لجنة “4+4” تكشف عورة منتهي الولاية: الدبيبة يتمسك بكرسي السلطة بينما ليبيا تنتظر الانتخابات
"4+4" تعيد ترتيب المشهد الليبي: صراع النفوذ يشتعل والمواطن يدفع الثمن
ليبيا 24
بين طموحات “منتهي الولاية” ورفض “الأعلى للدولة”: هل تنجو ليبيا من فخ الجمود؟
“4+4” تعيد ترتيب المشهد الليبي: صراع النفوذ يشتعل والمواطن يدفع الثمن
في مشهد سياسي بات أشبه بحلقة مفرغة لا تنتهي، تتقاذف الأزمة الليبية بين مبادرات تلوح في الأفق ثم تخبو، واتفاقات تُوقّع بحبر التصريحات ثم تتبخر في دهاليز المصالح الضيقة. ومن رحم هذا الجمود القاتل، برزت مبادرة “4+4” كآخر أوراق الضغط لإنهاء المرحلة الانتقالية، غير أنها سرعان ما واجهت جدار الرفض من مؤسسات لم تجد بعد ضالتها في أي تسوية قد تقصيها عن المشهد.
لجنة “4+4″، التي تضم ممثلين عن القيادة العامة للجيش الوطني والحكومة المنتهية ولايتها في طرابلس، تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة، جاءت لتقريب وجهات النظر حول القوانين الانتخابية والأساس الدستوري.
وقد حظي اتفاق اللجنة، الموقّع بالأحرف الأولى في أغسطس 2026، بدعم دولي واسع، حيث رحبت به عشر دول غربية في مقدمتها الولايات المتحدة. لكن هذا الدعم الخارجي لم يمنع بعض الأطراف الداخلية من إعلان رفضها، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للدولة، الذي وجد نفسه أمام اختبار وجودي.
صراع النفوذ: من يخشى “4+4” ولماذا؟
يوضح المحلل السياسي محمد امطيريد أن استمرار الخلاف بين المؤسسات لا يعني غياب التوافق، بل يكشف عن “توافق بين بعض الأطراف على عرقلة أي مسار يمكن أن يقود إلى توافق سياسي شامل”، وعلى رأسها مسار “4+4” والمبادرة الأميركية.
ويضيف أن “المجلس الرئاسي بات مستهدفًا بالتغيير، فيما يدرك المجلس الأعلى للدولة أنه قد يكون خارج المشهد السياسي في حال التوصل إلى تسوية سياسية جديدة”.
وبحسب امطيريد، فإن مبادرة الرئاسات الثلاث التي أُطلقت في القاهرة عام 2024 لم تُنهِ الجمود، قبل أن تنطلق مبادرة “4+4″، مما دفع بعض الأطراف إلى “إعادة تفعيل تحركاتها السياسية، خشية أن تجد نفسها خارج المشهد”.
ويذهب المحلل إلى ما هو أبعد من ذلك، مؤكدًا أن “جوهر الخلاف الحالي يرتبط بدرجة كبيرة بالحفاظ على المناصب والمواقع والنفوذ السياسي، وليس بالضرورة بالبحث عن مصلحة المواطن الليبي”.
المفارقة الأكثر إيلامًا، بحسب امطيريد، تتمثل في أن “التوافق على لجنة 4+4 لم يكن ليحدث لولا وجود أعضاء داخل مجلس النواب أبدوا استعدادًا للتعامل معها”. هذا التباين داخل المؤسسة التشريعية نفسها يعكس قناعة متزايدة لدى بعض النواب بأن استمرار الوضع الراهن لم يعد خيارًا قابلاً للاستمرار.
في المقابل، يرى امطيريد أن “المجلس الأعلى للدولة تجاوز، خلال السنوات الماضية، طبيعة دوره الاستشاري وأصبح طرفًا مباشرًا في الصراع السياسي”، متجاوزًا بذلك صلاحياته الدستورية ليتحول إلى عقبة أمام أي تسوية حقيقية.
“منتهي الولاية” ومسألة الشرعية الغائبة
في قلب هذا الصراع، تبرز قضية حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تصفها أوساط سياسية وقانونية واسعة بأنها “منتهية الولاية”. فوفقًا لخارطة الطريق المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي، كان من المفترض أن تنتهي ولاية هذه الحكومة بإجراء الانتخابات في ديسمبر 2021.
