الدولار يقترب من 10 دنانير ويعمّق الأزمة المعيشية في ليبيا
فجوة الصرف، ارتفاع كلفة الغذاء وتراجع الإيرادات النفطية تضغط على المواطن وتكشف اختلالات الاقتصاد

تتفاقم الأزمة المعيشية في ليبيا مع اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر الدولار في السوق الموازية، في وقت يقترب فيه سعر العملة الأميركية من حاجز 10 دنانير، مقابل نحو 6.40 دنانير للسعر الرسمي.
وبينما يحاول مصرف ليبيا المركزي الحد من هذه الفجوة عبر توفير النقد الأجنبي للمواطنين من خلال ما يُعرف بـ«منحة الأغراض الشخصية»، لا تزال السوق الموازية تفرض نفسها باعتبارها أحد أبرز مصادر تسعير السلع والخدمات.
فجوة الصرف تتحول إلى عبء على المواطن
تتجاوز الفجوة بين السعرين ثلاثة دنانير للدولار الواحد، وهو فارق لا يبقى محصورًا في سوق العملات، بل يمتد تأثيره إلى أسعار السلع الأساسية، وفق الطرح الذي يستند إليه التقرير.
فالتاجر الذي يلجأ إلى شراء الدولار من السوق الموازية يتحمل تكلفة أعلى لاستيراد السلع، ثم يعمل على تحميل الفارق للمستهلك، بما يجعل تذبذب سعر الصرف عاملًا مباشرًا في زيادة الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.
وفي المقابل، يراهن المصرف المركزي على توسيع إتاحة النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية بهدف تقليص اعتماد المواطنين والتجار على السوق الموازية. إلا أن استمرار الفارق الكبير بين السعرين يعكس، في الوقت ذاته، أن الإجراءات النقدية وحدها لا تزال غير كافية لمعالجة الاختلالات الأوسع في سوق النقد الأجنبي.
سلة غذائية تتجاوز الحد الأدنى للأجور
تزداد حدة الأزمة عندما تقارن مستويات الأسعار بالدخول. فبحسب دراسة لمنظمة الأغذية والزراعة «فاو» بالتعاون مع المجلس الوطني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا، تحتاج الأسرة الليبية إلى نحو 1500 دينار لتغطية تكلفة سلة غذائية صحية، في حين يبلغ الحد الأدنى للأجور نحو ألف دينار.
وتعني هذه المعادلة أن تكلفة السلة الغذائية تتجاوز الحد الأدنى للأجر بنحو 500 دينار، قبل احتساب تكاليف السكن والنقل والعلاج والتعليم وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
كما تشير المعطيات إلى أن الغذاء يستحوذ على نحو 40% من دخل الأسرة، وهو مؤشر يعكس حجم الضغط الواقع على ميزانيات الأسر، خصوصًا مع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للدينار.
المرتبات والدعم يضغطان على الإنفاق العام
وتظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي حجم الإنفاق الحكومي المرتبط بالمرتبات، إذ بلغ الإنفاق على الباب الأول نحو 5.8 مليارات دينار خلال يناير وفبراير، بما يعادل نحو 902 مليون دولار، من دون احتساب مرتبات فبراير التي وردت بعد نهاية الشهر.
وفي المقابل، بلغ الإنفاق على الدعم نحو 715 مليون دينار، أي ما يقارب 111 مليون دولار.
وتكشف هذه الأرقام عن معادلة مالية شديدة الحساسية: كتلة أجور ودعم كبيرة في مقابل اقتصاد يعتمد بصورة أساسية على الإيرادات النفطية، ما يجعل أي اضطراب في الإنتاج أو التصدير النفطي ينعكس سريعًا على قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها بالعملة الصعبة.
ارتفاع فاتورة المحروقات يزيد الطلب على الدولار
وتتزامن الضغوط المعيشية مع ارتفاع ملحوظ في فاتورة المحروقات، التي ارتفعت، وفق البيانات المشار إليها في التقرير، من نحو 500 مليون دولار في فبراير إلى 1.4 مليار دولار في يونيو.
ويمثل هذا الارتفاع ضغطًا إضافيًا على الطلب على النقد الأجنبي، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط كمصدر رئيسي للعملة الصعبة.
وبذلك تصبح معادلة الاقتصاد الليبي أكثر تعقيدًا: كلما ارتفع الطلب على الدولار وتراجعت قدرة السوق الرسمية على تلبيته، اتسعت مساحة السوق الموازية، وكلما اتسعت الفجوة بين السعرين، زادت الضغوط على الأسعار والقوة الشرائية للمواطن.
النفط في قلب الأزمة
ولا تنفصل أزمة سوق الصرف عن التطورات في القطاع النفطي، الذي يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة.
فقد قرر رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة مساواة مرتبات منتسبي جهاز حرس المنشآت النفطية بمرتبات الجيش، وذلك عقب إغلاق محتجين بوابات مجمع الزاوية النفطي ومداخل الشركات العاملة داخله غربي طرابلس.
كما لوحت المؤسسة الوطنية للنفط بإعلان حالة «القوة القاهرة» في حال استمرار إغلاق الصمام رقم 7 في منطقة الحمادة، على خط نقل الخام من حقل الشرارة إلى ميناء الزاوية.
وتكشف هذه التطورات عن هشاشة العلاقة بين الاستقرار النفطي والاستقرار المالي؛ إذ إن تعطيل الإنتاج أو النقل النفطي لا يمثل أزمة قطاعية فحسب، بل يهدد مصدر الإيرادات الذي تعتمد عليه الدولة في تمويل الإنفاق العام وتوفير النقد الأجنبي.
أزمة تتجاوز سعر الدولار
المشكلة الليبية، وفق هذه المعطيات، لا يمكن اختزالها في ارتفاع سعر الدولار وحده. فجوة الصرف تبدو نتيجة لاضطرابات أوسع تتداخل فيها إدارة النقد الأجنبي، والإنفاق العام، والاعتماد على النفط، وارتفاع فاتورة المحروقات، واستمرار الاضطرابات التي تهدد الإنتاج النفطي.
وفي المقابل، يدفع المواطن تكلفة هذه الاختلالات بصورة مباشرة عبر ارتفاع أسعار السلع وتراجع القوة الشرائية للدخل، بينما لا تتناسب الزيادة في تكاليف المعيشة مع مستويات الأجور.
وتضع هذه المعادلة الأسر الليبية أمام خيارات أكثر صعوبة، من تقليص الاستهلاك والاستغناء عن بعض الاحتياجات الأساسية، إلى الاستدانة أو استنزاف المدخرات، في وقت تتطلب فيه معالجة الأزمة إجراءات تتجاوز التدخلات المؤقتة في سوق الصرف.
اختبار حقيقي للسياسة الاقتصادية
إن استمرار الفارق بين السعر الرسمي والسوق الموازية، بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق والاعتماد شبه الكامل على النفط، يفرض تحديًا حقيقيًا أمام السلطات النقدية والمالية.
فالحد من السوق الموازية لا يرتبط فقط بضخ الدولار، وإنما يتطلب معالجة أسباب الطلب على العملة الأجنبية، وتعزيز قنوات الصرف الرسمية، وضبط الإنفاق العام، وحماية الإنتاج النفطي من الإغلاقات، إلى جانب سياسات قادرة على احتواء ارتفاع الأسعار وتحسين القدرة الشرائية للمواطن.
وبينما يبقى النفط المصدر الأساسي للعملة الصعبة، يبقى المواطن الحلقة الأكثر تأثرًا بأي اضطراب في هذه المنظومة؛ إذ تتحول أزمة النقد الأجنبي سريعًا إلى أزمة أسعار، ثم إلى أزمة دخل ومعيشة.
وفي المحصلة، تبدو الأزمة الليبية أمام معادلة ضاغطة: دولار مرتفع، أسعار متصاعدة، أجور لا تواكب كلفة المعيشة، وإنفاق عام يعتمد على مورد نفطي معرض للاضطراب. وهي معادلة تجعل استقرار سعر الصرف جزءًا من مشكلة أكبر تتعلق بقدرة الاقتصاد الليبي على بناء مصادر أكثر استدامة للإيرادات وتقليل هشاشته أمام صدمات النفط والعملات الأجنبية.



