ليبيا

أزمة الوقود والكهرباء في ليبيا تُثقل كاهل الشركات والمواطنين بفواتير باهظة

دولة نفطية تدفع مليارات الدولارات على الوقود بينما يتحمل الاقتصاد والمواطنون كلفة الانقطاعات والتهريب

تتفاقم أزمة الوقود والكهرباء في ليبيا بصورة تكشف اتساع الفجوة بين الموارد النفطية الكبيرة التي تمتلكها البلاد وبين قدرة المؤسسات على توفير الطاقة بصورة مستقرة ومنتظمة..

فمع ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف، تحولت الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وطوابير محطات الوقود إلى عبء اقتصادي مباشر، خصوصاً على الشركات الصغيرة والمواطنين الذين يضطرون إلى تحمل تكاليف إضافية للحفاظ على أعمالهم وتلبية احتياجاتهم اليومية.

وتبرز المفارقة في أن ليبيا تمتلك أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في شمال أفريقيا، فيما تنفق نحو مليار دولار شهرياً على استيراد الوقود. ومع ذلك، لا يزال المواطنون يواجهون نقصاً في المحروقات وانقطاعات طويلة للكهرباء، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن كفاءة إدارة الموارد العامة، وآليات الدعم، وقدرة المؤسسات على الحد من تهريب الوقود وحماية سلاسل الإمداد.

المولدات تتحول إلى فاتورة إضافية

كانت الشركات الصغيرة من أكثر القطاعات تضرراً من اضطرابات الكهرباء، بعدما أصبح تشغيل المولدات خياراً اضطرارياً للحفاظ على المعدات والمواد الغذائية واستمرار النشاط التجاري.

ولا تقتصر الخسائر على تكاليف الوقود، إذ تتسع الفاتورة لتشمل تلف البضائع، وتعطل المعدات، وانخفاض ساعات العمل، فضلاً عن اضطرار بعض المنشآت إلى تقليص عدد العاملين..

وتكشف الوقائع أن انقطاع الكهرباء لم يعد مجرد مشكلة خدمية، بل أصبح تكلفة تشغيلية إضافية تُفرض على قطاع الأعمال، وتؤثر بصورة مباشرة في قدرته على الاستمرار وتوفير فرص العمل.

المواطن يدفع ثمن الخلل مرتين

يتحمل المواطن الليبي بدوره تكلفة الأزمة على أكثر من مستوى؛ فمن جهة، يواجه ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء، ومن جهة أخرى يجد نفسه أمام أسعار مرتفعة للوقود في السوق الموازية عندما يتعذر الحصول عليه عبر القنوات الرسمية.

وتشير المعلومات الواردة إلى ارتفاع سعر لتر الديزل في السوق السوداء إلى نحو 11 ديناراً، مقابل 0.15 دينار للسعر المدعوم. ويعني هذا الفارق الكبير أن الأسر وأصحاب الأعمال الذين يضطرون للجوء إلى السوق الموازية يتحملون تكلفة تفوق السعر الرسمي بأضعاف كبيرة.

كما أن استمرار الانقطاعات يفرض على بعض الأسر نفقات إضافية لتشغيل المولدات أو شراء الوقود، بما يضغط على الدخول ويقلل القدرة على الإنفاق في مجالات أخرى. وبذلك يتحول ضعف الخدمة العامة إلى عبء مالي غير مباشر على المواطنين.

التهريب يستنزف الدعم العام

تمثل أزمة تهريب الوقود أحد أبرز جوانب الخلل في منظومة الطاقة الليبية، خصوصاً في ظل استمرار الدعم الحكومي الكبير للمحروقات. ووفق تقديرات منظمة “ذا سنتري”، كلف تهريب الوقود ليبيا نحو 6.7 مليارات دولار سنوياً، مع تحويل أكثر من نصف الوقود المستورد، بحسب تقديرات المنظمة، عبر شبكات غير قانونية.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتزامن مع استمرار الإنفاق الضخم على استيراد الوقود، إذ تصبح الدولة أمام معادلة شديدة الكلفة: استيراد المحروقات بأموال عامة، دعم أسعارها محلياً، ثم فقدان جزء كبير منها لصالح السوق غير الرسمية، قبل أن يضطر المواطن أو صاحب العمل إلى شرائها بأسعار مرتفعة عند حدوث نقص في السوق الرسمية.

ومن منظور اقتصادي، لا تكمن المشكلة في حجم الدعم وحده، وإنما في ضعف الرقابة على مسار الوقود منذ الاستيراد وحتى وصوله إلى المستهلك النهائي، وهو ما يسمح بتسرب جزء من الموارد العامة بعيداً عن الغرض الذي خُصصت له.

