ليبيا

أزمة الدولار في ليبيا.. خبير اقتصادي يحذر من فوضى المضاربة.. وتاجر يقترح حصصًا إلكترونية عادلة

بين حماية المدخرات وفوضى الاستيراد: خبيران ليبيان يتصارعان على مصير الدولار… ومن يدفع الثمن؟

ليبيا 24

الشريف يحذر من إلغاء الاعتمادات المصرفية: المضاربة على الدولار أخطر من الفساد نفسه

القزار يقترح حصصاً إلكترونية قابلة للتداول لكل مواطن: العدالة تبدأ من توزيع النقد الأجنبي

أزمة الدولار في ليبيا: صراع الرؤى بين إصلاح المنظومة وإعادة توزيع الثروة

عندما يتحول الدولار إلى ملاذ آمن

في اقتصاد أنهكته سنوات من الانقسام السياسي وتدهور قيمة العملة المحلية، يبرز سؤال محوري: كيف نوزع النقد الأجنبي الذي ينتجه بيع ثروة البلاد؟ سؤال يبدو تقنياً في ظاهره، لكنه يحمل في باطنه معركة سياسية واجتماعية حول من يستحق منفعة المورد العام، ومن يدفع ثمن الفساد المتراكم في منظومة الاعتمادات المصرفية.

هذا السؤال وجد طريقه إلى نقاش علني بين خبيرين ليبيين، أحدهما أكاديمي متخصص في الاقتصاد، والآخر تاجر ممارس يملك خبرة تجاوزت العقدين. كلاهما متفق على أن الوضع الحالي غير قابل للاستمرار، لكنهما يختلفان جذرياً حول العلاج.

الشريف: إلغاء الاعتمادات يقود إلى فوضى الاستيراد

يرى الدكتور علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، أن المطالبات ببيع الدولار للأفراد وإلغاء دور التجار في تمويل الواردات تنطوي على مخاطر جسيمة.

ويشير إلى أن “لا توجد أي دولة في العالم تلغي دور الاعتمادات المصرفية في تمويل استيراد السلع والخدمات”، مؤكداً أن المطلوب هو إصلاح المنظومة ومعالجة أوجه الخلل والفساد فيها، وليس إلغاءها بالكامل.

ويحذر الشريف من أن تحويل مبالغ النقد الأجنبي إلى الأفراد قد يؤدي إلى “فوضى في سوق الاستيراد وتشوه في آلية توفير السلع، وربما اختفاء بعض السلع من السوق”.

والأخطر من ذلك، وفق تحليله، هو دخول أعداد كبيرة من الأفراد في المضاربة على الدولار بدلاً من توجيهه للنشاط الاقتصادي الحقيقي.

لكن الشريف لا يكتفي بتشخيص الخلل، بل يقدم قراءة أعمق لسلوك المواطن الليبي في ظل الأزمة. فمع تدهور قيمة الدينار، تتجه شريحة من المواطنين، خاصة من تمتلك فائضاً من السيولة المحلية، إلى شراء الدولار ليس لتمويل الاستيراد أو شراء السلع والخدمات، وإنما “لحماية مدخراتها من انخفاض قيمة الدينار”.

وهنا يتحول الدولار نفسه إلى سلعة للمضاربة وملاذ آمن، مما يخلق طلباً إضافياً عليه ويمارس ضغطاً أكبر على سعر الصرف.

ويوضح الشريف أن هذه الظاهرة ليست حكراً على ليبيا، لكنها تتفاقم في الاقتصادات التي تعاني من عدم استقرار سعر الصرف.

ويشير إلى أن الدول ذات الأسواق المالية المتطورة والمفتوحة تتأثر مباشرة برفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة، من خلال انتقال رؤوس الأموال الساخنة إلى الولايات المتحدة بحثاً عن عائد أعلى، مما يؤدي إلى خروج جزء من الأموال من الدول الأخرى والضغط على عملاتها وأسواقها المالية وارتفاع تكلفة الاقتراض والتمويل الخارجي.

لكنه يعود ليؤكد أن الحل ليس في إلغاء المنظومة، بل في معالجة أسباب التدهور الحقيقية. ويقول إنه “عندما تنتهي الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تدهور قيمة الدينار ويستقر سعر الصرف لفترة من الزمن، فإن هذا الطلب غير الحقيقي على الدولار سيتراجع تلقائياً لأن الدافع وراء المضاربة والاحتفاظ بالدولار كملاذ آمن يكون قد زال”.

القزار: العدالة تبدأ من توزيع الحصص على كل مواطن

في المقابل، يقدم علاء محمود القزار، وهو تاجر يمارس النشاط التجاري منذ أكثر من عشرين عاماً ويحمل مؤهلاً أكاديمياً عالياً في إدارة الأعمال، رؤية مختلفة جذرياً.

