بروباجندا الدبيبة.. الحكومة منتهية الولاية تطلق حملة لمقعد مجلس الأمن وسط انقسام مؤسساتي
طموح حكومة الدبيبة الخارجي يصطدم بأزمة الدولة الليبية

أعلنت حكومة الوحدة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة ترشح ليبيا لشغل مقعد غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2028-2029، وأطلقت حملتها رسمياً خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة تقدمها الحكومة باعتبارها استعادة لدور ليبيا في المحافل الدولية وتعزيزاً لحضورها في القضايا المرتبطة بالسلم والأمن الدوليين.
غير أن هذا الطموح الدبلوماسي يطرح تساؤلات جدية حول مدى ملاءمته للواقع الداخلي الذي تعيشه ليبيا، خصوصاً أن الحكومة التي تسعى إلى تمثيل البلاد في واحدة من أهم مؤسسات النظام الدولي لم تتمكن، بعد سنوات من توليها السلطة، من إنهاء الانقسام المؤسسي والسياسي أو توحيد مراكز القرار.
طموح خارجي وأزمة داخلية مستمرة
تبدو المفارقة واضحة في سعي حكومة الدبيبة للحصول على مقعد داخل مجلس الأمن، بينما لا تزال قضية الانقسام الليبي نفسها حاضرة في أجندة الأمم المتحدة، وتحتاج البلاد إلى جهود دولية متواصلة لدفع الأطراف الليبية نحو تسوية سياسية وتوحيد مؤسسات الدولة.
ويطرح ذلك سؤالاً أساسياً حول الأولويات التي تحكم تحرك الحكومة: هل كان الأجدى توجيه القدر الأكبر من الجهد السياسي والدبلوماسي إلى معالجة الانقسام الداخلي أولاً، قبل الدخول في معركة دولية تتطلب صورة أكثر استقراراً وتماسكاً للدولة؟
فالحصول على مقعد في مجلس الأمن لا يمثل مجرد نجاح دبلوماسي، وإنما يفرض على الدولة التي تشغله امتلاك موقف سياسي واضح ومؤسسات قادرة على صياغة القرار وتنفيذه، وهو ما لا يزال يمثل أحد أبرز التحديات أمام ليبيا.
حملة انتخابية تحتاج إلى أكثر من العلاقات
ولا شك أن الوصول إلى مقعد غير دائم في مجلس الأمن يحتاج إلى حملة دبلوماسية واسعة، واتصالات مكثفة مع الدول الأعضاء في الجمعية العامة، خصوصاً الدول الأفريقية والعربية والدول ذات التأثير في التصويت.
لكن العلاقات الخارجية وحدها لا تكفي لضمان حضور دولي مستدام. فالدبلوماسية الفاعلة تحتاج إلى مؤسسات مستقرة ورؤية وطنية واضحة، وليس فقط إلى اتصالات سياسية ظرفية أو اعتراف دولي بالحكومة القائمة.
كما أن الرهان على الدعم الأفريقي لا ينفصل عن موقف الاتحاد الأفريقي من الأزمة الليبية، باعتباره طرفاً دولياً فاعلاً شارك على مدى سنوات في طرح المبادرات والمقاربات الهادفة إلى إنهاء الانقسام. ومن ثم، فإن دعم ليبيا في استحقاق مجلس الأمن سيبقى مرتبطاً أيضاً بصورة الدولة وقدرتها على تجاوز أزمتها الداخلية.
حكومة الدبيبة أمام اختبار التناقض
وبعد سنوات من توليها السلطة، تواجه حكومة الدبيبة انتقاداً أساسياً يتعلق بالفجوة بين خطابها الخارجي وأدائها في ملف بناء الدولة.. فالحكومة التي تقدم ترشح ليبيا لمقعد دولي مؤثر لم تتمكن حتى الآن من تحقيق الهدف الأكثر ارتباطاً باستقرار البلاد، وهو توحيد مؤسساتها وإنهاء الانقسام السياسي.
ولا يعني ذلك أن الترشح لمجلس الأمن يتعارض في ذاته مع مصالح ليبيا، بل إن الإشكالية تكمن في ترتيب الأولويات وفي قدرة الحكومة على إثبات أن الحضور الخارجي يمثل امتداداً لبناء الدولة، وليس بديلاً عن معالجة أزماتها.
كما أن دخول سباق دبلوماسي بهذا الحجم قبل حسم الملفات الداخلية قد يضع الحكومة أمام اختبار صعب؛ فإذا كانت طرابلس تطلب من المجتمع الدولي منحها الثقة لتمثيل قضايا السلم والأمن، فإن السؤال سيظل قائماً حول قدرتها على تقديم نموذج مقنع في إدارة واحدة من أكثر أزمات السلم والأمن تعقيداً داخل حدودها.
مقعد مجلس الأمن لا يعالج أزمة الدولة
تحتاج ليبيا قبل كل شيء إلى بناء مؤسسات موحدة، وإنهاء ازدواجية القرار، وترسيخ سياسة خارجية تعبّر عن الدولة ومصالحها طويلة الأمد، بعيداً عن التجاذبات السياسية بين الحكومات والأطراف المتنافسة.
ومن هذه الزاوية، فإن التحدي الحقيقي أمام حكومة الدبيبة لا يتمثل فقط في إقناع الدول الأعضاء بالتصويت لصالح ليبيا، وإنما في إقناع الليبيين أولاً بأن الدولة التي تسعى إلى تمثيل المجتمع الدولي قادرة على توحيد مؤسساتها وإدارة قرارها الداخلي.
فمقعد مجلس الأمن، مهما كانت أهميته السياسية والدبلوماسية، لن يعالج أزمة الانقسام، ولن يعوض غياب المؤسسات الموحدة. ولذلك، فإن نجاح الحملة الخارجية سيظل محدود الأثر ما لم يتزامن مع مسار جاد لإعادة بناء الدولة، حتى لا تتحول المشاركة الدولية إلى واجهة دبلوماسية لدولة لا تزال تبحث عن صيغة مستقرة لحكم نفسها.



