إغلاق خط الشرارة يسلّط الضوء على هشاشة إنتاج النفط الليبي
احتجاجات وضغوط أمنية متكررة تعيد طرح مخاطر تعطل الإمدادات من الجنوب إلى الزاوية

أعاد إغلاق خط نقل خام حقل الشرارة إلى ميناء الزاوية، تسليط الضوء على هشاشة أحد أهم مصادر الإنتاج النفطي في ليبيا، بعدما تسبب إغلاق الصمام رقم 7 في وقف تدفق الخام عبر الخط وخفض إنتاج الحقل بنحو 130 ألف برميل يومياً، وفق أحدث تقديرات المؤسسة الوطنية للنفط.
ويأتي الإغلاق فيما تتواصل مفاوضات لإعادة فتح الخط، من دون تحديد أطرافها أو جدول زمني لإنهاء التعطيل، بينما تتزايد المخاوف من ارتفاع حجم الخسائر كلما طال أمد توقف تدفق الخام.
الشرارة.. إنتاج كبير أمام مخاطر متكررة
يقع حقل الشرارة في جنوب غربي ليبيا، وتبلغ طاقته الإنتاجية نحو 300 ألف برميل يومياً، وينقل إنتاجه عبر خط أنابيب إلى مجمع الزاوية النفطي على الساحل الغربي.
وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن مجموعة مسلحة أغلقت الصمام، ما أدى إلى توقف خط نقل الخام وارتفاع الضغط داخله، بالتزامن مع انخفاض كبير في إنتاج الحقل الذي تديره شركة أكاكوس للعمليات النفطية.
ولا تبدو الواقعة الحالية منفصلة عن سجل طويل من الاضطرابات التي أثرت في إنتاج الشرارة، إذ تعرض الحقل وخطوط نقله خلال السنوات الماضية لعمليات إغلاق واحتجاجات ذات دوافع محلية وأمنية وسياسية.
سجل طويل من تعطيل الإنتاج
سبق أن شهد خط نقل خام الشرارة تعطيلات على خلفية مطالب محلية، من بينها إغلاق صمام عام 2018 احتجاجاً على التلوث، إلى جانب احتجاجات مرتبطة بالمطالبة بتحسين الخدمات والتنمية في مناطق فزان.
وفي عام 2020، أدى إغلاق خط الحمادة–الزاوية إلى خفض إنتاج الحقل، قبل أن تقتحم مجموعة مسلحة الشرارة في يونيو من العام نفسه وتجبر العاملين على وقف الإنتاج، ما دفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى إعلان حالة القوة القاهرة على صادرات خام الحقل.
وفي يوليو 2023، توقف الشرارة إلى جانب حقلي الفيل و108، على خلفية احتجاجات مرتبطة بتوقيف وزير المالية السابق فرج بومطاري، قبل استئناف الإنتاج عقب الإفراج عنه.
وتكرر المشهد خلال 2024، عندما أوقف «حراك غضب فزان» الحقل في يناير للمطالبة بمشروعات تنموية في الجنوب، بينما تسبب تحرك احتجاجي آخر في منطقة وادي الحياة خلال أغسطس في خفض الإنتاج بنحو 60 ألف برميل يومياً.
«عراقيل من المنبع إلى المصب»
وترى نجوى البشتي، رئيسة قسم التعاقدات السابقة في المؤسسة الوطنية للنفط، أن الشرارة من أكثر الحقول تعرضاً للصعوبات المتكررة، مرجعة ذلك إلى موقعه وطبيعة خطوط نقله، التي تجعله عرضة للتأثيرات الأمنية والسياسية.
وتشير البشتي إلى أن الضغوط لا تقتصر على منطقة الحقل، وإنما تمتد إلى مسار النقل في منطقة الحمادة ومجمع الزاوية النفطي، بما يجعل خام الشرارة، وفق توصيفها، أمام «عراقيل من المنبع إلى المصب».
ويعكس ذلك مشكلة أوسع تتجاوز حادثة الإغلاق الأخيرة، إذ إن اعتماد منظومة الإنتاج على مسارات نقل محددة يجعل أي تعطيل في نقطة واحدة قادراً على التأثير في سلسلة الإنتاج والتصدير وإمدادات الوقود.
تداعيات تمتد إلى منشآت الزاوية
لم تتوقف آثار التوتر عند خط نقل الخام، إذ أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن منتسبين إلى جهاز حرس المنشآت النفطية أغلقوا بوابات شركة الزاوية لتكرير النفط وشركة البريقة لتسويق النفط، ما أعاق دخول العاملين والفنيين وتبديل الورديات، كما منع طلبة معهد النفط للتأهيل والتدريب من الالتحاق بالدراسة.
وأعلنت المؤسسة لاحقاً فتحاً جزئياً لبوابة شركة البريقة، في حين ظلت البوابة الرئيسية لمصفاة الزاوية مغلقة، مؤكدة أن الوضع لا يسمح باستئناف العمليات التشغيلية بصورة كاملة وآمنة وفق قواعد الأمن والسلامة المهنية.
هشاشة أمن الطاقة أمام المطالب المحلية
تكشف سلسلة الوقائع المرتبطة بالشرارة أن مشكلة تعطيل الإنتاج لا ترتبط بدافع واحد أو طرف محدد، بل تتداخل فيها مطالب اجتماعية وتنموية مع عوامل أمنية وخلافات سياسية ومصالح مرتبطة بإدارة المنشآت.
وتكمن الإشكالية الأساسية في أن المطالب المحلية، مهما اختلفت دوافعها، تجد في المنشآت النفطية وخطوط النقل وسيلة ضغط مباشرة، نظراً إلى الأهمية الاقتصادية للقطاع وحساسية أي انخفاض في الإنتاج أو التصدير بالنسبة إلى المالية العامة.
وفي المقابل، فإن تكرار الإغلاقات يضع قطاع النفط أمام تحدٍ يتعلق باستمرارية الإنتاج وحماية المنشآت، ويجعل معالجة الأسباب المحلية والأمنية المحيطة بالحقول جزءاً من حماية تدفقات الخام، وليس مجرد ملف منفصل عن إدارة القطاع.
ولم يتضح حتى الآن السبب المباشر للإغلاق الحالي، فيما ربطت تقارير محلية التحرك بخلافات تتعلق بإدارة إحدى الشركات النفطية ومطالب مالية لأفراد في الجهاز، من دون إمكانية التحقق المستقل من هذه الروايات أو صدور تأكيد رسمي بشأنها.
ومع استمرار المفاوضات لإعادة فتح الخط، لم تعلن المؤسسة الوطنية للنفط حتى عصر الثلاثاء اللجوء إلى إعلان القوة القاهرة. ويبقى تطور الوضع مرتبطاً بمدى سرعة احتواء الإغلاق وإعادة تدفق الخام، وسط مؤشرات على أن استمرار التعطيل قد يزيد تدريجياً من فاقد الإنتاج ويضاعف الضغوط على منظومة النفط من نقطة الإنتاج في الجنوب إلى منشآت التكرير والتصدير في الغرب.