يقول إنه يكرر منذ سنوات ضرورة تغيير آلية بيع العملة الصعبة في ليبيا، ويقترح نظاماً يقوم على منح كل مواطن، بناءً على رقمه الوطني، حقاً دورياً في شراء كمية محددة من العملة الصعبة، في صورة رخصة أو حصة إلكترونية قابلة للتداول وفق نظام واضح وشفاف.

ويشرح القزار آلية عمله: “المواطن الذي يحتاج العملة مباشرة يستخدم حصته، ومن لا يحتاجها يستطيع بيع حقه إلكترونياً بسعر السوق. أما التاجر، فعند الاستيراد، يشتري هذه الحقوق من المواطنين ويمول وارداته من خلالها وفق آلية مصرفية وقانونية منظمة”.

ويرى القزار أن هذه الطريقة تنقل منفعة العملة الصعبة إلى عموم المواطنين بدل أن تتركز لدى فئة محدودة، ويصبح دعم الاستيراد، إن وُجد، حقاً موزعاً بصورة أعدل، وليس امتيازاً يحصل عليه من يستطيع الوصول إلى الاعتمادات أو العملة بالسعر الرسمي.

ويشن القزار هجوماً مباشراً على النظام القائم، قائلاً إن “بيع العملة الصعبة للتجار بالسعر الرسمي في ظل وجود فارق كبير مع سعر السوق، يخلق ريعاً ضخماً لمن يحصل عليها، ويشجع على المضاربة والمحسوبية وتشوه الأسعار، ويضعف المنافسة الحقيقية، بينما يدفع المواطن والطبقة الوسطى تكلفة هذا التشوه بصورة غير مباشرة”.

ويؤكد أن النظام القائم على حقوق شراء قابلة للتداول يمكن أن يساعد على خلق سوق أكثر شفافية، ويجعل التاجر يتنافس بالكفاءة والسعر وجودة السلعة بدل التنافس على الوصول إلى العملة المدعومة، كما يدفع المواطنين والتجار إلى سلوك اقتصادي أكثر رشادة.

ويخلص القزار إلى قناعة راسخة: “إصلاح طريقة توزيع العملة الصعبة هو أحد أهم مفاتيح إصلاح الاقتصاد الليبي، وأن العدالة تبدأ من أن تكون منفعة المورد العام، وهو النقد الأجنبي الناتج أساساً عن ثروة البلاد، متاحة لجميع الليبيين وفق قواعد واحدة وواضحة، لا لفئة محددة فقط”.

ويتوقع القزار أن يؤدي تطبيق نظام الحصص القابلة للتداول إلى نتائج ملموسة: “سيكون التهريب محدوداً جداً، وحتى إن حصل فلن يسبب ضرراً اقتصادياً كبيراً، وستتوفر جميع السلع على أساس العرض والطلب والتنافس العادل بين التجار، وسيكون المصرف المركزي في وضع مريح جداً”.

بين الرؤيتين: أين يقف المواطن الليبي؟

النقاش بين الشريف والقزار ليس مجرد خلاف أكاديمي، بل يعكس انقساماً حقيقياً في الشارع الليبي حول كيفية إدارة الموارد العامة. فبين من يخشى الفوضى ويطالب بإصلاح تدريجي للمنظومة القائمة، ومن يرى أن المنظومة نفسها هي مصدر الفساد ويطالب بإعادة توزيع الحصص على كل مواطن، يبقى السؤال الأهم: من يدفع الثمن اليوم؟

المواطن الليبي، الذي يرى مدخراته تتآكل مع كل انخفاض جديد في قيمة الدينار، والذي ينتظر سلعاً تصل بأسعار مرتفعة بسبب الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، يجد نفسه في مواجهة نظام اقتصادي لم يعد قادراً على حماية قوته الشرائية.

وبينما يتصارع الخبراء على الحلول، تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً: الطبقة الوسطى هي من تتحمل تبعات كل تجربة اقتصادية، سواء كانت إصلاحاً تدريجياً أو تغييراً جذرياً.

ما يتفق عليه الطرفان هو أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، وأن إصلاح منظومة النقد الأجنبي هو مفتاح أي إصلاح اقتصادي حقيقي. لكن الاختلاف يبقى في التفاصيل: هل نصلح الآلية القائمة أم نستبدلها؟ وهل نمنح الثقة للمؤسسات المصرفية أم نوزع الثقة على المواطنين أنفسهم؟

الأسئلة تبقى مفتوحة، والإجابات ستحدد ملامح الاقتصاد الليبي في السنوات القادمة. لكن ما هو مؤكد أن أي حل لن يكون فعّالاً إذا لم يضع المواطن الليبي في قلب المعادلة، لا كمتفرج يدفع الثمن، بل كشريك في الثروة يستحق نصيبه منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى