ليبيا

كلية التقنية الطبية بمصراتة تعلن العصيان الأكاديمي.. هدم سور الحرم الجامعي للمرة الثانية يفجّر الغضب في وجه حكومة منتهية الولاية

مصراتة.. سلطة الأمر الواقع تهدم سور كلية التقنية الطبية وتعلن الكلية تعليق الدراسة والتصعيد القانوني

ليبيا 24

اعتداء ثانٍ على حرم جامعة في مصراتة.. الأوساط الأكاديمية تتحدى التغوّل المسلح وتطالب بمحاسبة المتورطين

مصراتة.. حين يُهدم سور العلم لتمرّ عربات الفوضى

في مشهد يعكس حجم الانفلات الأمني والمؤسسي في المدينة التي تُقدَّم للناس باعتبارها نموذجاً للاستقرار، أقدمت جهات مسلحة على هدم جزء من السور الخارجي لكلية التقنية الطبية بمصراتة، في اعتداء هو الثاني من نوعه على المؤسسة التعليمية ذاتها. الحادثة لم تكن مجرد خرق للقانون، بل جاءت لتكشف هشاشة الدولة أمام سلطة السلاح، وعجز الحكومة منتهية الولاية عن حماية أبسط مقومات الحياة المدنية.

اعتداء ممنهج على مؤسسة تعليمية

أعلنت كلية التقنية الطبية بمصراتة، في بيان رسمي، إدانتها الشديدة لما تعرض له حرمها الجامعي من هدم جزء من السور والتعدي على المرافق، مؤكدة أن تكرار هذا الاعتداء للمرة الثانية يمثل “تعدياً صارخاً على مؤسسة تعليمية عامة، وانتهاكاً لحرمتها، واعتداءً على ممتلكاتها، وتجاوزاً للقانون”. البيان شدد على أن “حرم الكلية ومرافقها ليست أرضاً مباحة لأي جهة أو طرف، ولا يجوز لأي كان التصرف فيها أو هدم منشآتها أو فرض أمر واقع عليها بالقوة”.

هذا الاعتداء ليس الأول من نوعه، فقد سبق أن تعرضت الكلية في أبريل 2025 لهدم سورها الخارجي على يد عناصر تابعة لجهاز إنفاذ القانون، في واقعة أثارت حينها موجة استنكار واسعة. تكرار المشهد ذاته بعد أكثر من عام يؤكد أن ما يجري ليس حادثاً عابراً، بل نمطاً ممنهجاً من التغوّل على المؤسسات المدنية والتعليمية في المدينة.

قرارات حاسمة.. تعليق الدراسة والتصعيد

لم تكتفِ إدارة الكلية بالاستنكار، بل أعلنت في بيانها “تعليق الدراسة والعمل بالكلية” بشكل كامل، وبدأت “إجراءات التصعيد القانوني والمؤسسي عبر جميع الأطر والجهات المختصة”. كما أعلنت عزمها على “استخدام كافة الوسائل والإجراءات القانونية التي يكفلها القانون للدفاع عن حقوقنا، وحماية ممتلكاتنا، وصون استقلال وحرمة الحرم الجامعي”.

هذه الخطوة التصعيدية تعكس إدراكاً متقدماً بأن ما يحدث ليس مجرد تعدٍّ على ممتلكات، بل استهداف مباشر لمسار التعليم والبحث العلمي في المدينة. تعليق الدراسة يعني آلاف الطلاب الذين سيتوقف مستقبلهم الأكاديمي، وأعضاء هيئة تدريس وعاملين سيجدون أنفسهم في مواجهة غياب كامل لبيئة عمل آمنة.

أبعاد اقتصادية واجتماعية خطيرة

اقتصادياً، تشكّل كلية التقنية الطبية بمصراتة أحد أهم الصروح التعليمية في المنطقة الغربية، حيث تقع عند المدخل الشرقي للمدينة على مساحة تتجاوز 16 ألف هكتار، مما يمنحها قدرة استيعابية كبيرة. تعطيل هذه المؤسسة لا يضر بالطلاب فحسب، بل يضرب أحد روافد التنمية البشرية في بلد يعاني أساساً من نزيف الكفاءات ونقص الكوادر الطبية والفنية.

اجتماعياً، تعكس هذه الحادثة حالة انعدام الأمن التي يعيشها المواطن الليبي، حيث باتت المؤسسات التعليمية والصحية والخدمية عرضة للاعتداءات دون رادع. مصراتة، التي تُقدَّم إعلامياً كنموذج للاستقرار، تتحول إلى ساحة تتكشف فيها هشاشة السلطة المركزية وعجزها عن حماية مؤسساتها.

أمنياً: السلاح فوق القانون

من منظور أمني، يكشف هذا الاعتداء المتكرر عن خلل بنيوي في منظومة الأمن في المدينة. الجهات المسلحة التي تقف خلف هذه الاعتداءات تتصرف وكأنها فوق القانون، مدعومة بغطاء سياسي من حكومة منتهية الولاية ترفض التسليم بالواقع وتصرّ على البقاء في المشهد عبر أدوات القوة.

مصراتة شهدت خلال الأشهر الماضية توتراً أمنياً حاداً، تمثل في سيطرة قوات موالية لحكومة الدبيبة منتهية الولاية على مقر جهاز المخابرات العامة، في خطوة أثارت موجة غضب عارمة ودفعت الأهالي للخروج في احتجاجات رافضة للتغوّل المسلح. هذا المشهد يعكس انقساماً عميقاً في المدينة بين من يرفض تحويل مؤسسات الدولة إلى غنائم للميليشيات، ومن يستفيد من استمرار حالة الفوضى.

المواطن الليبي.. الضحية الأولى

في كل هذا، يبقى المواطن الليبي هو الضحية الأكبر. طالب يرى مستقبله يتوقف بسبب صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. أستاذ جامعي يُهان حرمه الأكاديمي دون أن يجد من يحميه. موظف يعجز عن إعالة أسرته عندما تتعطل مؤسسته. هذه ليست حوادث معزولة، بل فصول متكررة من مسلسل الفشل السياسي والأمني الذي يرفض المسؤولون وضع حد له.

البيان الذي أصدرته الكلية لم يطلب سوى الحد الأدنى: تحقيق عاجل وفوري، وتحديد المسؤولين، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته. لكن في ليبيا اليوم، يبدو طلب العدالة ذاته مغامرة. ومع ذلك، فإن صوت كلية التقنية الطبية بمصراتة، وهو يعلن العصيان الأكاديمي في وجه سلطة السلاح، قد يكون الشرارة التي تُذكّر الجميع بأن الصمت لم يعد خياراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى