اتفاق «4+4».. خطوة أممية نحو الانتخابات واختبار حاسم أمام الانقسام المؤسسي

بعد سنوات من الانقسام السياسي والمؤسسي دخل المسار الليبي مرحلة جديدة مع توقيع اتفاق الاجتماع المصغر «4+4» برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في محاولة لكسر الجمود الذي حال دون استكمال الاستحقاقين الرئاسي والتشريعي.
ويستهدف الاتفاق معالجة أولى محطات خارطة الطريق الأممية، وفي مقدمتها إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة النقاط الخلافية في الإطارين الدستوري والقانوني المنظمين للانتخابات. كما يضع هدفًا بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرًا وتحت سلطة تنفيذية موحدة.
«4+4».. مسار مصغر لتجاوز سنوات الانسداد
جاء تشكيل الاجتماع المصغر في ظل تعثر المسارات المؤسسية السابقة، وفي مقدمتها الخلافات التي أعاقت التوافق على القواعد الانتخابية وتشكيل المؤسسات المشرفة على العملية الانتخابية.
ويحمل الاتفاق أهمية سياسية تتجاوز بنوده الفنية، باعتباره محاولة لجمع أطراف مؤثرة من شرق البلاد وغربها حول ترتيبات يمكن أن تمهد لإعادة إطلاق العملية الانتخابية، بدلًا من استمرار الدوران داخل حلقات الخلاف بين المؤسسات الانتقالية.
وتتمثل أبرز مخرجاته في إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، ومعالجة عدد من القضايا المرتبطة بالقوانين الانتخابية، بما يفتح الطريق أمام إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ضمن إطار زمني محدد.
دعم أممي ودولي.. والرهان على التنفيذ
حصل الاتفاق منذ توقيعه على دعم واضح من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، الذي رحّب في سبتمبر بالاتفاق باعتباره خطوة باتجاه الانتخابات وتوحيد المؤسسات، داعيًا مختلف الأطراف الليبية إلى دعمه والعمل على تنفيذه.
لكن الدعم الدولي، مهما اتسع، لا يحسم وحده الإشكال الليبي؛ فالتحدي الأكثر تعقيدًا يتمثل في تحويل التوافق الذي جرى داخل المسار المصغر إلى قبول مؤسسي وسياسي أوسع، بما يمنع ظهور ترتيبات موازية تعيد إنتاج حالة الانقسام.
مجلس النواب يعتمد الاتفاق.. ومجلس الدولة في دائرة الاختبار
أحدث التطورات جاءت في 14 سبتمبر، عندما صوّت مجلس النواب بالإجماع على اعتماد الاتفاق النهائي للجنة «4+4»، في خطوة عززت موقع الاتفاق داخل أحد أهم المسارات التشريعية القائمة.
في المقابل، ظل موقف مجلس الدولة يمثل أحد أبرز مصادر التعقيد، بعدما سبق لرئيسه محمد تكالة مقاطعة مراسم التوقيع، مع اعتراضات تتعلق بآلية تشكيل المسار ومدى تمثيله للمؤسسات الليبية.
ويعكس هذا التباين جوهر المعضلة الليبية: فالاتفاق قد ينجح في جمع قوى سياسية وعسكرية مؤثرة حول خارطة طريق واحدة، لكنه يظل بحاجة إلى معالجة الاعتراضات المؤسسية والقانونية حتى يتحول من تفاهم سياسي إلى مسار قابل للتنفيذ.
المجلس الرئاسي ومسارات موازية
ولا يتوقف الاختبار عند مجلس الدولة، إذ برزت أيضًا اعتراضات من المجلس الرئاسي على آلية إدارة المسار، بما يعكس استمرار تعدد مراكز القرار بشأن العملية الانتخابية.
وهنا تظهر إحدى أخطر مشكلات المرحلة الانتقالية: تعدد المبادرات والجهات التي ترى لنفسها دورًا في تحديد شكل المرحلة المقبلة، وهو ما قد يحول الانتخابات من هدف جامع إلى ساحة جديدة للصراع على الاختصاصات والنفوذ.
بين فرصة سياسية ومخاطر إعادة إنتاج الانقسام
تكمن أهمية «4+4» في أنه يحاول تجاوز نمط التوافقات التي بقيت لسنوات حبيسة المؤسسات واللجان دون الوصول إلى استحقاق انتخابي نهائي. غير أن ذلك لا يعني أن الاتفاق يضمن تلقائيًا الوصول إلى الانتخابات.
فالطريق أمامه يمر عبر ثلاثة اختبارات رئيسية: مدى اتساع القبول المؤسسي، والقدرة على توحيد الترتيبات التنفيذية والأمنية اللازمة، ثم منع القوى السياسية من استخدام الخلافات القانونية ذريعة لإعادة فتح المسار من نقطة الصفر.
ومن هذه الزاوية، فإن الخلاف حول «4+4» لا ينبغي اختزاله في سؤال القبول أو الرفض فقط، بل في كيفية بناء توافق وطني قابل للاستمرار حول قواعد الانتخابات والجهة التي ستشرف على تنفيذها.
المواطن الليبي.. الطرف الغائب عن حسابات النخبة
وبعيدًا عن الحسابات السياسية والمؤسسية، يبقى المواطن الليبي هو الطرف الأكثر تأثرًا باستمرار المرحلة الانتقالية.. فإطالة أمد الانقسام تعني استمرار تعدد المؤسسات ومراكز القرار، وتأجيل الاستحقاق الانتخابي، وإبقاء البلاد أمام حالة من عدم اليقين السياسي.
ومن هنا تبرز المفارقة الأساسية: كلما طال الخلاف بين النخب والمؤسسات، تحولت المرحلة الانتقالية نفسها إلى واقع دائم، وأصبح استمرار الأزمة أكثر اعتيادًا من إنهائها.
هل يتحول «4+4» إلى انتخابات أم إلى مسار جديد من التعطيل؟
يمثل اتفاق «4+4» محاولة جديدة لكسر الجمود، لكنه يواجه اختبارًا حقيقيًا عند الانتقال من التوقيع إلى التنفيذ، فنجاحه لن يُقاس بحجم الدعم الدولي الذي حصل عليه، ولا بعدد الأطراف التي وقّعت عليه، وإنما بقدرته على إنتاج توافق مؤسسي واسع، وتوفير قواعد انتخابية قابلة للتطبيق، ومنع ظهور مسارات منافسة تعيد الانقسام إلى نقطة البداية.
وبينما منح اعتماد مجلس النواب الاتفاق دفعة سياسية مهمة، يبقى السؤال الأهم مرتبطًا بقدرة بقية المؤسسات والأطراف الفاعلة على التعامل معه باعتباره إطارًا لتجاوز الأزمة لا مناسبة جديدة لتجديدها.
وفي النهاية، فإن جوهر المعركة ليس فقط حول اتفاق «4+4»، بل حول ما إذا كانت القوى السياسية الليبية ستتمكن من نقل البلاد من إدارة الأزمة إلى إنهائها، ومن تحويل الانتخابات من شعار متكرر إلى استحقاق سياسي فعلي يضع حدًا لمرحلة انتقالية طال أمدها.