ومع تعثر الانتخابات، وجد الدبيبة نفسه في وضع غير قانوني، يتمسك بكرسي السلطة عبر قرارات أحادية وصفها النائب عبد المنعم العرفي بأنها “بلا أساس قانوني”، متهماً الحكومة بالتحالف مع التشكيلات المسلحة من أجل نهب المال العام.
ويشير تقرير نشرته قناة”ليبيا 24″ إلى أن “الحكومة التي تتخذ من العاصمة مقرًا لها، والتي انتهت ولايتها القانونية والأخلاقية وفقًا لخارطة الطريق، تتصرف اليوم ككيان منعزل يسعى لشرعنة بقائه عبر أدوات المال العام والتوظيف السياسي للإنفاق الحكومي”.
هذا الوصف يجد صدى واسعًا لدى قطاعات كبيرة من الشعب الليبي الذي يرى في استمرار هذا الوضع مسؤولية مباشرة عن تدهور الخدمات وانهيار البنية التحتية وانتشار الفساد.
ولم تقتصر تجاوزات الحكومة على الجانب السياسي، بل امتدت إلى الإجراءات الإدارية.
فقد أكدت المبعوثة الأممية حنا تيتيه أن رئيس الحكومة المنتهية ولايتها بدأ في مارس الماضي عملية تعيينات شملت نحو 21 وزيرًا ونائب وزير في أسبوعين فقط، ما وسّع مجلس الوزراء إلى 32 وزيرًا.
هذه التعيينات، التي تمت بعيدًا عن أي توافق مؤسسي، تعكس استمرار إدارة المرحلة الانتقالية بقرارات أحادية، وهو ما يتناقض جذريًا مع روح اتفاق “4+4” الذي يهدف إلى توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف للانتخابات.
فرص النجاح: بين التفاؤل الحذر وواقع الأزمات المتراكمة
من جانبه، يرى المحلل السياسي معتصم الشاعري أن فرص نجاح المسار الحالي مرهونة بمدى قدرة الأطراف على البناء على التفاهمات والوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال عامين.
ويشدد على أن “استمرار الانقسام ينعكس بصورة مباشرة على مختلف القطاعات، إذ يؤدي إلى إضعاف الاقتصاد وتراجع مستوى الخدمات، فضلاً عن التأثير في الوضع الأمني ومعيشة المواطنين”.
ويحذر الشاعري من أن “هذا الانقسام سيستمر إلى حين تمكن الأطراف من التوصل إلى توافق بشأن توحيد السلطة السياسية والاقتصادية والأمنية”، مشددًا على أن “الخطوة الأساسية للانتقال إلى مرحلة الانتخابات تتمثل في توحيد المؤسسات السيادية وإنهاء حالة الانقسام”.
وفي تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24، لم يتردد الشاعري في وصف الحوارات الجارية بأنها “زوبعة في فنجان”، محملاً غياب الإرادة الحقيقية و”التدخلات الخارجية” جزءًا كبيرًا من المسؤولية عن استمرار الأزمة.
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى: هل ستستطيع “4+4” تجاوز العقبات التي أفشلت كل المبادرات السابقة؟ المؤشرات الأولية تشير إلى أن الطريق لا يزال محفوفًا بالمخاطر.
فالمجلس الأعلى للدولة، برئاسة محمد تكالة، لا يزال متمسكًا برفضه، حيث قال رئيس لجنته السياسية إن “رئاسة المجلس وأغلبية أعضائه لا يزالون متمسكين برفض الاتفاق”.
هذا الرفض، إذا استمر، قد يدفع بعثة الأمم المتحدة إلى البحث عن آلية تتجاوز دور المجلسَين، وهو ما قد يزيد من تعقيد المشهد.
في النهاية، يبقى المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة. فبينما يتصارع السياسيون على المناصب والنفوذ، تتفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية، وتتآكل مقومات الدولة، ويستمر مسلسل المعاناة اليومية من انقطاع الكهرباء ونقص السيولة وتردي الخدمات الصحية والتعليمية.
إن اتفاق “4+4” قد يكون فرصة حقيقية لإنهاء هذا الكابوس، لكنه لن ينجح إلا إذا وضعت الأطراف مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات الضيقة، وتخلت عن منطق “الغنيمة” الذي حكم المشهد طوال السنوات الماضية.



