ليبيا

اتفاقات «4+4» والمبادرة الأمريكية.. ليبيا أمام اختبار تنفيذ التوافقات

تحركات سياسية لإعادة ترتيب السلطة وتمهيد الطريق للانتخابات

تدخل الأزمة السياسية الليبية مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من التوافقات النظرية إلى اختبار القدرة على تنفيذها، في ظل تحركات تستهدف تعديل الإطار الدستوري والقوانين الانتخابية، وإعادة ترتيب السلطة التنفيذية، بالتوازي مع استمرار الجهود الدولية لدفع الأطراف نحو توحيد مؤسسات الدولة.

الباحث السياسي عبد الله الديباني يرى أن موافقة مجلس النواب على مخرجات لجنة «4+4»، إلى جانب مواقف مرحبة من أعضاء سابقين، توفر أرضية للبدء في الإجراءات القانونية والدستورية المرتبطة بهذه المخرجات، وفي مقدمتها تعديل الإعلان الدستوري وإجراء تعديلات على القوانين المنظمة لانتخاب رئيس الدولة ومجلس الأمة.

تعديل الإطار الدستوري في مقدمة الاستحقاقات

وبحسب طرح الديباني، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تعاوناً بين مجلسي النواب والدولة لاستكمال الإجراءات، خاصة ما يتعلق بالتعديل الدستوري، مع إعادة طرح دور المؤتمر الوطني بصيغة استشارية وصلاحيات محددة في بعض الملفات، من بينها الإعلان الدستوري والمناصب السيادية وبعض الترتيبات المتعلقة بالمؤسسات العامة.

غير أن التحدي لا يرتبط فقط بإقرار التفاهمات، وإنما بقدرة المؤسسات السياسية على تحويلها إلى إجراءات ملزمة وقابلة للتنفيذ، خصوصاً أن التجربة الليبية شهدت خلال السنوات الماضية اتفاقات ومبادرات متعددة لم تنجح في إنهاء الانقسام بشكل نهائي.

مساران دوليان يتقاطعان عند توحيد المؤسسات

وفي المقابل، يطرح الديباني قراءة تعتبر أن المبادرة الأمريكية ومخرجات «4+4» لا تتحركان بالضرورة في اتجاهين متعارضين، بل يمكن أن يتكاملا؛ إذ يركز المسار الأمريكي، وفق طرحه، على توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية، بينما يستهدف مسار «4+4» استكمال القاعدة الدستورية والقانونية اللازمة للانتخابات ودعم عمل المفوضية العليا للانتخابات.

وتبقى هذه الرؤية مرتبطة بمدى قدرة الأطراف الليبية على تحويل الدعم الدولي إلى خطوات عملية، بدلاً من أن يتحول تعدد المبادرات إلى مسارات متوازية تعيد إنتاج الخلافات ذاتها.

شكل السلطة التنفيذية.. سيناريوهات بلا صيغة نهائية

ومن أبرز الملفات المفتوحة أيضاً شكل السلطة التنفيذية المقبلة، إذ لا تزال التصورات المتداولة تتراوح بين رئيس مؤقت ورئيس حكومة، وبين العودة إلى نموذج المجلس الرئاسي متعدد الأعضاء مع حكومة ونواب لرئيسها.

ويحذر الديباني من أن طرح تفاصيل هذه السيناريوهات قبل التوصل إلى صيغة رسمية قد يؤدي إلى خلط الأوراق، خصوصاً مع سعي الأطراف السياسية إلى التأثير في شكل الترتيبات المقبلة وضمان حضورها داخلها. وبحسب المعطيات الواردة، فإن الصيغة النهائية للسلطة التنفيذية لم تُحسم بعد.

التحذير من العودة إلى لغة التصعيد

وفي ظل هذه التحركات، يبرز ملف الخطاب السياسي، بعدما حذر الديباني من تصريحات رافضة لبعض الاتفاقات، تضمنت إشارات إلى احتمال اندلاع مواجهات مسلحة في حال تنفيذها.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية بالنظر إلى تجربة ما بعد عام 2014، حين تعمقت الانقسامات السياسية والعسكرية والمؤسساتية، وظهرت أجسام وحكومات متنافسة، قبل أن يمتد الانقسام إلى المؤسسات الاقتصادية والمالية وإدارة الموارد العامة.

ومن هنا، فإن أي محاولة لإعادة إنتاج أدوات الصراع السابقة قد تصطدم مباشرة بهدف توحيد المؤسسات والتهيئة للانتخابات.

المعارضة بين الرفض وتقديم البدائل

وفي جانب آخر، يشدد الديباني على أن معارضة الاتفاقات والمبادرات لا تكفي، داعياً القوى الرافضة إلى تقديم بدائل واضحة وقابلة للتطبيق، باعتبار أن التسوية السياسية تقوم على تنازلات متبادلة وتحقيق الممكن، وليس بالضرورة حصول أي طرف على كامل مطالبه.

وتتصل هذه النقطة مباشرة بمسألة توزيع الموارد والإيرادات والمناصب السيادية، وهي ملفات تمثل أحد جذور الخلاف الليبي، إلى جانب الجدل حول المركزية وطريقة توزيع عوائد الدولة بين المناطق والأقاليم.

انتقادات تضع المواطن في صدارة الأزمة

وفي قراءة مختلفة، تقول السياسية والمرشحة الرئاسية ليلى بن خليفة إن ليبيا تعود إلى المربع الأول رغم تغير الشخصيات، معتبرة أن الأولويات السياسية لا تزال بعيدة عن الأزمات اليومية للمواطن، وفي مقدمتها الكهرباء والسيولة والوقود.

وتدعو بن خليفة مجلسي النواب والدولة وبقية الأطراف إلى تقديم تنازلات متبادلة، وترى أن استمرار الانشغال بالخلافات السياسية بعيداً عن الاحتياجات المعيشية قد يخدم أصحاب المصالح والمتنفذين أكثر من المواطنين. كما تتحفظ على إقصاء الأحزاب من الانتخابات البرلمانية، وتحذر من تكرار تجربة أجسام تشريعية استمرت بعد انتهاء مددها القانونية.

السؤال الأهم.. من يدير المرحلة أم كيف تنتهي؟

وتضع بن خليفة جوهر الأزمة في سؤال يتجاوز أسماء الشخصيات والمواقع، معتبرة أن النقاش ينبغي أن ينصب على شكل الدولة وقواعد الشرعية التي يجري التحضير لها، لا على تحديد رابح أو خاسر في الصراع السياسي.

وبينما يرى الديباني أن المرحلة الحالية قد تفتح الطريق أمام توحيد المؤسسات والتهيئة للانتخابات، تؤكد بن خليفة أن المبادرات والحوارات السابقة، بما فيها مسارات 6+6 و4+4 و5+5، أنتجت توصيات لكنها لم تنه الأزمة.

ويبقى الاختبار الحقيقي أمام المسار السياسي الليبي هو الانتقال من إنتاج التفاهمات إلى تنفيذها، ومن إدارة الخلاف حول الأشخاص والمناصب إلى معالجة القضايا المؤسسية والقانونية والاقتصادية التي أبقت البلاد في حالة انتقالية مفتوحة. فنجاح أي ترتيبات جديدة لن يُقاس بعدد الاتفاقات الموقعة، وإنما بقدرتها على توحيد المؤسسات، وضبط المرحلة الانتقالية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات ذات قاعدة قانونية واضحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى