقف عن منح موافقات جديدة، وكأن الأمر يتعلق بتقنين الامتياز لا بتعميم الفائدة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تحتاج عمليات بيع الأغراض الشخصية للمواطنين إلى وسيط آخر بتكلفة إضافية ما دامت المصارف التجارية قادرة على تنفيذ هذه العمليات مباشرة عبر المنظومة المربوطة بالرقم الوطني؟ ألم يكن الأجدر إخراج هذه الحلقة الزائدة التي لم تحقق أي فائدة للمواطن ولا للاقتصاد، وخفض تكلفة حصول المواطن على العملة الأجنبية؟
المفارقة المالية: فائض في الأرقام وعجز في الواقع
بعد توقف دام ستة أشهر، عاد مصرف ليبيا المركزي لنشر بيانه الشهري عن الإنفاق العام والإيرادات، حاملاً معه مفارقة جديدة. البيان يشير إلى أن الإيرادات بلغت نحو 99 مليار دينار مقابل إنفاق نحو 68.8 ملياراً، أي فائض يتجاوز 30 مليار دينار.
لكن في الوقت ذاته، يكشف البيان أن إيرادات النقد الأجنبي من بيع النفط والأتاوات بلغت نحو 15.2 مليار دولار مقابل استخدامات بنحو 20.2 مليار دولار، أي عجز يقارب 4.9 مليار دولار. هذا التناقض الصارخ يفضح حجة المركزي المتكررة بأن السياسة المالية والإنفاق المنفلت هما السبب الرئيسي للطلب المتزايد على الدولار.
إذا كانت البيانات تعكس حقيقة الإنفاق الفعلي الذي يقل كثيراً عن الإيرادات، فأين هو الانفلات الذي يفسر زيادة الطلب على الدولار؟ وكيف تتجاوز فجوة سعر الصرف أربعين بالمائة بينما تُظهر بيانات المركزي وجود فائض كبير في الميزانية؟
إما أن هذه البيانات لا تعكس حقيقة الوضع المالي في الدولة، أو أن هناك عوامل أخرى وراء هذه الفجوة. وفي كلتا الحالتين، المصرف المركزي مطالب بتفسير وتوضيح هذه الأسباب، لا سيما في ظل حكومة انتهت ولايتها منذ أشهر وتواصل التصرف في المال العام.
خاتمة: المواطن المكلوم بين غياب العدالة ومتاهة الأرقام
بين معلم يعتصم أمام مدرسته مطالِباً بمرتب يليق بكرامته، وطبيب يهاجر بحثاً عن عيش كريم، ومتقاعد أنهكه الانتظار، يقف المواطن الليبي أمام حكومات منتهية الولاية تماطل في حقوقه وتتشبث بكراسيها، ومصرف مركزي تتناقض أرقامه مع معاناة الناس.
الحلول التي يطرحها الخبير إدريس الشريف واضحة: اعتماد سلم موحد وعادل للمرتبات، وإلغاء الاستثناءات غير المبررة تدريجياً، ومراجعة جميع المزايا والزيادات وفق معايير علمية معلنة، وإخراج شركات الصرافة من معادلة لا تحقق سوى أرباح على حساب المواطن.
لكن هذه الحلول تصطدم بواقع سياسي يرفض الإصلاح لأن الإصلاح يهدد بقاءه. وفي غياب إرادة صادقة، يبقى الغبن سيد الموقف، ويبقى المواطن الليبي وحده في مواجهة نظام يقتات على آلامه.