بنية تحتية متهالكة تزيد كلفة الأزمة

تتداخل مشكلة التهريب مع ضعف البنية التحتية النفطية والكهربائية. فقد دُمرت تسعة صهاريج لتخزين الوقود في طرابلس خلال حرب عام 2014، ولم تتم إعادة تأهيلها حتى الآن، وفق ما نقلته “رويترز” عن شركة البريقة لتسويق النفط.

كما أن المصافي الليبية الخمس تمتلك قدرة نظرية على معالجة نحو 380 ألف برميل يومياً، إلا أن الإنتاج الفعلي يأتي دون هذه الطاقة بكثير. ويؤدي ضعف القدرة التكريرية إلى زيادة الاعتماد على المنتجات النفطية المستوردة، رغم امتلاك البلاد موارد خام كبيرة.

وتعني هذه الفجوة أن المشكلة لا ترتبط بنقص الموارد الطبيعية، بقدر ما ترتبط بضعف تحويل تلك الموارد إلى خدمات ومنتجات مستقرة تصل إلى المواطنين والاقتصاد المحلي.

الانقسام المؤسسي يضاعف الخسائر

يرتبط جزء مهم من الأزمة بالانقسام السياسي والإداري المستمر منذ سنوات، والذي انعكس على قدرة مؤسسات الدولة على تنفيذ مشاريع الصيانة والتطوير وإدارة منظومة الطاقة بصورة موحدة.

وتؤدي هشاشة المؤسسات إلى تأجيل أعمال الصيانة، وتعقيد تنفيذ المشاريع الجديدة، وإضعاف الرقابة على عمليات التوزيع والاستيراد، بما يفاقم أثر أي اضطراب خارجي في أسواق الطاقة أو حركة الشحن.

كما زادت بعض التطورات الأمنية واللوجستية الأخيرة من الضغوط على إمدادات الوقود، في وقت أدت فيه اضطرابات حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى تأخر بعض الشحنات لمدة وصلت إلى 12 يوماً، وفق المعلومات الواردة.

فاتورة اقتصادية تتجاوز الكهرباء والوقود

تكشف أزمة الطاقة في ليبيا عن فاتورة أوسع من قيمة الوقود المستورد أو تكلفة تشغيل المولدات. فالشركات الصغيرة تخسر جزءاً من إنتاجها، وقد تضطر إلى تقليص العمالة أو تعليق النشاط، بينما يتحمل المواطن تكلفة إضافية للحصول على الكهرباء والوقود والمياه في بعض الحالات.

كما أن توقف الكهرباء أدى إلى تأثر إمدادات المياه من مشروع النهر الصناعي العظيم، ما يوضح أن الخلل في قطاع الطاقة يمكن أن يمتد سريعاً إلى قطاعات خدمية واقتصادية أخرى.

وبالتالي، فإن استمرار الأزمة يرفع تكاليف ممارسة النشاط الاقتصادي، ويضعف قدرة الشركات الصغيرة على المنافسة والاستمرار، بينما تتحول الأسر إلى الطرف النهائي الذي يتحمل جزءاً من هذه التكلفة عبر ارتفاع المصروفات وتراجع جودة الخدمات.

إصلاح المنظومة يتطلب معالجة جذور الأزمة

تُظهر المعطيات أن معالجة أزمة الوقود والكهرباء لا يمكن أن تقتصر على زيادة كميات الاستيراد أو إقامة محطات وقود متنقلة، رغم أهمية الإجراءات الطارئة في تخفيف الاختناقات. فالأزمة تحتاج إلى معالجة أعمق تشمل تحديث البنية التحتية، ورفع كفاءة المصافي ومحطات الكهرباء، وتحسين إدارة مخزونات الوقود، وتعزيز الرقابة على عمليات الاستيراد والتوزيع.

كما تبرز الحاجة إلى مراجعة منظومة دعم المحروقات بما يحد من فرص التهريب ويحمي المال العام، مع ضرورة مراعاة أثر أي إصلاح على المواطنين وعدم تحميل الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل أعباء إضافية بصورة مفاجئة.

وفي المحصلة، فإن استمرار دفع مليارات الدولارات لاستيراد الوقود، بالتوازي مع طوابير المحطات وانقطاعات الكهرباء وارتفاع تكلفة تشغيل المولدات، يعكس خللاً هيكلياً في إدارة قطاع الطاقة. وتبقى الشركات الصغيرة والمواطنون الحلقة الأكثر تعرضاً لتداعيات هذا الخلل، بعدما تحولت أزمة كان يفترض أن تُدار داخل مؤسسات الدولة إلى فواتير يومية تُدفع من دخل الأسر ومن قدرة الأعمال على الاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى